هذه هي المرة الأولى التي يصدر فيها بيان عن المجلس القطري للدائرة السياسية لجماعة العدل والإحسان رغم كونه ينعقد للمرة الخامسة. لماذا الآن، وما هي طبيعة المجلس؟ وما هي وظيفته؟

بالفعل، لقد كانت دورة أكتوبر 2001 هي الدورة الخامسة التي انعقد فيها المجلس القطري للدائرة السياسية. وقد تم تأخر الإعلان عنه بعض الشيء لأسباب تقنية لا غير. ذلك أن الجماعة لما قررت الإعلان عن مجلس الشورى، والناطق الرسمي، والأمين العام للدائرة السياسية، فإن الإعلان عن بقية المؤسسات والهيآت ليس إلا مسألة وقت، لاسيما وأن العمل في العلن ينسجم مع الخط الذي اعتمدته الجماعة منذ التأسيس.

وإذا كنا قد تكتمنا على بعض الهيآت في مرحلة معينة، فإنما اضطررنا إلى ذلك بسبب الاعتداءات المخزنية المتكررة على الجماعة، والملاحقات المتواصلة لأعضائها، وليس معنى هذا أن مواقف السلطة قد تغيرت اليوم أو تعقلت. ولكن لأنهم، على ما يبدو، قد أدركوا أن الضغط والاضطهاد والسجون لم تزد الجماعة، والحمد لله، إلا قوة وثباتا، ومواقفها إلا تألقا وتقديرا. وقد بذلت محاولات مجنونة، واستخدمت وسائل غاية في الخسة للحيلولة دون وجود كيان أراد أن يعمل باستقلالية حسب طاقته واجتهاده للمساهمة في إعادة الإسلام إلى واقع الحياة، والتمكين لشرع الله في ميادين الحكم والاقتصاد والسياسة والاجتماع وغيرها من المجالات، خابت المساعي الخسيسية، وبقيت جماعة العدل والإحسان ماضية في سبيلها، واثقة بموعود ربها وموعود رسوله الأكرم صلى الله عليه وسلم.

لم تستفزنا الأحداث، ولم يستخفنا الذين لا يوقنون، ومضينا لما نحن بصدده من تأهيل أنفسنا تربويا وفكريا وسياسيا وأعددنا ما يلزم من هيآت ومؤسسات ووسائل للقيام بمسؤولياتنا. والمجلس القطري هو لبنة في مؤسسة الدائرة السياسية لجماعة العدل والإحسان. هناك لوائح تنظيمية تفصل في شروط العضوية ومهامه وطريقة اشتغاله لا يتسع لها المجال هنا. وحسبي أن أقول إنه يعتبر أعلى هيأة مقررة في الدائرة السياسية.

جاء في البيان أن خطورة الأوضاع باتت تفرض على العقلاء والفضلاء من أهل الدعوة والفكر والسياسة أن يفكروا ويعملوا بجرأة ومسؤولية من أجل بديل جذري يقيم دولة الحقوق والحريات والعدل والشورى والمؤسسات المسؤولة، ماذا تقصدون بالبديل الجذري؟ هل هو أسس نظام الحكم؟ أم تغيير الدستور أم ماذا؟ بمعنى آخر ما هي أولوياتكم في تنزيل هذا البديل؟

إننا لا نمارس السياسة السياسوية، أو نتحدث أو نتحرك بدافع السياسة أو التنافس على مكاسب عاجلة. وأبرأ إلى الله أن يكون القصد من هذا الكلام تزكية النفس أو التطاول على الغير إنما تحركنا مبادئ الإسلام الحنيف، ونتحدث بنفس تغييري إصلاحي بمعناه القرآني، وبدافع الإشفاق والخوف أن تستفحل مآسينا وأزماتنا، ويدرك بلدنا ما أدرك بلادا أخرى من الويلات والأرزاء، اشتدت معها معاناة الناس، وعادت تلك البلاد القهقرى لا ندري كم سنة.

لذلك توجهنا ومازلنا نتوجه بالخطاب إلى العقلاء والفضلاء من هذا البلد، وليسوا قلة والحمد لله، وعلى اختلاف توجهاتهم وتباين اهتماماتهم، وتعدد مجالات انشغالاتهم وتخصصاتهم، أن يتدبروا الأمر، وينظروا إلى بلدهم بإشفاق، وبالغيرة التي لا نحسب أنها تنقصهم، من أجل المبادرة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه قبل فوات الأوان.

إن الكل يعلم مستوى التردي الذي تعيشه البلاد، والكل يعرف بأن الأحوال تزداد سوءا يوما بعد يوم، والكل قد أدرك بيقين أن المحاولات المعتمدة لحد الآن لم تُجد نفعا، ولم تغير من الواقع البئيس شيئا. وما ذلك إلا لأن بعض الساسة والمسؤولين عندنا لا يريدون أن يضعوا أصبعهم على مكمن الداء، وجرثومة البلاء. إنهم يتحاشون المشاكل الحقيقية، ويتلهون بالمسائل الهامشية، ويصدون عن السبيل الأقوم القاصد، ويسلكون المنعرجات والشعاب الملتوية التي قد تضيع فيها أعمار دون أن تبصر فيها يوما قبسا من نور.

لذلك اقترحنا أن تكون هناك وقفة جدية وحازمة تقطع مع مرحلة معروفة لدى الجميع بآلامها ومحنها وظلمها وظلامها، وتؤسس لمرحلة جديدة. واقترحنا ميثاقا يكون مفتوحا للجميع، ولابد من ذلك، ويساهم كل بما عنده من أجل التأسيس لتغيير حقيقي، وبناء نظام إنساني على قواعد العدل والشورى والإنصاف والكرامة الآدمية.

نحن ما زلنا مقتنعين بالفكرة، فكرة الميثاق الإسلامي، وسوف نستمر في تبيان أهميتها، باعتبارها المدخل الأرشد لأي حديث جدي عن التغيير، والبداية الصحيحة الواعدة. وقد اقتنع بهذه الفكرة عدد لا بأس به، وتحدثوا عنها في مناسبات شتى، وإن بعبارات متباينة، ولا مشاحة في المصطلحات.

أنتم تعترضون على السياسة الحكومية الخارجية، فهل لديكم بديل تقترحونه عليها، وإلى أي حد تعتبرون تواصلكم مع بعض الديبلوماسيين الأجانب قد يؤثر على السياسة الخارجية للمغرب؟

تسألني ماذا نقترح على السياسة الحكومية الخارجية، وكأن هناك استعدادا لقبول رأينا أو لسماعه حتى، وكأن الخلل ينحصر في هذا المجال وحده دون غيره. الواقع أن الخبال والتخبط والارتجال قد استشرى وامتد إلى كافة الميادين. وهذه آثار بادية لكل ذي عينين، يتحدث عنها القاصي والداني وحتى بعض من يشاركون في الحكومة، ويساهمون، يا حسرة، في تسيير شؤون البلاد.

لذلك ينبغي أن ننظر إلى الأمور بعمق، وألا تشغلنا المظاهر عن الأسباب العميقة الكامنة وراء ما يجري. إن السياسات المتعبة سواء على المستوى الخارجي أو الداخلي ما هي إلا إفراز طبيعي للتوجه العام المعتمد لتسيير دواليب الحكم، وإدارة شؤون البلاد، وهو توجه ما زالت تعيش عليه العقلية المخزنية العتيقة، والممارسات الاستبدادية البالية. لذلك فإن المواقف العامة، والتوجهات السياسية، وتقدير مصالح البلد تبقى رهينة بهذا الوضع السيئ، ومعبرة بوضوح عن عمق الأزمة.

لقد اتسع الخرق على الراقع، ولا نقصد بتواصلنا مع من أشرت إليهم من ديبلوماسيين، أجانب أو صحافيين أو مفكرين أن نؤثر على السياسة الخارجية للمغرب، إنما ذلك التواصل يتم بطلب من تلك الهيآت ونحن بابنا مفتوح نتحدث مع من يرغب في التحدث إلينا، ونتحاور وندلي برأينا في القضايا المطروحة بكل حرية.