لقد كان دخول الأمير هشام إلى معترك الحياة السياسية المغربية هادئا. وقد أوْلت كثير من الهيآت السياسية وكثير من المنابر الإعلامية أهمية كبيرة لهذا الدخول الأميري، لكن سرعان ما تحول هذا الاهتمام عند البعض إلى أحاديث “سرية” في صالونات النخبة، وعند البعض الآخر إلى مواقف مترددة أو متحفظة. ولم تخف بعض الجهات السياسية والإعلامية موقفها المنتقد للنبرة “التصعيدية” التي تميزت بها بعض تصريحات الأمير هشام في شأن الحياة السياسية المغربية عامة، وفي شأن الملكية بصفة خاصة. وقد رأى بعضهم أن الأمير قد تجاوز الخطوط الحمراء في كلامه الذي نشرته جريدة (لوموند) في 26 يونيو 2001، ووُصف هذا الكلام بأنه يفتل في حبل أعداء المغرب العاملين من أجل المس بوحدته واستقراره .

ماذا قال الأمير في هذا الكلام؟ لقد عبر عن وجهة نظره فيما يخص الوضع المتردي الذي وصلت إليه البلاد، والذي فرض عليه أن يتكلم. وفي هذا الكلام ذكر أن روح النظام القديم ما يزال هو المهيمن على الحياة العامة، وهو الأمر الذي يناقض الآمال التي كان يعقدها المغاربة، ومنهم الشباب خاصة، على ما يسمى بالعهد الجديد. وقد أكد أنه لا البرلمان ولا الأحزاب السياسية، ولا الملكية نفسها، قد اتخذت مبادرات جادة للعمل من أجل الاستجابة لطموحات الشعب المغربي، وأن الأوضاع الحالية توشك أن تنتهي بالبلاد إلى الإفلاس التام إن لم تُتدارك بالعلاجات الحقيقية المطلوبة في جميع المستويات، وعلى رأسها المستوى السياسي. واقترح في كلامه، للخروج من هذه الوضعية السياسية الانتظارية، عقدَ مؤتمر وطني، بمبادرة من الحكومة أو من منظمة مستقلة غير حكومية، ينكب على الأسئلة الحقيقية والقضايا المستعجلة. وختم كلامه قائلا: “إنه من الضروري أن نجد الشجاعة في الوقت المناسب من أجل طرح القضايا الملحة في نقاش عام، ووضعِ أسس بناء عهد جديد بالمغرب.”

وقد أدت هذه التصريحات وغيرها من الآراء التي عبر عنها الأمير هشام، في عدة مناسبات، إلى أن يصبح من الموضوعات الممنوعة في وسائل الإعلام التي تسيطر عليها الدولة.

وقد أضيفت أحداثٌ أخرى إلى هذا الملف حتى أصبح الأمير هشام “قضية” تستحق تدخلاتٍ من مستويات عليا في الدولة وتكوينَ لجنة “رسمية” للاتصال والتحقيق.

أما رأينا في الموضوع، فنلخصه في جملة واحدة وهي أن الدولة المخزنية، التي هي دولتُنا، وحريةَ الرأي والتعبير والنقد والنصح نقيضان لا يجتمعان، وإن كان صاحبُ الرأي والتعبير والنقد والنصح سليلَ هذه الدولة المخزنية نفسها.

فالقضية وما فيها أن الأمير هشاما- بغض النظر إن كنا متفقين معه أو مختلفين، وبغض النظر عن مضمون آرائه واقتراحاته وتصوراته- سلك طريقا لم يُعجب القائمين على أمر نظامنا المخزني، الذين ما يزالون يعتقدون أنهم يملكون كل شيء، وأنْ ليس على المواطن الذي يعتبرونه “رعية” إلا السمع والطاعة والإذعان، وإلا صُنّف في المغضوب عليهم وإن كان من “أبناء الدار”، كالأمير هشام. فنحن إذاً أمام عقلية مخزنية استبدادية “متخلفة” لا تنظر إلى الرأي المخالف والموقف المعارض، مهما كان مضمونه وأيا كان مصدره، إلا بمنظار العداوة والرفض، ولا تعالجه إلا بأسلوب القمع والمنع والإقصاء. وإنه لمن أكبر الوهم أن نتصور أن هذه العقلية التي تشكل روح الدولة المخزنية يمكن أن تتطور، في يوم من الأيام، فتصبحَ عقليةً تنظر بمنظار الحق والقانون وإقرار الحريات وحمايتها. وإن الزمن لكشّاف.

وصلِّ اللهم وسلّم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.