أول آية من الكتاب المعجزة أوحى بها الله إلى نبيه محمد صلى الله عليه وسلم تخبرنا أن على رسول الله أن يقرأ الوحي باسم الله الخالق. ثم بعد بضع آيات أن إلى الله مرجع الإنسان بعد الممات، وأن عليه لكي ينجو من العذاب الشديد أن لا يسلك في هذه الحياة سبيل الأنانية ومعاداة أهل الخير. حين نقرأ القرآن، ندرك فورا أن الإيمان بأن لهذا الكون الزاخر بالألغاز خالقا لايكفي لكي يكون لحياتنا معنى واتجاها. وحين نقول إن العلم الحديث فقد يقينياته ونتباكى متسائلين عن معنى الحياة، فإنما نفعل ذلك مدفوعين بقلق الموت، لا يحركنا في ذلك فضول مجاني. قلق الموت، وهاجس المصير بعد الموت هما لب المسألة وبداية الطريق.

معرفتي بأني مخلوق من مخلوقات الله هي نقطة الانطلاق لأومن بأن بعد الموت حياة أخرى، هي التي تقود خطواتي وتوجه سلوكي في الدنيا حتى لا يكون سيري مجرد خبط عشواء. لذا يتضمن القرآن الكريم أربع موضوعات رئيسية هي صفات الخالق ورجعة الإنسان بعد الموت ومهمة الأنبياء عليهم السلام ثم مكابدة الإنسان في الحياة الدنيا واستحقاقه بعدها للجزاء أو العقاب.

لا بديل إذن من قراءة متأنية متواصلة للنص القرآني لمن يبحث عن العلم والفهم في خبايا الوحي بعد فشل العلوم والفلسفات البشرية في هدايته.

فسورة “المومنون” مثلا تستوعب في بدايتها الحياة الدنيا للإنسان ومصيره في الآخرة بعد اجتيازه لامتحان العبور:”قد أفلح المومنون. الذين هم في صلاتهم خاشعون. والذين هم عن اللغو معرضون. والذين هم للزكاة فاعلون. والذين هم لفروجهم حافظون” ليعرج القرآن، فور انتهائه من تعداد الفضائل والعبادات التي تؤهل المؤمن للسعادة الأبدية، على أصل الإنسان:”ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين. ثم جعلناه نطفة في قرار مكين. ثم خلقنا النطفة علقة. فخلقنا العلقة مضغة. فخلقنا المضغة عظاما. فكسونا العظام لحما. ثم أنشأناه خلقا آخر. فتبارك الله أحسن الخالقين” ثم مصيره:”ثم إنكم بعد ذلك لميتون. ثم إنكم يوم القيامة تبعثون”(المومنون/12-14)

فالحياة الدنيا إذن امتحان، والغاية من الوجود الدنيوي هو اجتياز الامتحان:”تبارك الذي بيده الملك وهو على كل شيء قدير. الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا”(الملك/2). لهذا تظل الأشياء والأفكار والكون وضجيج العالم عقبات تعترض طريقي إلى الله عز وجل.

أما أكبر امتحان في الزمن الحاضر فهو أن أكتشف دون أن أرتاب لحظة واحدة في حكمة القدر الإلهي الهوة السحيقة التي تفصل عالما حديثا متطورا وغنيا عن عالم مسلم فقير ومستضعف.

تمنحني الحداثة ومقاومة الإسلام لمذهب الحداثة الفرصة المناسبة لأن أكون أحسن عملا. فاليوم، تعرف الحداثة تطورا مخيفا في شتى المجالات العلمية والتكنولوجية. لكن أكثرها إثارة للفزع هو تطور الهندسة الوراثية حيث يبدو العالم المتلاعب بالخلايا والمورثات وكأنه يخلق حسب هواه النباتات والحيوانات والبشر. هذا التقدم المجنون الذي تعرفه العلوم والتكنولوجيا عجلة مسعورة تصفها سورة الأنعام:ابتليت الأمم التي نسيت ربها فتلاحقت عليها سنوات سمان وأخرى عجاف إلى أن باغتها الموت واحدة واحدة أو جاءتها الطامة الحضارية فعفت على ما بنوا مستكبرين.

فجوة فتحها القدر في حائط كان البارحة متمنعا على المعرفة ليمتحننا، فأصبح مستحيل اليوم مجرد لعبة تافهة.

أَفِقْ أيها الإنسان المنكب على مجهرك ! أنت لا تخلق أي شيء ! فالخلية ونواتها ونظام المورثات ليست من بنات أفكارك ولا من صنع يدك.

أيها المتلاعب المسخر المتهور! دماغك، هذا الجهاز العجيب، أنت الذي صنعته ونفخت فيه الروح؟ هل أنت الذي منحته الذكاء والخيال؟

تخبرنا الآية44 من سورة الأنعام:”فلما نسوا ماذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء. حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون”.

تتتابع الامتحانات ويتجه الجميع، أشخاصا ومجتمعات، نحو الموت، والسعيد من لم يلهه المتاع أو المصيبة عن الحق. السعيد من عقد العزم على إرضاء ربه وعمل لبلوغ هذه الغاية فـ”من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد ثم جعلنا له جهنم يصلاها مذموما مدحورا، ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن فأولئك كان سعيهم مشكورا”(الإسراء/18-19)