في الوقت الذي تتصاعد فيه الضربات الموجعة التي قتلت وجرحت المئات من المفسدين اليهود، وحطمت معنويات الصهاينة، وأجبرت ما يزيد على مليون مفسد يهودي من الفرار من فلسطين، ودمرت الاقتصاد الصهيوني بطريقة غير مسبوقة، وفي الوقت الذي يعيش فيه شارون حالة انهيار وعجز تام وتخبط وإحباط، ويختل فيه ميزان الردع – لا أقول ميزان القوة – لصالح الشعب الفلسطيني الأعزل إلا من إرادة قوية وثقة بوعد الله، تتحرك قوى الشر في العالم لنجدة المغتصبين من اليهود المفسدين.

فهذا متحدث وزارة الخارجية الهولندية يحدثنا عن وثيقة ستقدم لشارون خلال وقت قصير، ويقول في بيان أصدره: “تبلور الولايات المتحدة وأوروبا وثيقة مشتركة تدعو شارون للوقف الفوري لإطلاق النار، ووقف العلميات العسكرية ضد الفلسطينيين”، ويضيف الوزير الهولندي أن “الوثيقة المشتركة ستنص على الوقف الفوري للعنف وأن العمليات العسكرية التي تقوم بها إسرائيل لا تؤدي إلى حل”.

ويخرج علينا أخيرا وزير الخارجية كولين باول منتقدا سياسة شارون ويقول في كلمة أمام مجلس النواب “على رئيس الحكومة شارون أن يعيد النظر في سياسته وأن يعرف ما إذا كانت تفيد، فأنا لا أعتقد أن هذا سيقودنا إلى أي مكان”، ويقرر بوش فجأة إرسال “زيني” إلى المنطقة للوصول إلى ما يسمى زورا وقف إطلاق النار، وهو يعلم أننا نقاوم لأن المفسدين يحتلون أرضنا، وليس فقط لأنهم يطلقون النار علينا.

ولا أريد أن أتطرق لعدة مبادرات عربية لا أقول هدفها إنقاذ شارون ولكن هدفها إنقاذ ماء وجه الأنظمة العربية التي تقف عاجزة مشلولة أمام الهجمة اليهودية على شعبنا الفلسطيني، وما من شك أن اليهودي المفسد شارون سينتفع من هذه المبادرات، وهو يبحث عمن يمد له طوق النجاة.

فأين كانت أوروبا وأمريكا عندما دمرت الآلية العسكرية الأمريكية مخيمات الفلسطينيين ومدنهم وقراهم؟ الجواب نلمحه في ثنايا التصريحات والوثائق، ومفاده أن أوروبا وأمريكا قد منحتا شارون الفرصة الكاملة لقتل الأطفال والنساء والشيوخ وتدمير البنية التحتية للشعب الفلسطيني وتدمير المدن والقرى والمخيمات، وإهلاك الزروع، فكانت النتيجة رداً فلسطينياً على شكل ضربات متواصلة أقر بعدها العدو بفشله في مواجهتها أو منع حدوثها، فأدركت أوروبا أن الفرصة التي منحت لليهود من قبل الصليبيين لارتكاب أبشع المجازر لم تؤد إلى حل كما جاء في التصريح، أي أنهم كانوا يريدون أن يصل شارون إلى الحل الذي يريد عن طريق تركيع الشعب الفلسطيني، ولو بإزهاق أرواح النساء الحوامل والأطفال الأبرياء، بل بسحق أسر بكاملها كما فعل المفسدون من اليهود في اغتيالهم لزوجة وأولاد المجاهد حسين أبو كويك، ولقد عبر شارون عن ذلك قائلا أنه سيواصل القتل والتدمير حتى يجبر الفلسطينيين على استجداء وقف إطلاق النار ويوافقون على شروطه السياسية.

ولكن الحقيقة دمغت شارون وجعلته يستجدي وقف إطلاق النار وهو صاغر، فها هو يقول في حديث هاتفي مع وزير الخارجية الأميركي كولن باول: “إن إسرائيل تخلت عن مطلبها المتعلق بفترة سبعة أيام من الهدوء قبل البدء في التفاوض”، ويقول شارون ردا على خطاب بوش أنه “يرحب بمبادرة الرئيس بإيفاد زيني إلى المنطقة بهدف تنفيذ خطة تينيت التي ستؤدي إلى وقف إطلاق النار والتهدئة”.

ولماذا لا يتخلى شارون عن شروطه، ويسعى حثيثا إلى التهدئة وقائد شرطته في القدس المحتلة، “ميكي ليفي” بعد عملية حماس الأخيرة في المقهى المجاور لبيت شارون يقول: “لقد كانت هذه عملية قاسية جداً، والانفجار مروع وقوي، بشكل عام هنالك الكثير من رجال الشرطة في المدينة، ولكن من المستحيل إغلاق كل المنافذ بشكل محكم مائة بالمائة”، وهذا رئيس أركانه يعبر بمرارة عن الواقع المر قائلا: “نحن نعيش إحدى الصراعات والاختبارات الأكثر مصيرية في تاريخ دولة اسرائيل”.

ويعبر عن انهيار شارون “ألوف بن” المراسل السياسي لصحيفة هآرتس قائلا “أطلق رئيس الحكومة اريئيل شارون أمس عدة تصريحات عنيفة، عبرت أكثر فأكثر عن خيبة أمله من الفشل في حرب الاستنزاف ضد الفلسطينيين، شارون يخسر في الاستطلاعات، ومع كثرة الجنازات يزداد الإحساس وسط الجمهور والإدارة الأمريكية بأن حكومة إسرائيل تحت قيادته لا تعرف كيف تخرج من الورطة”.

ويسلط “بن كسفيت” مزيدا من الضوء على حالة الانهيار فيقول: “لا أحد يعرف كيف الخروج من هذا الوضع، الجهاز السلطوي مبلبل، بلا حول ولا قوة، أشخاص يضربون كفا بكف، وزراء يتنهدون، لكل واحد حل خاص، وأجندة مختلفة”. ويضيف “بن كسيفت”: “شارون مرهق ويشعر بالتعاسة، إنه يحاول إخفاء تعبه من خلف ستار الغطرسة والكبرياء المصطنعين، والتندر العفوي البدائي، وإظهار الرزانة، إلا أنه لا ينجح في ذلك”.

إذن مجيء المبعوث الأمريكي له هدف واحد هو إنقاذ شارون والكيان الصهيوني في هذه المرحلة حتى يتمكن الصهاينة بعد التقاط أنفاسهم من سحق الفلسطينيين، وستصدر دعوات كالعادة تدعونا بعد أن قتل شبابنا، ويتم أطفالنا، ورملت نساؤنا، لما يسمى بوقف إطلاق النار، ومن جانبنا نقول أن مصلحة الشعب الفلسطيني تكمن في مواصلة المقاومة ومنع الالتفاف عليها، وعدم الالتفات لتلك الدعوات.