لا يسع المطلع على رد الأستاذ مصطفى الخلفي على الوثيقة الصادرة عن المجلس القطري للدائرة السياسية لجماعة العدل والإحسان حول موضوع الانتخابات بالمغرب إلا أن يتحمس لمراجعة الوثيقة، والبحث عن كتابات الأستاذ عبد السلام ياسين، للتأكد مما قيل حول عدم الانسجام بينهما، وكذا الاطلاع على أدبيات دعاة المشاركة الانتخابية لمقارنتها مع خلاصة الاطلاع على موضوع الرد. والأكيد أن هذا أمر ليس بالهين، ويحتاج وقتا، ولكنه، على كل حال، مفيد إن صلحت النية، وكان القصد تحصيل علم نافع، يتبعه إن شاء الله عمل صالح بمعيار القرآن.

ولعل هذا ما حرصت عليه، فأعدت قراءة الوثيقة، ولم أتجاوز كتاب المنهاج النبوي بسبب كثرة الكتب، وحرصا على تجنب التأويلات غير المفيدة للحوار من قبيل أن هذا النص يقصد مرحلة كذا، أو أن هذا ينطبق على كذا، أو… ولابد في البداية أن أذكر ببعض الملاحظات الأولية:

1. المطلع على الرد يلمس جليا أن هم الراد لم يكن مناقشة الورقة في شموليتها، بل كان حريصا على تبرئة طرف، والدفاع عن موقف معين، ولذلك فالمنطلق لم يكن علميا، رغم حرصه على الحجاج بأسلوب علمي، وهذا أمر غير مرفوض شريطة توضيحه للقارئ منذ البداية.

2. لاحظ الراد على الوثيقة أن فيها اضطرابا منهجيا وتعسفا في توظيف النصوص وتدليسا علميا، إلى غير ذلك من المؤاخذات المنهجية، لكنه من حيث لا يدري سقط في أكثر منها، وسيتضح للقارئ الكريم وجه ذلك.

3. حرص الراد على تناول الموضوع بأدب وعفة قلم، وهذا مما يحسب له، ومما ينم عن نضج والحمد لله، ولكن لا بأس من التذكير ببعض الهفوات حرصا على إبعاد نزغ الشيطان بيننا، حيث نعت خطاب الوثيقة بـ”خطاب درج التيار اليساري المتطرف على استهلاكه”، وهذا نعت لا يصح شرعا إلصاقه بداعية إلى الله عز وجل تربطه بك الولاية الجامعة، ولا يصح عقلا، إذ ليس بهذه المقولة فقط يمكن إثبات خطأ التحليل والمعطيات، لأننا لا نزن الأفكار بمن صدرت عنهم، ولكن بمدى صحتها أو خطئها وكان الأولى مناقشتها.

4. أثناء الرد لاحظت أن هناك حرصا على تعميم النقاش، ونقله إلى موضوعات أخرى، وهذا مما لا يساعد على استخلاص نتائج تفيد في تقريب وجهات النظر، وتجميع الجهود، وهذا غاية حوارنا؛ فلسنا بصدد ترف فكري، ولسنا باحثين أكاديميين لا هم لهم. لهذا، فمن الأفضل تدقيق نقط الاتفاق والاختلاف، أما الحوار بشأن أمور أخرى، فلكل مقام مقال، وكل موضوع قابل للحوار شريطة توفر شروط نجاحه.

ثم إن التدقيق يفيد في ربح جهود كثيرة قد نضيعها في نقاش مغلوط من أساسه، من قبيل عدم انسجام الوثيقة مع فكر مرشد الجماعة؛ أو من قبيل أن المبررات الشرعية التي توردها الوثيقة على لسان دعاة المشاركة الانتخابية غير صحيحة ولا تكلف نفسك عناء عرض المبررات الحقيقية وتوضيح جوانب التعارض بينها وبين المبررات التي عرضتها الوثيقة، ولهذا هناك أسئلة توجيهية أعتقد أن الإجابة عنها كفيلة بإيصالنا لخلاصات عملية مفيدة:

هل المشاركة في الانتخابات وسيلة أم غاية؟

هل هي الوسيلة الوحيدة، أم هناك وسائل أخرى؟ ما هي؟

متى تكون هذه الوسيلة مفيدة، والعكس؟

&; وهذه أسئلة نظرية، يتبعها تنـزيل على الحالة المغربية:

هل هذه الوسيلة قادرة على تحقيق الغاية؟ أم جزء منها؟

ماذا نخسر من الدخول وماذا نربح؟

هل ما نربحه لا يمكن الوصول إليه إلا من خلال هذه الوسيلة؟

أعتقد أن تصنيف الأمور وفق هذه الأولوية هو المدخل السليم لحوار قاصد وهادف يتغيى جمع كلمة كل من يدعو إلى الله عز وجل، أو ندب نفسه، على الأقل، لهذا الأمر. أسأل الله تعالى أن يؤلف بين القلوب ويلم الشتات ويجمع الكلمة ويوحد الجهود لجهاد شامل تكون فيه كلمة الله هي العليا وكلمة الذين كفروا ونافقوا واستكبروا وتجبروا هي السفلى.

هل الوثيقة لا تنسجم مع فكر الأستاذ المرشد؟

لاحظ ذ. مصطفى الخلفي على وثيقة الدائرة السياسية عدم انسجامها مع الفكر السياسي لمرشد الجماعة ذ. عبد السلام ياسين تجاه المشاركة الانتخابية فأورد لذلك مجموعة من النصوص الدالة. وقد قرأت باهتمام ما كتبه في رده بهذا الصدد، ولاحظت أنه سقط من حيث لا يدري فيما لاحظه على الوثيقة حين عرضت مبررات دعاة المشاركة الانتخابية، حيث لاحقه اضطراب منهجي قاده إلى ثغرات لا يمكن إلا أن تعصف بنتائج الباحث أدراج الرياح حيث وقع في انتقائية غير مقبولة أثناء تعامله مع نصوص من كتابات ذ. المرشد، وغيب التعامل الشمولي مع مجموع الكتابات، ولم يقم باستقراء جميع ما كتب في الموضوع، وأسقط فقرات دالة من النصوص التي استشهد بها، وهذا كله قاده إلى استنتاجات غير منطقية. وتعميما للفائدة، وإغناء للحوار ارتأيت توضيح هذا الأمر من خلال ما يلي:

أولا: حين استدل الأخ مصطفى الخلفي بقولة ذ. عبد السلام ياسين تحت عنوان المرونة، قدم لها بالنص القوي في الدعوة للمشاركة، وقد رجعت إلى المنهاج النبوي فدهشت للتصرف المخل بالمعنى الذي وقع فيه صاحب الرد، ولن أسمي ذلك تدليسا علميا واضطرابا منهجيا، ولكنه على كل حال مما لا يليق بالباحث، ولا يتوافق مع أبسط أبجديات البحث العلمي. وليتضح المعنى نورد النص كاملا مع الفقرة التي وظفها صاحب الرد، ولا بأس أن نذكر ببعض الأخطاء المطبعية التي وردت في الفقرات التي اجتزأها ذ. مصطفى الخلفي: “قد يكون بعضنا تحت نظام من أنظمة الجبر ألجأته ضرورة البحث عن مشروعية ما، أن يفتح باب الحريات العامة. إن كان هذا ٍِِ[في الأصل لا توجد كلمة هذا ولعله خطأ مطبعي] فخط عالمنا المودودي رحمه الله أن يساهم المسلمون في اللعبة الديمقراطية، هذا يتيح للمسلمين أن يعرفوا بقضيتهم وحلهم لمشاكل الأمة على وضح النهار [أسطر على هذه الجملة فهي شرط المشاركة] ولوجود هذا الوضع [في الأصل الوضوح وليس الوضع ولعله خطأ مطبعي] يتهيأ للمسلمين أن يقارعوا الحجة بالحجة ويبلغوا الناس [في الأصل للناس ولعله خطأ مطبعي] رسالتهم من منابر البرلمان والتجمعات والمناصب الانتخابية، هذا جيد مع السكوت المؤقت الضروري على [في الأًصل عن ولعله خطأ مطبعي] أن الإسلام له مشروعيته وهي كشيء [في الأصل شيء ولعله خطأ مطبعي] آخر غير مشروعية الديمقراطية” هنا انتهى الاستشهاد لينتقل إلى فقرة أخرى بعد حذف فقرة دالة لا تقبل إسقاطها بسهولة ولهذا نرى لزاما عرضها للقارئ الكريم، يقول ذ. عبد السلام ياسين “وقد يكون بعضنا تحت نظام غير ديمقراطي يتقرب للإسلام -كما يحدث ونحن نكتب في باكستان وغيرها- عندها يمكن للمومنين أن يطلبوا من الحكام المحتاجين لسند شعبي ميثاقا إسلاميا يعلن على الجميع ويصوت عليه الشعب، ويعطي الحكام عهودهم على العمل لتهييء الحكم الإسلامي بعد مرحلة انتقالية تحدد” (المنهاج النبوي، ط2، ص 27).

نستنتج من مجموع الفقرتين أن:

1. شرط ذ. عبد السلام ياسين الدخول للانتخابات، في الفقرة الأولى، بالتعريف بقضية الإسلام والمسلمين وحل مشاكل الأمة، وهذا غير مضمون، وقد صنفت الوثيقة أسباب ذلك في الجزء الأول الذي أكد السيد مصطفى الخلفي أن لا خلاف معه في شق كبير.

2. الكلام المحذوف يرجح الخيار الذي يعني واقعنا المغربي، أي وجود نظام غير ديمراقطي يتقرب للإسلام، ولا أعتقد أن عاقلا يمكن أن يقتنع بأن النظام المغربي ديمقراطي أو يطبق الإسلام. وقد لاحظنا كيف أن ذ. عبد السلام ياسين يختزل الحل في الدعوة إلى ميثاق إسلامي يصوت عليه الشعب، والوثيقة نصت في جزئها الأول على الدستور وطريقة إعداده في غياب الشعب ومكوناته، وأعتقد أن لا تعارض بين كلام السيد المرشد والوثيقة أو بينهما وبين سلوك الجماعة وخطابات أعضائها وقيادييها. لقد كان الأولى في الرد على الوثيقة نقل النص كاملا لتمكين القارئ من المعطيات كلها، وآنذاك لكل واحد أن يستنتج ما أراد، وهذا من أبجديات البحث العلمي، أما إسقاط فقرة فشيء آخر، ومع ذلك نتجاوز هذا إلى ملاحظة أخرى أعمق:

ثانيا: وقع الأخ مصطفى الخلفي مرة أخرى في خطأ منهجي حين عرض قول ذ. المرشد حول الخطوط السياسية المقترحة فرجح خطا على آخر وألزم به الجماعة، وهذا نوع من التعسف في الاستنتاج، لأن النص المنقول لا يحتمل ذلك، وهذا يتضح مما يلي:

1. أورد ذ. عبد السلام ياسين الخطوط السياسية الثلاثة وهو يؤكد الغاية “نتخذها وجهات لتأملاتنا ولا نحصر فيها إمكانات العمل التنفيذي”. وأنت أيها الأستاذ الفاضل ألزمت الجماعة بها، وحكمت على عدم انسجام الوثيقة معها، وهذا غير صحيح.

2. في الخط الأول تنصيص على عدم رفض المشاركة من الناحية المبدئية، وهذا ما تؤكده تصريحات قياديي الجماعة، والوثيقة كذلك سارت في هذا الاتجاه من خلال حرصها على تقديم الملاحظات والاقتراحات لإصلاح هذا المجال، ولكن كلام ذ. المرشد رهن المشاركة -وهي وسيلة فقط- بمدى تحقيقها للغاية، ولهذا ربطها بضوابط هي:

أ- الضابط الأول: كشف زيف دعوى الديمقراطية: وهذا أمر غير محسوم في إمكانية تحقيقه، وغير مسلم بوقوعه طالما بقيت الضمانات القانونية مغيبة، بل إن كشف زيف دعوى الديمقراطية قد يتحقق بعدم المشاركة والتركيز على فضح الخروقات. ولعل ما تحققه الجماعة، وكذا الهيآت الحقوقية والإعلام المستقل خير مثال. ولابد لمزيد من التوضيح أن أذكر بأن ذ. عبد السلام أورد هذا الكلام لحظة حديثه عن تجربة حركة الاتجاه الإسلامي بتونس في المطالبة بحزب إسلامي وقوبل طلبهم بالرفض، حيث يقول “ثم إن قبولنا المشاركة في اللعبة الديمقراطية من شأنه أن يكشف زيف الدعوى الديمقراطية، وهذا ما حدث في تونس لما قام إخواننا هناك بإعلان نيتهم الدخول في المعركة الانتخابية وطالبوا بحقهم في تكوين حزب”. (المنهاج النبوي ص 412).

ب- الضابط الثاني: التضييق على الإسلام الرسمي: “ومزية أخرى للدخول في الانتخاب، وولوج ذلك الباب، هي مزاحمة غيرنا على كسب الرأي العام، والاستفادة من التسهيلات الرسمية في التحرك. هي مزية التضييق على الإسلام الرسمي وإسلام الأحزاب السياسية التي أصبحت ترفع شعارات الإسلام أعلى فأعلى” (المنهاج ص 413)، وهذا غير ممكن في المغرب لأن الإسلام الرسمي محصن بوابل من النصوص الدستورية والحواجز المؤسساتية والضمانات القانونية والأعراف المخزنية…

ج- الضابط الثالث: الاستفادة من التسهيلات الرسمية في التحرك: وهذه ربطها ذ. المرشد بالضابط الثاني، ويمكن أن يتحقق منها الكثير لو كنا فعلا في ظل نظام ديمقراطي يحترم القانون، والسلطة فيه للمؤسسات التي تفرزها صناديق الاقتراع، وهذا غير موجود، وأحيل دائما على الجزء الأول من الوثيقة التي عبّرتَ أن لا خلاف حولها في شق كبير. فأي تسهيلات تمكنها المشاركة في البرلمان، هل تتمثل في الاختصاصات الواسعة للبرلمان؟ هل تتمثل في الرقابة التي يمارسها على كل السلط في البلاد؟ هل تتمثل في نظام “العقلنة البرلمانية” المعتمد، والذي يقبر مقترحات القوانين، ويؤخر الأسئلة الشفوية والكتابية الآنية لشهور؟ هل تتمثل في الصيغ الفضفاضة لأجوبة الوزراء؟ &

أليس هناك تسهيلات رسمية في واجهات أخرى تمكن من تحقيق نفس الهدف بشكل أجدى وأنقى؟ على أننا نؤكد هذا الحكم بالنظر إلى الظرف الحالي حيث تنعدم أدنى شروط الديمقراطية للمشاركة، أما إذا توفرت فموقف الجماعة آنذاك سيكون المشاركة، ولهذا ركزت الوثيقة، في جزئها الأول على توفير الضمانات اللازمة.

د- الضابط الرابع: مزاحمة غيرنا على كسب الرأي العام: وهذا متاح ومفيد لو تحقق أدنى الشروط، وكان هناك تجاوب للمواطنين مع هذه المؤسسات، أما في الواقع فلا يحتاج أحد إلى كثير عناء ليؤكد عدم مصداقية هذه المؤسسات لدى الرأي العام، فالشعب غائب عن متابعة أدائها، وتتبع حركة أعضائها، كما أن الأطراف الموجودة هناك لا تحظى بالمساواة في التعامل معها من قبل السلطة، وأقل مثال على ذلك عدم تمكين من لا يرضي أهواءها من وسائل التأثير الحقيقية (المال، الإعلام، الفضاءات العمومية & ) وهذا ما ركزت عليه الوثيقة في الجزء الأول، فهناك من فضل المشاركة بدون ضمانات، وهناك من يشرط المشاركة بضرورة ضمانات، وفي كل خير، والموقف الشرعي يسع الجميع، والمسألة مرتبطة بترجيح. نسأل الله تعالى أن يلهمنا جميعا الصواب.

هـ – الضابط الخامس: التعريف بقضية المسلمين وحل مشاكل الأمة: وهذا لا يتحقق منه إلا جزء يسير، على أن هناك واجهات أخرى يمكن أن تفي بالغرض بنسبة أكبر من واجهة البرلمان، ولا يفوتني أن أذكر هنا بحرب الشواطئ وأحداث 10 دجنبر 2000 -مع التحفظ اللازم على مصطلح حرب، فهي حرب من جانب واحد، ولا أحسبك من الذين يجرفهم سيل الدعاية الرسمية التي هدفها التشويه والتعتيم-، وقد ذكر الأخ مصطفى الخلفي هذين الحدثين كمكسب من مكاسب المشاركة، ولا أدري أين يتجلى ذلك؟ هل في التعريف بالأمر؟ ولعل الإعلام ساهم في ذلك بشكل كبير، أم تجلى المكسب في التبليغ عن خروقات؟ ولعل المنظمات الحقوقية قامت بدورها مشكورة حول هذا الأمر، أم تجلى المكسب في إرجاع الحق إلى أهله، وإنصاف الضحايا، ومحاسبة المعتدين؟ ونعلم أن شيئا من هذا لم يقع.

ولا أريد أن أنتقل لتقييم التجربة، فهذا موضوع آخر يمكن أن يناقش في حينه إن توفرت شروط ذلك.

وقد يعتبر البعض مجرد التبليغ واستثمار منبر البرلمان لذلك مكسبا لا ينبغي التفريط فيه، وهذا شأنه، لكن عليه أن لا يبرر سلوكه بالاحتجاج بنصوص مبتورة من سياقها، ولهذا أرى أن أختم هذا الضابط بقولة للأستاذ عبد السلام ياسين قدم بها حديثه عن الخطوط السياسية الثلاثة حيث قال: “أقصد بالتنفيذ نهوض الجماعة القطرية لتعلن نفسها أو تسر وجودها، ثم لتزحف إلى الحكم، وتستولي عليه وتعيد ترتيب البيت وتوجيه المسار وتعرف المعروف وتأمر به بعد أن تنكر المنكر وتطيح به. تبدو لنا ثلاثة خطوط سياسية لا نحصر فيها إمكانات العمل التنفيذي إنما نتخذها وجهات لتأملاتنا” (المنهاج ص 412). فالغاية من المشاركة في الانتخابات هي الزحف نحو الحكم، وترتيب البيت، وتوجيه المسار، والأمر بالمعروف وإنكار المنكر والإطاحة به. وهذه أمور بعيدة المنال في ظل القوانين السائدة الآن.

نستنتج إذن أن المبررات التي رهن بها ذ. المرشد المشاركة غير قابلة للتحقيق، ولذلك لا يمكن للجماعة أن تتبنى هذا الخيار، ما دام هناك خيارات أخرى، فأين إذن عدم الانسجام؟ !

3. عند ذكر الأستاذ عبد السلام ياسين للخطوط السياسية الثلاثة تم ترجيح الخط الثالث حيث قال “الخط الثالث كما نراه هو في الواقع نضج الخط الأول وبلوغه الكمال، هو خط التنفيذ بالقوة بعد أن يتم الإعداد” (المنهاج ص 418). إنه إذن خط النضج والكمال، وهذا ما تنشغل به الجماعة، فأين إذن عدم الانسجام؟ لماذا لم تتم الإشارة إلى هذا الترجيح أثناء الرد على الوثيقة؟ أين الموضوعية إذن !؟

ثالثا: في مقدمة المنهاج النبوي يطرح الأستاذ المرشد شرطين، بهما فقط يمكن تحقيق الأفكار والاقتراحات الواردة في الكتاب: “مخطط التربية والتنظيم الذي نقدمه لا يمكن تطبيقه إلا في إحدى حالتين:

1. إن أصبح الحكام منطقيين مع مبادئهم المعلنة عن إعطاء الحريات العامة فيقبلوا وجود حركة إسلامية علنية معترف بها إلى جانب الحركات والأحزاب السياسية الأخرى، وأقل ما يطلب من حكام المسلمين أن يعترفوا بحق الشعب المسلم في ممارسة إسلامه دون وصاية الحكومة.

2. إن أدرك الحكام خطأهم في اضطهاد الإسلاميين، وعقدوا نية صالحة لدعم الحركة الإسلامية، ليتصالحوا مع الله ومع الشعب المسلم، وبرهنوا عنها بميثاق يصوت عليه الشعب يعقدون فيه مع الله ومع المومنين الرجوع إلى الحكم بما أنزل الله بعد فترة انتقالية” (المنهاج ص 1-2).

وأفتح القوس هنا لأذكر الأخ مصطفى الخلفي بالتكامل بين نصوص الكتاب، وأقوال ذ. عبد السلام ياسين، فهو هنا يؤكد على الميثاق الإسلامي الذي يصوت عليه الشعب، وتعهد الحكام بالحكم بما أنزل الله بعد فترة انتقالية، وهذا نفس ما قاله وأكد عليه حين الحديث عن المرونة في الفقرة التي حذفتها -وقد تحدثنا عنها فيما سبق- من استشهادك بكلام الأستاذ المرشد “عندها يمكن للمومنين أن يطلبوا من الحكام المحتاجين لسند شعبي ميثاقا إسلاميا يعلن على الجميع ويصوت عليه الشعب ويعطي الحكام عهودهم على العمل لتهييء الحكم الإسلامي بعد مرحلة انتقالية تحدد” (المنهاج ص 27)، فإذن هناك تكامل ونسقية، ومن يجزئ النصوص، ويحذف الفقرات، ويبتر الكلام من سياقه، ولا ينظر إلى الكتابات في شموليتها سيخطئ في الاستنتاج ويجانب الصواب في الحكم.

وقد يتساءل البعض عن جدوى حركة الجماعة إن كان هذان الشرطان غير متوفرين، فيفتح هو الآخر نقاشا من نوع آخر، وما عليه إلا أن يكمل الفقرة” ما ينبغي لنا أن نسكت ويغتنم الأعداء سكوتنا ليتهمونا بالغموض والتخلف الفكري ولينسبوا لنا ما شاءوا من تهم الإرهاب والتآمر وما ينبغي لنا أن نخاف من تبعات الكلمة الصريحة المسؤولة فإنما ذل المسلمون من غياب هذه الكلمة” (المنهاج ص 2) وهذا ينسجم دائما مع ما ذكرناه من ضوابط وشروط للمشاركة، وبدونها فنحن في كسب دائم إن شاء الله، حيث سنبقى الشاهد على زيف دعاوي الديمقراطية، والفاضح للإسلام الرسمي الذي يغيب الإسلام، ويستغله لقضاء مصالحه وضمان استمراريته.

رابعا: ما هو الخط السياسي للجماعة إذن؟

ودائما في إطار تأكيد تعامل ذ. مصطفى الخلفي الانتقائي مع نصوص المنهاج النبوي، وتغييبه للاستقراء العلمي لمجموع ما كتب، نورد نصا واضحا يؤكد طبيعة الخط السياسي لجماعة العدل والإحسان “خطنا السياسي الواضح هو أننا لا نعارض حكام الجبر معارضة الأحزاب على مستوى تدبير المعاش والاقتصاد بل نعصيهم لأنهم خرجوا عن دائرة الإسلام إلا أن يتوبوا توبة عمر بن عبد العزيز” (المنهاج ص 25)، وهذا استجابة لنداء الله عز وجل “يا أيها الذين آمنوا أطيعوا لله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم” النساء، 59 وقوله عز وجل “ولا تطيعوا أمر المسرفين الذين يفسدون في الأرض ولا يصلحون”.

لكن الجماعة، وانطلاقا من نظرتها إلى المجتمع باعتباره مفتونا يختلط فيه الخير بالشر، تؤمن بضرورة المشاركة حيث يقول الأستاذ المرشد “لكن الشعب الخامل المضلل والشباب المشحون المهيج، لا يكاد أحد منهم يفهم وجوب الخروج عن طاعة من أخر الصلاة عن وقتها (…) لابد أن نشرح للشعب والشباب ماذا يعني التحول الإسلامي الذي نريده بالنسبة للظلم الطبقي، بالنسبة للتبعية، بالنسبة للمستقبل الاقتصادي والاجتماعي والسياسي لبلادنا، شرح كل ذلك في تفاصيله، فنتحدث عن الخبز اليومي، عن العامل المهضوم الحق…” (المنهاج ص25).

ولهذا يطرح مجموعة أسئلة “فما هي الصيغة أو الصيغ التي ينبغي لجند الله أن يتبنوها للتقدم بحركتهم؟ ما هو الخط السياسي أو المسالك السياسية التي من شأنها أن تتقدم بنا إلى أن نصل إلى الحكم، وإلى أن نبني الخلافة على منهاج النبوة” (المنهاج ص 411) ثم يؤكد أن هذا أمر يرتبط بالسياسة الشرعية “كان سلفنا الصالح يسمون سياسة شرعية اجتهادهم في تنظيم الحكم، ويكون هذا الاجتهاد سياسة شرعية إن لم يصدم في نقطة من نقطه، أو رأي أو استنباط، مبادئ الشريعة، ولم يتجاوز حدودها، ولم يقتحم عليها. فمن حقنا إذن وواجبنا أن نجتهد في معارج الزحف وأخطاره لنسلك القافلة، ومن حقنا أن ننوع أساليبنا، ونراعي الظرف، والعصر، والمصر، ومن حقنا أن نتخذ الوسيلة الشرعية للهدف الشرعي دون أن نتبلد أمام حيل خصومنا وأعدائنا ونتصرف على أساس أنها حرب وأن الحرب خدعة كما جاء في الحديث” (المنهاج ص 411)، لهذا يطرح ثلاثة خطوط سياسية للتأمل، وضمنها المشاركة في الانتخابات “تبدو لنا ثلاثة خطوط سياسية، لا نحصر فيها إمكانات العمل التنفيذي، إنما نتخذها وجهات لتأملنا: 1- الدخول في تعددية الأحزاب، والترشيح للانتخابات، وما يقتضي هذا من علنية العمل، والمرونة اللازمة وطول النفس .. (المنهاج ص 412). لكنه يطرح لذلك ضوابط وشروطا خمسة ذكرناها فيما سبق.

ولأن المشاركة وسيلة فقط، ولا يمكن، في الوضع الحالي على الأقل، أن تحقق الهدف-نؤكد عليه مرة أخرى: الزحف نحو الحكم وترتيب البيت وتوجيه المسار والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والإطاحة به- وهذا ما أكدت عليه الوثيقة في جزئها الأول الذي رصدت فيه مواطن الخلل، والتي نص ذ. مصطفى الخلفي على أن “التشخيص المقدم لواقع الانتخابات في المغرب هو في شق كبير لا خلاف حوله”، ولكن لابد من إبداء الملاحظات التالية:

1. عدم التفضل بذكر ما لا يتفق معه الأخ الفاضل، وهذا مشكل منهجي لأنه تناسى أن هذا الجزء كان المقدمة العلمية التي أفضت إلى النتائج المعلنة في الوثيقة. أما الشق الثاني من المشكل فيتمثل في غياب الشمولية أثناء نقد الوثيقة، حيث اقتصر الرد على تبرير موقف دعاة المشاركة الانتخابية، وليس مناقشة الورقة بشكل علمي، وإلا لما أغفل الجزء الأول لأنه هو الأساس، والاتفاق أو الاختلاف حوله، هو الذي سيحدد النتيجة.

2. ذكر الأخ الكريم أن هناك معطيات أصبحت متقادمة ومتجاوزة بفعل التطورات الحاصلة في مجال الإصلاح الانتخابي كالورقة الفريدة والمداد واعتماد الرموز؛ وهذا طبيعي، حيث مر على صدور الوثيقة أكثر من سنة، ولكن مع ذلك ينبغي التدقيق في هذا الحكم، فالأمور التي ذكر لم تحسم أثناء كتابة الرد على الوثيقة، ولكنها كانت مطالب فقط، ومشروع القانون لم يصوت عليه إلا بعد نشر المقال بمدة ليست بالقصيرة.

3. إدراج بعض القضايا ضمن الأمور المتقادمة والمتجاوزة فيه خلط لا يقبله طالب مبتدئ في القانون، وأشير هنا إلى الظهير الجماعي لشتنبر 1976، فهذا من القوانين الجامدة، وحتى تقديم مشروع لتغييره لم يتجاوز وسائل الإعلام والوعود، ولا علاقة له إطلاقا بالنقاش الدائر حول الانتخابات: كما أن تاريخ الانتخابات لم يصدر رسميا تحديد بشأنه أما التقطيع الانتخابي فلا زال في علم الغيب، ومع ذلك فهذا ليس موضوعنا.

4. تنصيص ذ. مصطفى الخلفي على أن “موضوع المشاركة في الحكم ليس بالضرورة المشاركة الانتخابية لأن هذه الأخيرة قد تكون مطلوبة فقط لدورها في الإنكار على المنكر واستثمار محطات الحملات الانتخابية والدورات البرلمانية في دعوة الناس وإقامة الحجة”. وهذا كلام أستغرب أن يصدر عن دارس للقانون إلا إن كان بصدد التأسيس لنظرية جديدة، ولا أعتقد أن الرد كان في هذا الصدد، فأي غاية للانتخابات إن لم تكن المشاركة في الحكم؟ وكيف يتم إنكار المنكر إن لم تكن لك سلطة؟ أم أنك تكتفي بشعار “قل كلمتك وامش” أو بتبرئة الذمة “اللهم فاشهد” وآنذاك ما فائدة أن تقولها من داخل البرلمان؟ ولماذا لا تقال من منابر مجتمعية ذات مصداقية أكثر لدى فئات الشعب؟ وأتحدث دائما انطلاقا من الواقع المغربي الحالي، وليس من حيث المبدأ.

ما هي الإضافة النوعية لوجودك في البرلمان؟ إن التسليم بهذا الاستنتاج غير مقبول، فلا غاية للانتخابات إلا الوصول إلى السلطة لتطبيق البرنامج الذي يراه هذا الطرف أو ذاك سليما وقادرا على معالجة الأوضاع، وهذا ما لا تضمنه الحالة المغربية راهنا.

وهنا لا بد من ربط هذا الاستشهاد بسياقه، حيث أورده الأخ مصطفى الخلفي لدحض المبرر الشرعي الذي تحدثت عنه الوثيقة، حيث رهن سيدنا يوسف عليه السلام مشاركته بتسلم السلطة “قال اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم” وقد استدل ذ. مصطفى الخلفي بقولة لابن تيمية تبين أنه يصعب على عزيز مصر أن يسلم سيدنا يوسف عليه السلام مقاليد الأمور، وهذا أمر طبيعي، والوثيقة لم تقل بهذا، ولكن أكدت على أنه كان مطلبا للنبي الكريم عليه السلام، ولابد أنه حقق منه البعض؛ أما دعاة المشاركة الانتخابية فلم يطالبوا بشيء من الحكم، وحتى بعد دخولهم لم يتحركوا في هذا الاتجاه، فلم يتقدم أحدهم باقتراح مراجعة الدستور مثلا، وآنذاك يكونوا قد برؤوا ذمتهم، وأقاموا الحجة، وكشفوا زيف دعوى الديمقراطية، ودافعوا عن مصالح الشعب، وبذلوا مجهودا لتهيئة أجواء سليمة للممارسة السياسية، وحتما لن يقبل طلبهم لأن نفس الدستور يضع العراقيل، والأعراف المخزنية تحرم ذلك وتجرمه؛ ولكن سيدنا يوسف عليه السلام طالب أن يحكم مع اقتناعه- كما ذهب إلى ذلك تأويل شيخ الإسلام بن تيمية رحمه الله- أنه لن يقبل طلبه إلا في جزء يسير، ولا أدري هل كان سيقبل لو رفض طلبه كليا؟ لا أعتقد.

لعلي دخلت في الشق الثاني من الرد، وهو المتعلق بالنقد الذي وجهه الأخ مصطفى الخلفي للوثيقة حين عرضت المبررات الشرعية لدعاة المشاركة الانتخابية، ونترك هذا لحلقة قادمة إن شاء الله سائلين الله تعالى السداد والقبول والتوفيق وأن يجعلنا من المتناصحين فيه.

خلاصات النقاش:

أرى من اللازم أن أذكر ما أعتقد أننا متفقون بشأنه لتطوير الحوار وإنجاحه:

1. المشاركة الانتخابية ليست إلا واجهة من واجهات المشاركة السياسية، وبذلك لا يصح نعت السالك لمسلك آخر غير المشاركة الانتخابية بالعزلة، فهذا مزلق لا ينبغي أن نسقط فيه.

2. لا ينبغي أن نربط العمل السياسي بالمؤسسات، ولكن بالمجتمع، فالمؤسسات وسيلة للعمل في المجتمع، فإن أصبحت هذه الوسيلة عائقا أو عقبة، فمن الأفضل البحث عن وسائل أخرى.

3. مسألة المشاركة أو عدمها مرتبطة بالسياسة الشرعية، والأصل فيها الإباحة، والموقف مرتبط بتقدير، ولا حرج إن تعددت التجارب والنتائج.

4. لا ينبغي أن يستولي الخلاف حول هذا الأمر على كل وقتنا وجهدنا وحركتنا وتفكيرنا، بل الأصل أن يعبر كل عن موقفه، وفي كل خير، إن شاء الله، ما دامت النيات سليمة والقصد خالصا لله عز وجل.

5. ليس هناك تعارض بين وثيقة المجلس القطري للدائرة السياسية وكتابات الأستاذ المرشد، والأمر، ربما، ارتبط بقلة اطلاع على كتابات الجماعة، وأعتقد أن هذا ليس موضوعا خلافيا في حد ذاته، فالأستاذ المرشد مازال حيا، أطال لله في عمره ونفع به العباد والبلاد، ولا يعقل أن تخرج وثيقة باسم الجماعة ومناقضة لتصورها ولا يلاحظ عليها.