لولا اعتباران لكل منهما حظه من الأهمية لكان التفات المرء إلى الوراء وتشييع رفات الأموات ضربا من العبث. الاعتبار الأول هو أننا بصدد البحث عن البواعث النفسية الاجتماعية الفكرية السياسية التي دفعت بطليعة من الجيل الثاني الوطني إلى أحضان الفكر الثوري، وتلك نظرتنا إلى الماضي. لا يستبين لك مستقبل إن لم تعرف ماضيك.

الاعتبار الثاني هو أن في قعر شعور بقايا الجيل الثاني والجيل الثالث في الأحزاب الوطنية بقايا ورواسب، وفي لغة خطابهم مصطلح، من إيديولوجية ماتت في العالم وبقي جمر محتضر يجادل عن نفسه فيما نقرأ ونسمع من كلام وطنيين لا نشك في إخلاصهم، ونود معرفة ماضي الفكر وتاريخه لينجلي الغموض عن مستقبل نقترحه نحن إسلاميا محضا ويقترحونه هم كتلة تاريخية.

هل تسخو نفوس سلح نضالها زمنا فكر أجنبي، وهل تنعتق عقول وجهت تفكيرها زمنا منهجية أجنبية، بالعوض الإسلامي؟ هذا مدار همنا وُبؤبُؤ تهممنا. استفحل التناقض في الموضوع، وهو تاريخ المغرب، وادلهمت آفاق التناقضات في مستقبل المغرب. ما كان المغرب مغربين متقاطبين متباعدين متدابرين كما هو الآن، وكما يهدد كينونته مستقبل غامض غموض العقول التي تدحرجه على حافة الكارثة ومشارف الطوفان. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

هل ترجع نفوس وعقول من الاكتئاب العاجز عن فهم ما يجري في المغرب والعالم، ومن الإنصات الأسيف الغبي لفتوى صندوق النقد الدولي يخبرنا تارة أن المغرب تلميذ من تلامذته الأذكياء، وتارة أن المغرب في فوهة الكارثة.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

هل نرجع توبة إلى الله وتحولا من التفكير السياسي المادي الجدلي الأرضي إلى التفكير في مصيري أنا بعد الموت، ورسالتي أنا وأمتي في الحياة، ومصيري أنا وأمتي بين مصائر الأمم. “في سبيل الله والمستضعفين”

لا تطابق الجدلية المادية آمال قلبي المؤمن بالله وبلقاء الله، ولا يخبرني تقدم التقدمية ما معنى التقدم، وإلى أين التقدم، ومم التقدم. كذبت علي التقدمية وافترت، وعطِب من وقع بيداغوجيتها عقلي وسفِهت نفسي، لما حاولت طمس عقيدتي ومسخ شخصيتي. مَنَّتني التقدمية بثورة منقذة وسولت لي السكوت عن هوية انتمائي وحقيقة ذاتي. ثم لا هي ثوَّرت، ولا إيماني بالله وباليوم الآخر أصبحت قادرا على التعبير عنه بلغة قلبي.

إن التوبة إلى الله والرجعى إليه هداية من ضلال. ليس الإسلام فكرا ومذهبا وحقوقية شريعةٍ نعتنقه لننتقد بمبادئه مبادئ الشيوعية والرأسمالية. الإسلام وتوبته عمل، مشروع عمل، يتحول به الإنسان والمجتمع من مَهْيَع الضلالات الجاهلية إلى الصراط المستقيم، صراط الله الذي له ما في السماوات وما في الأرض. ألا إلى الله تصير الأمور.

الإسلام خطوة مصيرية من مساق متذبذب إلى يقين فاعل في الحياة الدنيا فيه ما يسعد الأمة وينتشلها من الوَهْدَة، وما يسعد المسلم يوم لقاء ربه. الإسلام وتوبته الانقلابية خطوة في حياتي نحو تربية تغرس في سويداء قلبي غرسة الإيمان، وتفتح عينيْ نفسي وعقلي على آفاق أخرى حية نيرة منفتحة على الدنيا بما هي دار عمل، وعلى الآخرة بما هي المآل الحتمي. إيماني بالله وبلقاء الله وعملي الصالح هما جواز سفري الوحيد من مدافن الشقاء إلى منازل أهل الصفاء. في جنات ونعيم خالدين فيها. وذلك جزاء المحسنين.

تقذف بي التقدمية، إن أسْلستُ لها القياد، على حافة قبر لا خبر عندها بما وراء ظلمته ووحشته. فإن أنا بعتها ديني، أو بعض ديني، أو سنوات أو أياما من حياتي لا يحسب لي حساب عملها وكدحها ونضالها في ميزان آخرتي، فأنا المغبون البليد حقا.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

وإذا عدت إلى دين آبائي ومعتقد طفولتي ونور تربية شبابي متسللا من النافذة بعد أن أغلقت أبواب التقدمية في وجهي، واصطَفقتْ رياح الخواء في َبلاقع آمالي، فلست أنا أنا. من أنا غير إمَّعَة جبان إن لم أواجه نفسي بصرامة طالما واجهت بها غيري!

إنما يستنكف عن سماع العتاب المستكبرون. وإن مصارحة النفس لا تقبل التجزئة أرباعا وأنصافا لدى ذوي الهمم العالية الذين نخاطبهم بتوبة تجمعنا وإياهم على كلمة سواء.

ما لأحد على أحد وصاية في الدين، وما لأحد أن يدعي احتكار الإسلام، فإن فعل فقد استكبر ورشح نفسه لهَبَال العالين من الشياطين.

الرحلة طويلة شاقة من مألوف تفكيريَّ وانقياد لدليل اقتنعت زمانا بصواب نظره ومتانة منطقه وشدة ساعده، إلى تفكير آخر، وانقياد آخر، ونظرة أخرى، وقوة أخرى، وتوكل آخر.

والامتحان العملي لتماسك شخصيتي، وأصالة العنصر الإنساني الذي صُنعتُ منه، وَنفاسة المعدن الذي صيغ منه كياني، يتمثل في استجابتي لله رغم أنف كل متكبر جبار بدون استثناء نفسي الحريصة على سمعتها وماضيها وتاريخ نضالها. الامتحان يقول قانون نظامه:”وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمومنون. وستردون إلى عالم الغيب والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون”. سورة التوبة:105. الله سبحانه الحسيب وحده لا شريك له، والمؤمنون المسلمون يرون العمل، لا ينقبون عن القلوب.

ملاحظة: النقط المحذوفة هي جزء من نص المقال في الأصل، وهي شاهدة على تكميم الأفواه ومحاربة الحق وأهله ( رقابة ذاتية في دولة الجبر والعض) ، والله غالب على أمره ولكن أكثر المنافقين لا يفقهون.