في الوقت الذي تختلف فيه الآراء حول ما يدور على الساحة الفلسطينية، ونسمع فيه العديد من التصورات التي تتوافق أحيانا وتتناقض أحيانا أخرى، نرى أنه لابد من استقراء كل ما يصدر من تصريحات من هنا وهناك علّنا نصل إلى الحقيقة حتى نتمكن من تنسيق خطواتنا القادمة على بينة وهدى.

ما من شك أن هناك وقائع ملموسة لا يمكن إنكارها، وأن هذه الوقائع من ورائها قوى لها أهداف تريد أن تحققها، والوقائع الملموسة لا يمكن أن تختلف فيها الآراء، ولكن الذي تختلف فيه الآراء هو الاجتهاد في استنباط الأهداف التي تريد تلك القوى تحقيقها من وراء تلك الإجراءات المنظورة، ومن بين هذه الحقائق الملموسة أن مقر الرئيس عرفات محاصر الآن من قبل دبابات العدو الصهيوني، وأن الطائرات الصهيونية قامت بتدمير العديد من المنشئات التي تعارف الجميع على تسميتها برموز السيادة الفلسطينية، وأن هناك اقتحامات تحدث من حين لآخر للمدن الفلسطينية، بل وإعادة احتلال أجزاء من مناطق الحكم الذاتي، وأن هناك عمليات اغتيال منتقاة لعناصر المقاومة الفاعلة في كل من حماس وفتح والجهاد الإسلامي، وأن هناك ردودا قوية على الإرهاب الصهيوني من قبل هذه التنظيمات الأكثر استهدافا من قبل العدو.

فماذا يريد الصهاينة من حصار مقر الرئيس؟ وماذا يريدون من اقتحام المدن وإعادة احتلال أجزاء منها؟

فهل يريدون حقا تقويض السلطة والقضاء عليها ؟ أم أن الذي يجري يندرج في إطار تكثيف الضغوط على السلطة حتى تحقق لهم ما يريدون من القضاء على الانتفاضة وشل المقاومة ؟

المنطق يقول إن القضاء على السلطة لن يكون في صالح العدو، بل على العكس من ذلك تماما حيث إن العدو الصهيوني سيجد نفسه في مواجهة شعب يحب الشهادة في سبيل الله كما يحب الصهاينة الحياة، وسيكون باب الجهاد مفتوحا على مصراعيه لا تقف في وجهه عوائق أوسلو، فحق المقاومة أمر مشروع لولا التزامات السلطة في أوسلو.

فهذه كونداليزا رايس مستشارة الأمن القومي تقول: ” الولايات المتحدة تدعم اتفاق أوسلو، وتعتبر أنه الأساس لبناء السلام، ولكن نريد الآن من عرفات ونيابة عن شعبه اتخاذ تدابير ضد “الإرهاب”، الولايات المتحدة تتزعم التحالف الدولي ضد الإرهاب، وقلنا اتفاقية أوسلو لا تتفق مع الإرهاب وتهريب الأسلحة إلى الشرق الأوسط، وكذلك أنشطة حماس وحزب الله، كما أن أوسلو لا تنسجم مع التأثير الإيراني في تلك المنطقة الحساسة بدعمها للإرهاب “، فمن الواضح إذن أن غياب أوسلو سيعيد للمقاومة شرعيتها المسلوبة، وهذا ما لا يمكن أن تفعله حكومة صهيونية ولو كان على رأسها شارون، وفي رسالة عاجلة توجه بها كل من رئيس المعارضة يوسي سريد، والوزير السابق يوسي بيلين، وتسالي ريشف من “السلام الآن” إلى وزير الخارجية كولين باول جاء فيها ” نحن قلقون من أن مقاطعة السلطة الفلسطينية أو تقويضها سيؤديان إلى تصعيد آخر في العنف وستوقعان بالكارثة على المنطقة”، وأضافت الرسالة ” في ظل غياب السلطة الفلسطينية ستتعزز العناصر المتطرفة، وسينجم فوضى وفراغ، الذي ستضطر معه اسرائيل إلى إعادة احتلال الأراضي الفلسطينية، وهو الكابوس الذي لا يريد أغلبية “الإسرائيليين” الوصول إليه”.

فالميل المتبلور الآن في الإدارة الأمريكية هو الامتناع عن خطوة كبيرة ضد السلطة الفلسطينية، أو ضد الرئيس عرفات، والامتناع عن قطع العلاقات مع رئيس السلطة، وبدلا من ذلك ينوي الأمريكيون اتخاذ عدة خطوات تضيق على الرئيس عرفات والسلطة بصورة متراكمة.

ولذا فإن التصور بأن الصهاينة يريدون تدمير السلطة الفلسطينية تصور خاطئ جدا، وهناك الكثير من التصريحات تؤكد ذلك، بل وتحذر من الوقوع في هذا الخطأ الجسيم، فهذا وزير الخارجية الأسباني جوسيف بيكيه يقول ” إن الاتحاد الأوروبي لا يزال يعتبر أن ياسر عرفات الممثل الشرعي للشعب الفلسطيني، ورفض بيكيه التعليق على تقارير قالت أن الولايات المتحدة تفكر في قطع صلتها بالسلطة الفلسطينية، وقلل من شأن تلك التقارير معتبرا أنها تكهنات “، فيما أبلغ كولن باول الرئيس الأمريكي بأنه يرى أن من المهم الإبقاء على نوع من العلاقة مع الرئيس عرفات، ويرى باول أن قطع العلاقة مع الرئيس عرفات سيضر بعلاقة واشنطن وحلفائها في العالم العربي، وعليه يطالب باول بإبقاء الاتصال مع عرفات، مع تكثيف الضغوطات عليه للتجاوب مع المطالب الأمريكية.

وعليه فإن حصار مقر الرئاسة، واقتحام المدن إنما يهدف شارون من ورائه ممارسة أقصى درجات الضغط على السلطة حتى تعمل بمقتضى الإرادة الشارونية، وهذا هو هدف أوروبا وأمريكا أيضا، من أجل ذلك نرى أن تصريحات المسئولين الأمريكان قد أبقت الباب مشرعا أمام السلطة الفلسطينية، ولم تغلقه أبدا في وجهها إلا أنها تحرضها على القيام بما يريده شارون، فهذا الناطق باسم البيت الأبيض آري فليشر: يقول: ” من واجب عرفات أن يبدي مسؤولية قيادية وأن يكافح ضد الإرهاب، فالإرهاب لا يهدد اسرائيل فقط بل يشكل خطرا على رئيس السلطة”، وهذا الناطق باسم وزارة الخارجية الأمريكية ريتشارد باوتشر يقول: ” لم نر بعد عملية حاسمة وكافية من جانب عرفات، لا زلنا نؤمن بأنه يستطيع فعل المزيد من أجل وقف العنف”، بل بوش نفسه لم يغلق الباب حتى في أشد تصريحاته إيذاء للرئيس عرفات إذ يقول: ” خاب أملي في ياسر عرفات، عليه أن يبذل جهدا كاملا لاقتلاع الإرهاب في الشرق الأوسط “، وتقول رايس: “القضية لا تتعلق بما يجب أن تفعله أمريكا، وإنما بما يجب أن يفعله عرفات إنه يعلم ما يجب أن يقوم به فسكوت السلطة الفلسطينية لا يتفق مع الالتزامات التي تعهدت بها “.

رب سائل يسأل إذا لم تكن هناك إرادة أمريكية صهيونية للقضاء على السلطة فماذا يعني تدمير المطار والميناء ومحطة الإذاعة والتلفزيون ومباني قوات الأمن وغيرها من رموز السيادة الفلسطينية ؟ ألا يعني ذلك أنهم إنما يدمرون السلطة ؟ وإجابة على هذه الأسئلة نقول أن تدمير رموز السيادة تلك لا تقوض السلطة أبدا، ولكنها تقوض فرصة قيام دولة فلسطينية، فهم إذن قاموا بتدمير البنية التحتية للدولة الفلسطينية، ولا يخفى اليوم على أحد أن الصهاينة لا يقبلون بدولة فلسطينية.

من كل ذلك يتبين أن الصهاينة والغرب لهم أهداف واضحة، تتمثل في الحفاظ على السلطة، مع الاستمرار في الضغط عليها، أملا في تفجير الوضع الداخلي في الساحة الفلسطينية، مما سيعزز استقرار وأمن الكيان الصهيوني، ويبدد أي فرصة لقيام دولة فلسطينية ولو على شبر من فلسطين.

هذا ما يمكن أن ينبئنا به الواقع الراهن، وأما المستقبل فهو رهن عوامل عدة قد تقلب كل شئ رأسا على عقب.