ليست الغاية من هذا المقال الدفاع عن وثيقة العدل والإحسان حول موضوع الانتخابات في المغرب، وتبرير موقفها من هذا المسلسل المغيّب لإرادة الشعب، فهذا مما يتأكد يوما بعد آخر، وليست الغاية منه شحن الأجواء بين الدعاة إلى الله عز وجل، ولكن قصده التوضيح والإنارة بعد الذي طالها من رد لا يستند على منطق مقبول أو أسس علمية.

وقد خصصت الجزء الأول لتأكيد تطابق الوثيقة مع فكر مرشد الجماعة ذ. عبد السلام ياسين، وكذا عدم معقولية الاستشهادات التي أوردها ذ. مصطفى الخلفي لتأكيد التناقض بينهما؛ ونخصص الجزء الثاني، إن شاء الله، لمناقشة ردود ذ. مصطفى الخلفي التي حاول من خلالها دحض المبررات الشرعية لدعاة المشاركة الانتخابية كما أوردتها وثيقة العدل والإحسان.

ولابد منذ البداية أن نوضح، حرصا على التفاهم والتواصل، ما يلي:

1. ليس هدفي مناقشة مدى صحة أو خطأ المبررات الشرعية لدعاة المشاركة الانتخابية، فهذا أمر لا يثير إشكالات كبيرة من حيث المبدأ طالما أنه مرتبط بالسياسة الشرعية، وطالما أن الاجتهاد بشأنه لم يصدم الشرع في أصوله وقطعياته.

2. هدف هذا المقال التعقيب على المؤاخذات التي أبداها ذ. مصطفى الخلفي لبعض المبررات التي أوردتها الوثيقة ونسبتها لدعاة المشاركة الانتخابية.

3. لابد من التأكيد بأن الاختلاف ليس مرتبطا بالموقف من حيث المبدأ، فالمشاركة الانتخابية لا خلاف حولها، ولكن المشكل يرتبط بتنزيل تلك النصوص على الواقع، ومدى قابليته لها، ولذا لابد من إيراد الدليل الشرعي وتوضيح مدى ترابطه مع الواقع واستنتاج المصالح والمفاسد.

التعسف في عرض المبررات الشرعية

لاحظ ذ. مصطفى الخلفي على وثيقة الدائرة السياسية أثناء عرضها للمبررات الشرعية لدعاة المشاركة الانتخابية ملاحظات عدة أجملها في التعسف أثناء بسطها لتلك المبررات، وكذا عدم العودة إلى الوثائق الرسمية لدعاة المشاركة الانتخابية، ثم أتبع ذلك بدحض كل مبرر على حدة من المبررات الخمسة الواردة في الوثيقة.

ولتحقيق تواصل مثمر، نرى أن نناقش كل مبرر على حدة، ثم نتبع ذلك ببعض الملاحظات العامة حول الطريقة التي اعتمدها صاحب الرد لدحض المبررات التي أوردتها وثيقة الدائرة السياسية. ولا بأس أن نقدم لذلك بأن الوثيقة كانت حريصة على عرض وجهة نظر دعاة المشاركة الانتخابية بموضوعية وأمانة، وقد يعتري هذا العرض نقص أو ما شابه ذلك، وحينذاك يمكن التنبيه إلى النقص الوارد، كما قد يتخللها خلط لمبرر مع آخر، أو استشهاد في غير محله، والتذكير بالخلط الحاصل هو الذي من شأنه أن يرجع الأمور إلى نصابها، وتكون النتيجة آنذاك حوار هادئ وهادف يتحقق من خلاله تعارف وتفاهم يفضيان، إن شاء الله، إلى تقارب وتعاون، وهذا غاية ما يطمح له كل داعية إلى الله عز وجل.

لكن المطلع على أسلوب الرد الذي اتبعه ذ. مصطفى الخلفي يستنتج حرصه على دحض كل المبررات الواردة في وثيقة العدل والإحسان دون أن يكلف نفسه عناء التعمق في فهمها، وهذا ما أسقطه في نوع من التبسيط والخلط، بحيث ينتقد ما ورد في المبرر الأول مثلا، ويرجع ليعتمده لدحض ما ورد في مبرر آخر، كما أن هذا الأسلوب أسقطه في رفض مبدئي لما يعلم من الدين بالضرورة، وحتى لا أطلق الكلام على عواهنه أعرض كل مبرر على حدة.

المبرر الأول: ترجيح المصالح الموجودة على المفاسد الممكنة: لا يسع القارئ للرد إلا أن يستغرب للمنطق الذي أبعد به ذ. مصطفى الخلفي هذا المبرر، لأنه منطق غير مقبول شرعا أو عقلا، حيث أكد أن المبرر المعتمد هو الترجيح بين منهج الخروج ومنهج الاعتزال ومنهج المشاركة، ولابد أن أذكر الأخ مصطفى الخلفي بأن الترجيح بين هذا المنهج أو ذاك ليس إلا نتيجة لإعمال قاعدة المصالح والمفاسد وأعجب لمن يناقش هذا الأمر، فلا يمكن للداعية إلى الله عز وجل أن يختار منهجا أو يخطو خطوة إلا أن تبين له وجه المصلحة والمفسدة فيها، أما الاعتزال والخروج والمشاركة فهو سلوك يأتي بعد الترجيح، ولذلك ليس هناك أي تعسف على الإطلاق، بل الحاصل هو أن ذ. مصطفى الخلفي حكم مسبقا على أصحاب الوثيقة بأنهم وظفوا أيضا نصا للأستاذ محمد يتيم في غير سياقه، وأجبرهم على الاعتراف بأنهم استشهدوا به، وهذا مالا يقبله حوار علمي، ولا يرضاه محاور عاقل.

ومع ذلك حرصت على البحث عن مقال الأستاذ محمد يتيم، فوجدته يتحدث عن المفاسد والمصالح والخير والترجيح، وعن التعامل مع المؤسسات الاجتماعية والسياسية القائمة، وعن رؤى للتغيير وهي غير مرتبطة إطلاقا بأفراد، بل إن عنوان الموضوع هو: “الإسلاميون بين الرفض والمشاركة”، وحتى لا أطيل، أورد قولة كاملة للأستاذ محمد يتيم، وللقارئ الحكم النهائي: “هناك منطقان كاملان يلازم كل واحد منهما إحدى الرؤيتين التغييريتين: الرؤية الحضارية والرؤية الانقلابية، وذلك فيما يتعلق بأسلوب التعامل مع المجتمع الذي من حول الداعية بأفراده ومؤسساته، المنطق الأول: منطق رافض لأي شكل من أشكال التعامل مع المؤسسات الاجتماعية والسياسية القائمة على اعتبار أن في ذلك إقرارا بمفاسدها [أسطر على هذه] وتزكية لما قد يكون فيها من أوضاع غير متوافقة مع ما يريده الإسلام وعلى اعتبار أن في ذلك مساسا “بنظافة الداعية” وتلويثا لصورته عند الناس. أما المنطق الثاني فهو قائم على منطق قائم على المشاركة والمدافعة أي على الإقرار بنصيب الخير [أسطر على هذه] الذي يوجد في المجتمع والعمل على توسيع دائرته ما أمكن، واحتمال المفاسد [أسطر على هذه كذلك] في مجتمعات تعمل فيها قوى الإفساد والتخريب على سلخ الأمة مما تبقى فيها من هوية إسلامية وقيم أخلاقية ومثل فكرية” (الفرقان عدد 34 ص 37)، لذلك فاستنتاج الأخ مصطفى الخلفي في غير محله حيث أكد أن هذا النص “جاء للتدليل عن مسألة أخرى لا علاقة لها بموضوع الترجيح بين المصالح والمفاسد بل بموضوع وجوب مشاركة الناس في الخير الذي هم عليه رغم ما يمكن أن يكون في سلوكاتهم الأخرى من فساد وشر مع أن محمد يتيم يتحدث عن أن هذا سلوك ناتج عن ترجيح بين المصالح والمفاسد، بل إنه يؤكد ذلك جليا حين يقول “إننا نجد في الفقه الإسلامي أحكاما تتعلق بمقاطعة المبتدع وتارك الصلاة (..) وفيه أيضا تقييد للمقاطعة بشروط وضوابط على رأسها تحقيق المصالح ودفع المفاسد” (ن. م.). أرأيت أخي القارئ: على رأسها تحقيق المصالح ودفع المفاسد.

ولنا عودة إلى هذا المبرر أثناء عرضنا لكيفية دحض ذ. الخلفي للمبرر الثاني.

المبرر الثاني: ترجيح المشاركة متعلق بالسياسة الشرعية وليس مرتبط بأصل من أصول الدين: لم يأت ذ. مصطفى الخلفي بدليل لدحض هذا المبرر، بل اكتفى بتعميم هذا المبرر على العمل السياسي كله، وهذا مما لا يختلف حوله اثنان، ولكنه نسي أن ترجيح المشاركة الانتخابية من العمل السياسي، وبالتالي فما ينطبق على الأصل ينطبق بالضرورة على الفرع، والمبرر يبقى قائما إلى حين دحضه بمبررات مقبولة شرعا ومنطقا. أما الملاحظة الثانية بهذا الخصوص فهي سقوط الأخ مصطفى الخلفي فيما سبق أن دحضه أثناء حديثه عن المبرر الأول، حيث يقول “وهذا المبدأ يحيلنا على قاعدة كبرى وهي أن العمل السياسي هو مجال ترجيح الراجح من المصالح والمفاسد المتعارضة” وأترك الحكم للقارئ الكريم. فها أنت تؤكد على هذا الأمر الذي أوردته وثيقة العدل والإحسان كمبرر أول، وأنت تؤكد هنا أنه القاعدة الكبرى. فماذا نسمي هذا؟ !.

المبرر الثالث: ضرورة التمييز بين الأعمال التعبدية والعادية، لم يأت ذ. مصطفى الخلفي بجديد، بل إنه أكد صحته، حيث أكد النصوص الواردة في الوثيقة لابن تيمية والشاطبي رحمهما الله لكنه يصر على أن أصحاب الوثيقة اقتبسوا من نص للأستاذ سعد الدين العثماني -وسنناقش هذا الأمر في الملاحظات العامة- ووظفوه في غير سياقه، حيث استعمله صاحبه -ولاحظ هنا أخي القارئ أن الكلام المستشهد به كله لابن تيمية والشاطبي وليس لسعد الدين العثماني- للتدليل على تولي الولايات العامة، وليس المشاركة.

ومرة أخرى لا يسعني إلا الاستغراب لهذا المنطق، فالمتعارف عليه أن الكلام حمال أوجه، ويمكن لأي أن يوظفه في المجال الذي يراه مناسبا، وكان الأولى مناقشة وجه التعارض بين الكلام المستشهد به ومجال توظيفه. فالذي لا يقبله قارئ لقولة ابن تيمية والشاطبي هو حصرها في تولي الولايات العامة لأن صريح كلامهما يتحدث عن تصرفات العباد من أقوال وأفعال، وعن عبادات وعادات، وهناك تعميم لهذه العادات بحيث تشمل كل ما اعتاده الناس في دنياهم مما يحتاجون إليه، ولا أدري لماذا حصر ذ. مصطفى الخلفي هذا النص العام في مسألة خاصة، هل لأن ذ. سعد الدين العثماني استعمله في هذا السياق ؟ !! لا أعتقد ذلك. إن النص عام، وعلى من يريد تخصيصه أن يثبت جانب الخصوصية فيه. وبهذا فالمبرر يبقى قائما طالما لم تثبت أنه من العبادات، ومن سبقونا بعلم وإيمان صنفوا الأعمال إلى عبادات وعادات، والعمل السياسي أوردوه في العادات وأكدوا أن الأصل فيها الحكم والمقاصد. وهذا ما أكدته وثيقة العدل والإحسان فليس هناك إذن أي تعسف.

المبرر الرابع: في ترجيح المشاركة تأس بالأنبياء والرسل: لدحض هذا المبرر حور ذ. مصطفى الخلفي النقاش، وحصر هذا الأمر في تولي الولايات العامة والتحالف، مع أن البرلماني والمستشار الجماعي ممن يتولون أمورا عامة، بل الأدهى والأمر هو الحرص على الاستشهاد بنص من شأنه تحريف النقاش عن موضوعه حين استشهد بقول الله تعالى: ّ”ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار” ولا أدري ما علاقة ذلك بموضوعنا؟ ومن قال بذلك؟ ومن الطرف الذي يعنيه ذ. مصطفى الخلفي؟.

المهم أنني لم أستوعب إطلاقا طريقة مناقشة هذا المبرر، فبالأحرى الاقتناع بكيفية دحضه. ولعل الإجابة عن هذا السؤال من شأنها إزالة الغموض. هل الدعوة إلى المشاركة في الانتخابات، وهي وسيلة للوصول إلى السلطة ليست تأسيا بالأنبياء والرسل عليهم السلام؟ وبمن تتأسى إذن؟ ولماذا تجهد نفسك في إيراد الأدلة والحجج الشرعية؟ أي منطق هذا يا هذا؟.

ومع ذلك قلبت وثائقي، فوجدت مقالا للأستاذ عبد السلام بلاجي تحت عنوان المشاركة السياسية للحركة الإسلامية يقول فيه “المشاركة مطلب شرعي، وضرورة إنسانية، ولذلك جاء الرسل والأنبياء يخالطون الناس، يأكلون الطعام ويمشون في الأسواق، ويعظون الناس، والمشاركة من هذا المنحى أساس التغيير من أسفل الهرم إلى قمته، ولذلك كان أعداء الأنبياء والمصلحين وما يزالون يدعون إلى طهارتهم وعزلتهم عن المجتمعات والتجمعات” (جريدة العصر عدد 6 دجنبر 1997 ص 16).

المبرر الخامس: الانعزال طبع مذموم: مرة أخرى يصر ذ. مصطفى الخلفي على إلزام أصحاب الوثيقة بنص معين، والأصل أنه أكد في رده بأن تبني خيار المشاركة ناتج عن ترجيح بين منهج الخروج والاعتزال والمشاركة، وهذا ما أكدته وثيقة العدل والإحسان حيث بينت أن دعاة المشاركة ينطلقون من رفض الانعزال، دون الدخول في التفاصيل لأن طبيعة الوثيقة لا تلزمها بذلك، فهي ليست دراسة أكاديمية. ولن أدخل في نقاش مغلوط من أساسه من قبيل، هل الورقة مدونة علمية أم موقف سياسي أم دراسة أكاديمية؟. ولكن حسبي أن أؤكد بأنها انبنت على أسس علمية -وهذا ما أحرص عليه في هذا الرد- دون أن تكون لها أهداف أكاديمية.

أخلص إذن إلى أن ذ. مصطفى الخلفي أورد في رده من دون أن يدري كل المبررات الموجودة في وثيقة العدل والإحسان بترتيب آخر، أو بطريقة أخرى. ولهذا، وحرصا على توجيه نقاشنا، والتدقيق بشأنه أطرح السؤال التالي: ما هي المبررات التي يرتكز عليها دعاة المشاركة الانتخابية، ولم توردها وثيقة العدل والإحسان؟ ولا يكفي هذا الأمر، بل يجب التذكير بالتعارض بين هذه الأدلة وبين ما ذكرته وثيقة العدل والإحسان. المرجو نوعا من التدقيق.

بعد مناقشة كل مبرر على حدة، أنتقل لعرض بعض الملاحظات العامة على طريقة مناقشة وثيقة العدل والإحسان.

1. يعيب ذ. مصطفى الخلفي على الوثيقة عدم عرضها لمبررات دعاة المشاركة الانتخابية كما هي، وهذه مسلمة فلا أحد باستطاعته عرض أفكار الآخر بالشكل الذي يريده هذا الآخر؛ وما على الذي يحس بتشويه آرائه إلا أن يبسطها بوضوح مبينا جانب التعارض مع ما سبق ذكره من قبل الطرف الآخر، وهذا ما لم يرد في الرد بالوضوح الكافي.

2. هناك إصرار من قبل ذ. مصطفى الخلفي في أكثر من مناسبة على أن أصحاب الوثيقة استندوا على أقوال بعينها، مذكرا بصاحبها، ومرجعها، مع أن الوثيقة لا تورد نصا ولكنها تتحدث عن أفكار، ولا أدري السبب في هذا الإصرار، ومدى معقولية هذا الأسلوب لإثبات خطأ الفكرة، فقد يكون المرء استند على أقوال أخرى، والأساس هو مناقشة مدى صحة الفكرة عوض تحوير النقاش إلى مسار آخر. وأعتقد أن الأصل هو الإجابة عن أسئلة مركزة من قبيل: هل ما ذكر ليس هو المبررات؟ ما هي إذن المبررات الحقيقية؟ أين تتعارض مع المبررات الواردة في الوثيقة؟ وأين وقع إلزام أصحاب المشاركة الانتخابية بمبررات غير صحيحة؟. هذا هو المسلك السليم لنقاش مثمر، أما غيره فقد يسقطنا في متاهات نحن في غنى عنها لأنها لن تؤدي إلا إلى إضاعة الوقت والجهد وتسويد الصفحات فيها لا فائدة ترجى منه.

3. ركز ذ. مصطفى الخلفي على عدم رجوع أصحاب الوثيقة إلى الوثائق الرسمية للحركة، واكتفائها فقط بأقوال وكتابات لبعض رجالاتها، وهذا غير صحيح، أو هو نوع من الأحكام المسبقة التي لا دليل عليها، لأن الوثيقة أبرزت مبررات وأفكارا دون الإحالة على مصدرها، وهذا في حد ذاته ليس مشكلا إلا إذا تبين أن هذه المبررات غير صحيحة وأدلى بمبررات مناقضة لما ذكرته الوثيقة، وهذا ما لم يكلف نفسه عناء توضيحه.

4. ولابد أن أغتنم الفرصة لأستوضح عن أمر مازال يثير التباسا غموضا حيث التأكيد على أن أقوال القيادات لا تعبر بالضرورة عن الرأي الرسمي للحركة، وهذا أمر غير مقبول في شق كبير منه، فكونه لا يعبر عن الرأي الرسمي مائة في المائة لا يعني أن يخالفه مائة في المائة. وإلا فماذا تمثل هذه القيادة؟ وأي رابط يجمع أعضاءها إن لم يكن تصورا وسلوكا موحدين؟.

لهذا لا يمكن التنصل من أقوال القيادات بهذه السهولة، والأفضل أن تبرز لمحاورك أين انحرف هذا القيادي أو ذاك عن خط الحركة، وأين خالف الوثائق الرسمية لها؟

ومع ذلك فالملاحظ أن ذ. مصطفى الخلفي لم يبق وفيا لمنهجه هذا، فهو يحيل أكثر من مرة على كتابات أشخاص قياديين في الحركة كوسيلة لمعرفة رأيها وتأصيل خطها؛ وأشير هنا فقط إلى بعض الإحالات، حيث يقول ذ. مصطفى الخلفي “انظر كمثال سعد الدين العثماني -في الفقه الدعوي- مجلة الفرقان، ويقول كذلك “من ناحية أخرى، فإن تأصيل خط المشاركة أكبر من أن يحصر في النقط الخمس الواردة في الوثيقة، ونحيل هنا على كتاب عبد الله بها … وخصوصا الفقرات … وكتاب محمد يتيم … ونقاشه لمسألة …”.

هاأنت تحيل على نصوص لأشخاص للتأصيل لخط المشاركة وليس على الوثائق الرسمية.

5. يتحدث ذ. مصطفى الخلفي عن أن مبررات المشاركة أكبر من حصرها في خمس نقط كما وردت في الوثيقة، وأعتقد أن مسألة التصنيف منهجية فقط، فقد يصنفها هذا في خمسة، والآخر في عدد أكثر، وآخر في عدد أقل، والأساس هو المعاني وليس المباني، والأولى أن تبرز عجز التصنيف المعتمد في استيعاب كل المبررات، أو بعبارة أوضح، ما هي المبررات الني أغفلتها الوثيقة، ولا يمكن أن تستوعبها المبررات الخمسة المذكورة؟ أليست هذه هي المنهجية السليمة للنقاش؟

6. حرصت الوثيقة على التمييز بين المبررات الشرعية والواقعية، وهذا في نظري، مسألة غاية في الأهمية، لأن المبررات الشرعية لا خلاف حولها، بل إن الأمر لا يرتبط البتة بخصاص في التأصيل الشرعي، فلا يعدم الطرفان الأدلة الشرعية لذلك، وهذا ما ينبغي الانتباه إليه.

لكن المشكل مرتبط بتنـزيل هذه الأدلة على الواقع، وهذا ما يجب البحث فيه، وهذا ما يؤكده ذ. سعد الدين العثماني بالأساس، “والمشروع السياسي الإسلامي (أو المشروع كما يجب أن يمارسه المسلم) والذي هو جزء من السياسة الشرعية. يجب أن يلحظ -شرعا- أصول الشرع ومبادئه وقطعياته، ولكن أيضا خصوصيات الزمان والمكان والجو السياسي الذي برز فيه وحركية الواقع الموضوعي المحيط” (الفرقان عدد 34 ص1). وهذا ما ينبغي مناقشته، أي مدى ملاءمة النصوص للواقع، والملاحظ أن الجزء الكبير من الوثيقة سار في هذا الاتجاه، لكن رد ذ. مصطفى الخلفي لم يشر إلى ذلك من قريب أو بعيد.

خلاصات النقاش:

1. طغى على ذ. مصطفى الخلفي أثناء رده على المبررات الشرعية التي ذكرتها وثيقة العدل والإحسان تحوير النقاش، وإلزام أصحابها بأقوال ونصوص لم يذكروها، وهذا ليس منهجا علميا، وليس به يمكن إثبات خطأ أفكار الوثيقة، بل يلزم مناقشتها.

2. لتحقيق تواصل فعال وحوار هادف، كان على ذ. مصطفى الخلفي إيراد المبررات الحقيقية وتوضيح وجه التعارض بينها وبين المبررات التي ذكرتها الوثيقة موضوع النقد.

3. ليس الإشكال في صحة المبررات الشرعية أو خطئها، فهذه نصوص يوظفها كذلك دعاة المقاطعة الانتخابية لتبرير موقفهم الشرعي، ولكن المشكل في مدة صحة تنـزيلها على الواقع المغربي، وهذا ما ينبغي توسيع النقاش بشأنه.

4. سيكون نقاشنا مثمرا، نتعرف فيه أكثر على بعضنا البعض بدون وسائط، إن نحن حرصنا على التدقيق أكثر والانضباط لمنهجية واحدة نحترمها في تعاملنا مع الموضوع من جميع جوانبه، وأذكر بهذا دائما حتى لا تضيع جهودنا وأوقاتنا.

اللهم صل على سيدنا محمد وآله وصحبه وإخوانه وحزبه