لقد أعلن بوش الحرب على كل من إيران و العراق و كوريا الشمالية ، حيث قال في خطابه : “إن حربنا ضد (الإرهاب) قد بدأت ، و إن العراق و إيران و شمال كوريا و حلفاءهم (الإرهابيين) ينشئون “محور الشر”، كما أعلن الحرب أيضا على المقاومة المشروعة في فلسطين و لبنان ، و قد خص بالذكر الحركات الإسلامية المجاهدة : حماس و الجهاد الإسلامي و حزب الله ، متهما إياها بـ (الإرهاب) .

و في الوقت الذي لا نتصور فيه أن بوش الذي حظي بدعم دولي في حربه ضد أفغانستان قادر على تحقيق هذا الدعم إذا ما وجه آلته العسكرية ضد العراق أو إيران ، و لا أعتقد أن الإدارة الأمريكية تجهل هذا الأمر ، ندرك أن ضربة أمريكية لن توجه لأي من الدولتين ، فهل كان ذكرهما إذن في خطابه من باب لفت الأنظار عما تدبره أمريكا و الكيان الصهيوني في الخفاء و في العلن من عدوان شامل على شعبنا الفلسطيني و قواه المجاهدة ؟ هذا ما نرجحه في هذه المرحلة بالذات ، و أفضل وسيلة ربما تمخضت عنها العقلية الصهيو-أمريكية الإرهابية لمواجهة القوى المجاهدة في فلسطين هي أفغنة الحالة الفلسطينية .

و قد بدا واضحاً خلال اللقاءات التي عقدها شارون مع كل من بوش و تشيني و كوندوليزا رايس أن الإدارة الأمريكية تفضل تطبيق النموذج الأفغاني في فلسطين. و الصحف العبرية ترى أن الأفغنة تعني تصعيد الحملة القمعية ضد الحركات الفلسطينية المجاهدة، في الوقت الذي يتم فيه التخفيف عن المدنيين الفلسطينيين. و جوهر صفقة بوش لشارون بناء على الصحف العبرية يقوم على : “قدموا وعداً بامتيازات اقتصادية للمدنيين الفلسطينيين و ستحصلون مني على تغطية للحرب ضد (الإرهابيين)” ، و هو ما كان أشار إليه بوش خلال استقباله شارون في البيت الأبيض عندما قال إنه قرر تخصيص 300 مليون دولار لدعم السكان الفلسطينيين الذين يواجهون خطر الجوع عبر منظمات غير حكومية .

و لكن نجاح النموذج الأفغاني في أفغانستان كان بسبب توفر عوامل عدة لا يمكن توفرها في الحالة الفلسطينية ، فهل يمكن إذاً أفغنة فلسطين ؟

واقع الحال يقول إن النموذج الأفغاني لا يمكن تطبيقه على الحالة الفلسطينية، و ذلك للأسباب الآتية :

أولا : من العسير على أمريكا و الكيان الصهيوني أن يجدا من يقف معهما في خندق واحد في وضح النهار كما فعل حلف الشمال ، لينسق معهما الضربات ضد الحركات المجاهدة التي تحظى بتأييد واسع في الشارع الفلسطيني و العربي و الإسلامي ، و إن وجدوا حليفا فلسطينيا لهم فلن يتبوأ هذا الحليف مكانة حلف الشمال بل مكانة المليشيات اللحدية ، مما يسهل مقاومته و إسقاطه جماهيريا ، و كما نعلم أن نجاح أمريكا في أفغانستان اعتمد كثيرا على حلف الشمال الذي قبل بلعب الدور الذي تريده أمريكا في ضرب طالبان و تنظيم القاعدة لحساب الغزو الأمريكي ، لا أقول لأفغانستان فقط و لكن لأواسط آسيا. و لقد نجحت أمريكا في تسديد ضربات قوية لطالبان و القاعدة دون أن تتكبد خسائر في الأرواح ، لأنها اتخذت من حلف الشمال مخلبا تضرب به طالبان و القاعدة .

ثانيا : الحركات المجاهدة في فلسطين لا تملك قواعد تدريب ولا حتى مكاتب أو مقرات يمكن ضربها من الجو، فالحركات المجاهدة في فلسطين تشكل حالة جماهيرية منصهرة في بوتقة الشعب ، ليس كما ذكر بوش في خطابه أن المجاهدين في فلسطين يعيشون في أدغال و كهوف ، و لذا لا يمكن القضاء عليها إلا بالقضاء على الشعب. و لقد حاول الكيان الصهيوني ذلك على مدى عقود من الزمان ، عن طريق الاعتقال و الاغتيال و الإبعاد ، ثم ما لبث أن أعلن فشله لأن الحركة الإسلامية المجاهدة كانت تزداد قوة مع كل ضربة يقوم بها العدو. فضربات العدو كانت تؤدي إلى ازدياد التلاحم الجماهيري معها ، لأنها بجهادها و تضحياتها إنما تعبر عن ضمير هذا الشعب المجاهد ، و تشكل أمله في الخلاص من ذل الاحتلال .

ثالثا : إن الذي كان يحدد زمان و مكان المواجهة مع طالبان هو العدو الأمريكي ، و لكن الأمر في فلسطين مختلف تماما. ففي الوقت الذي يتمكن فيه العدو من تسديد ضربات للمجاهدين باستخدام أدواته القمعية الأمريكية، يتمكن المجاهدون من تسديد ضربات أشد إيلاما للعدو في المكان و الزمان و الأسلوب الذي تحدده المقاومة و لا يستطيع العدو أن يمنع حدوثها باعتراف قادته العسكريين و السياسيين الذين كرروا عشرات المرات مقولتهم المشهورة “لا نستطيع أن نفعل شيئا لرجل يريد أن يموت”.

رابعا : لقد وجدت أمريكا من بين دول العالم من يشكل معها شبه حلف دولي في حملتها ضد أفغانستان ، و أشك أنه في مقدورها أن تجد على الأقل شركاء لها على صعيد العالم العربي و الإسلامي ، بل على النقيض من ذلك ستجابه بحالة من الرفض الشديد على الصعيدين الرسمي و الشعبي، مما لا يهيئ لها الأجواء الملائمة لتحقيق النجاح في فلسطين .

خامسا : قد تمكنت أمريكا من خداع الشعب الأفغاني بزعمها أنها تقف معه ضد طالبان ، و بدت في دعمها للحلف الشمالي كمن يدعم شريحة من الأفغان، لكن الحالة الفلسطينية لا تسمح لأمريكا بممارسة هذه اللعبة، لأن أمريكا في حربها ضد المجاهدين إنما تدعم العدو الصهيوني ، ودعمها المتواصل للصهاينة على كل الصعد لا يخفى على أطفال فلسطين ، الذين لا يترددون في حرق العلم الأمريكي مع العلم الصهيوني ، و لذلك لن تجد أمريكا في فلسطين شعبا ساذجا يتعاطف معها في حربها ضد الحركة المجاهدة، إلا من باع نفسه بثمن بخس، و لا يشكل هؤلاء في مجتمعنا الفلسطيني إلا شرذمة قليلة منبوذة متهمة .

سادسا: إن الأفغان كانوا يعيشون حالة من الحرب الأهلية مما يسر على أمريكا النفاذ لشق الصف الأفغاني، بينما يعيش الفلسطينيون مرحلة من الوحدة صنعتها الانتفاضة، و صقلها خندق المواجهة تكاد تكون غير مسبوقة في تاريخنا الجهادي الطويل .

سابعا : إن عدالة القضية الفلسطينية لها حضورها و ثقلها في الحالة الفلسطينية، مما يجعل العنوان الذي اتخذته أمريكا ذريعة لها في حربها القذرة ضد المسلمين في أفغانستان – محاربة (الإرهاب) – لا يمكن تسويقه على العالم عند إعلان الحرب على الإسلام في فلسطين، فهنا أرض محتلة و ممارسات صهيونية إرهابية ضد شعب أعزل لا تخفى على أحد .

ثامنا : لا يمكننا أيضا تجاهل الحالة النفسية المنهارة التي يعيشها الجندي الصهيوني في مواجهته للمجاهدين الفلسطينيين، الذين يؤمنون بنبل هدفهم و عدالة قضيتهم. فهناك عدد كبير من الضباط الصهاينة قد شكلوا حالة من التمرد برفضهم الخدمة في الضفة و القطاع ، خوفا من ضربات المجاهدين الفلسطينيين و ليس لإنسانية فيهم كما يزعم الإعلام الصهيوني، و نلمس هذا الانهيار في تصريح أحد الجنود الصهاينة المكلف بحراسة مستوطنة الحمرة التي اقتحمها أحد المجاهدين من حماس، فقد صرح الجندي بوضوح كما جاء في الصحف الصهيونية قائلا : “حين بدأ القتال اختبأت تحت السيارة”.

من كل ذلك نقول إن ما يبدو نجاحا أمريكيا في أفغانستان، لا يمكن تحقيقه في فلسطين …