ما الوحي؟ ما النبوة؟ ما الذي يمكن أن يحدثنا عن الوحي والنبوة والوحي ذاته؟

بعد أن تراجع الإدراك العلمي عن يقينياته إلى حيرة رشيدة، أصبحت عملية التواصل مع عقلاء المثقفين أكثر سهولة وانفتحت قنوات الشبكات متعددة الوسائط في وجه رسالة الوحي. ففي سورة الشورى يخبرنا الله عزوجل” وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب أو يرسل رسولا فيوحي بإذنه ما يشاء. إنه علي حكيم. وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا. ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا. وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم، صراط الله الذي له ما في السماوات وما في الأرض. ألا إلى الله تصير الأمور”(الآيات: 51-53).

فالوحي إذن كلام الله الملقى إلى شخص اصطفاه الله وباركه، بواسطة الوسائل الثلاثة المذكورة باستثناء موسى عليه السلام الذي كلمه الله بدون واسطة كما تخبرنا بذلك سورة النساء:”إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيئين من بعده. وأوحينا إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وعيسى وأيوب ويونس وهارون وسليمان وآتينا داوود زبورا. ورسلا قد قصصناهم عليك من قبل ورسلا لم نقصصهم عليك. وكلم الله موسى تكليما. رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل. وكان الله عزيزا حكيما. لكن الله يشهد بما أنزل إليك. أنزله بعلمه والملائكة يشهدون. وكفى بالله شهيدا.”الآيات: 163-166

ويمر موكب أنبياء الله المبارك في القرآن. رسل مبشرون منذرون تؤيد صدقيتهم المعجزات. لم يكونوا كهنة ولا ملهمين شيطانيين مثل الذي تعرفهم سائر العصور والمجتمعات. فالمخبولون يسلون جمهورهم ردحا من الزمن، لكنهم أبدا لا يرقون إلى المستوى الكوني، ولا يؤسسون الديانات الكبرى التي تشق طريق الهداية الربانية.

بل إن من يصطفيه الله من البشر الفانين هو أول المنبهرين حين يفجأه الوحي. فقد وصف نبينا محمد صلى الله عليه وسلم فزعه الشديد حين رأى جبريل يقتحم عليه خلوته في غار حراء بجبال مكة ويلقي إليه الرسالة:”فأخذني فغطني حتى بلغ مني الجهد”رواه البخاري ومسلم. أمره الملك بالقراءة، لكنه كان أميا فلم يقدر على الاستجابة. ضمه الملك إليه ثلاث مرات قبل أن يلقنه أول سورة منزلة-سورة العلق- التي تعرفه بخالقه وخالق الكون.

أخي الإنسان !أختي الإنسانة !

إذا كنتما من الذين من عليهم الله بالقدرة على قراءة العربية-لغة المقدس- وفهمها، فالقرآن بين أيديكما بمحتواه الأصيل المحفوظ من كل تزييف، وأريجه العطر الخالص من كل شائبة. هو لك: رسالة من الله إليك، إلى إنسان كل الأزمنة.

أما إن لم تكن العربية لغتك، فاستند إلى تأويل القرآن-ولا أقول ترجمة لأن كلام الله لا يترجم- إلى أن يشع في قلبك نور الإيمان.

ذلك هو الوحي، أما النبوة والرسالة فتعني اصطفاء الله عز وجل نبيا بشرا ينزل عليه وحيه ويكلفه بتبليغ رسالته إلى مخلوقاته العاقلة ويمده بمعجزات تبرهن للناس بطابعها الخارق على صدقه، كما يلخص ذلك حديث النبي صلى الله عليه وسلم:”ما من نبي من الأنبياء إلا أعطي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر. وإنما كان الذي أوتيته وحيا أوحاه الله إلي، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة” رواه البخاري ومسلم.

أما باقي الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، فقد تلقوا الوحي جميعا، وبلغ بعضهم تعاليم لم يدونها أتباعهم إلا بعد وفاتهم بسنين طويلة، فلم تسلم من التعديل والتحريف، ليبقى القرآن المعجز متفردا بأصالته وسلامته من التحوير.

إن من أهم الأسباب التي تدفع الأتباع إلى التصرف في رسالة الأنبياء ميل الطبيعة البشرية إلى مجاوزة الحد عند تنزيه حياة متبوعيهم وتعاليمهم، بدليل ما فعله أتباع المسيح عيسى عليه السلام بعد وفاة حوارييه الصالحين. فقد رفعوه إلى مقام الألوهية بعدما شهدوا المعجزات العظمى التي من الله عليه بها.

كان مولده معجزة فريدة وكانت حياته اليومية سلسلة من المعجزات الباهرة التي يسردها عليه السلام لقومه في سورة آل عمران:”إني أخلق لكم من الطين كهيأة الطير فأنفخ فيه فيكون طائرا بإذن الله. وأبرئ الأكمه والأبرص وأحيي الموتى بإذن الله. وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم”(الآية5)، لذلك لم يتردد بعض النصارى في تأليهه.