أكتب هذا المقال ليس ارتباطا بقضية البخاري عضو المخابرات المغربية السابق، الذي قال ما قال ثم ردم في السجن ليخرج وسط قيل وقال، ولا ارتهانا لما جاء في شهادته، لكن للنفاذ إلى قضية أكبر ترهن مستقبل المغرب السياسي وتشكل عربون ما يطلقه النظام السياسي من شعارات طنانة رنانة تحجب ما وراءها من أصوات مخنوقة ودهاليز مظلمة، تلك هي قضية طي صفحة الماضي البئيس. لقد حل “العهد الجديد” فوجد نفسه مثقلا بجراب من الآثام والموبقات السياسية والاقتصادية والأخلاقية ارتكبت في حق الشعب المغربي فيما مضى. فخلص رواد العهد الجديد أن لا شيء يكفر عن تلك الدواهي إلا استلهام صيغة سياسية ذات مفعول سحري سريع، تكون مجربة من طرف بلدان أخرى استعملتها لتغسل أدران ماضيها. وكانت الصيغة هي مفهوم “طي صفحة الماضي”. لكن، ومع كل الأسف ترك، “العهد الجديد” سياق المفهوم ومضمونه وسوابقه ولواحقه، ولم يأخذ منه إلا الفعل الشكلي وهو الطي، فأخذ يطوي كل ما عليه يلوي مما يمكن طيه وتصل إليه يده.

وهكذا طوى الصحف (الأسبوع السياسي، الشمال، لوجورنال، الصحيفة، دومان، رسالة الفتوة، العدل والإحسان). وطوى البشر طيا يوم الذكرى السنوية لحقوق الإنسان وفي اعتصامات المعطلين واحتجاجات الطلاب، ثم أخيرا، ولا أزعم آخرا، طوى لسان البخاري بعدما طال أكثر من اللازم. ولا فرق، كما تعلمون، بين أشكال الطي هذه وبين ما قام به العهد القديم، بدليل شهد شاهد من أهلها، فما كان العهد الجديد أحوج للطي لولا تسليمه بما قام به القديم من طي، وربما يكون الفرق بينهما أن السلف احترفوا الطي بالتقسيط والخلف يريدونه جملة بلا تفصيل.

ومادامت نازلة البخاري هي التي أملت هذا المقال، فلنخُصّها بكلمات نستلها من بين هاتيك المطويات:

فالبخاري، بغض النظر عن قيمة ما صرح به وعن مسؤوليته في ذلك وعمن يقف وراءه، فقد حاول فك الرموز الهيروغليفية لصفحة الماضي، وخرج عما يقصده المسؤولون من الطي. فهم يريدونه طيا للصفحة من غير قراءة، أو حتى إن طالبت بالقراءة فستكون أمام صفحة مشفرة غريبة الخط.

ما قاله البخاري، مع أنه لا يشكل جديدا لدى خبر دهاليز الظلم، فإنه يشكل مدخلا لاطلاع الشعب رسميا على الحقيقة، وكما هو معلوم فالحقيقة هي أم شروط الانتقال إلى الوضع الصحيح. لكن إخراس البخاري يؤكد أن المسؤولين يريدون انتقالا بقفزة فجائية من ضفة إلى ضفة، أو بتعزيمة سحرية يتبدل معها الحال غير الحال من دون قنطرة عبور هادئ ومنتظم يبدو فيه كل واحد على هيأته الحقيقية ولا مجال فيه للانسلال وسط الزحام.

فلا انتقال إذن بدون فرز دقيق للأحداث والأشخاص والمسؤوليات، وهذا لا يعني، مباشرة ضرورة ترتيب جزاء على المساءلة، وإنما الغرض تبيان الحقيقة، وأظن أن أكبر عقاب ممكن لمجرمي الماضي هو انفضاحهم أمام الشعب.

لجم البخاري يؤكد، بما لا يقبل الجدل واللبس، أن كثيرا ممن ولغوا في دماء الشعب إبان تلك الحقبة المظلمة ما زالوا ضالعين في تسيير دفة الحكم وماسكين بخناقه، شعارهم لا فكاك لا فكاك.

فأي انتقال يرجى مع هؤلاء والحال أن تجارب العالم في إعادة الترتيب الصحيح للأوضاع تفصح عن أنه لا مدخل لذلك إلا شجاعة الاعتراف واستقلال القضاء، في حين أن أصحابنا يريدون تقييد الجريمة ضد مجهول عن طريق قضاء مربوط مباشرة بسلك التعليمات والأوامر.