نشرت جريدة “التجديد” في عدد يومي 4-5 ماي 2002 الجزء الأولَ من الكلام الذي عقّب به السيد مصطفى الخلفي على نقدي لقراءته النقدية لوثيقة الدائرة السياسية لجماعة العدل والإحسان في موضوع الانتخابات، الذي نُشر في عدد يومي 27-28 أبريل 2002.

وفي رأيي أن السيد الخلفي قد استطرد طويلا في هذا الجزء إلى جزئيات وهوامش كادت أن تغطي على الجوهر الذي من أجله كان الحوار، لكنه في الجزء الثاني من كلامه، الذي نُشر في عدد يومي 11-12 ماي 2002، كان في صميم الموضوع، حيث تطرق إلى قضية تأييد حركة التوحيد والإصلاح للبيعة، وعلاقة الحركة بحزب الدكتور عبد الكريم الخطيب، ومسألة الحزب الإسلامي، واللقاء مع مستشار الملك السيد بنسودة على عهد الملك الراحل.

وأسجل في البداية أن معظم ما جاء به السيد الخلفي من توضيحات وتعقيبات في شأن القضايا التي أعتبرها من صميم موضوع حوارنا إنما هو عندي تكرار لأفكار ومقالات وتبريرات سبق لي أن عرفتها إما بالسماع المباشر من بعض مسؤولي حركة التوحيد والإصلاح وبعض القياديين في حزب العدالة والتنمية، وإما من طريق ما كتب ونُشر من أدبيات وبيانات وتصريحات. ولو كنت مقتنعا بتلك الأفكار والمقالات لما كانت بي حاجة في استئناف هذا الحوار.

وبعد، فإني أستأنف الحوار والنقاش من خلال العناوين الثلاثة التالية:

أولا- البيعة تعاقد وأمانة والتزام، ظاهرها صفقةُ اليد وروحها ثمرةُ القلب

حينما سألت في نقدي السابق عن رأي السيد الخلفي في “رجال بايعوا على بياض، أي من غير أن يطلعوا على مضمون البيعة” كنت أقصد الإخوة في حزب العدالة والتنمية الذين يزعمون أنهم فوضوا للدكتور الخطيب في أمر البيعة وهم لم يطلعوا على مضمون العقد. وواضح أن هذا التفويض، إن كان قد حصل فعلا، هو تفويض “على بياض”، وإلا فإن “البيعة” تعاقد، والتعاقد تشارط وتوافق وتراض. وأقل ما كان ينبغي أن يقوم به الدكتور الخطيب في هذا الصدد-لأن البيعة أمانة ومسؤولية والتزام- هو أن يتشاورمع قيادة الحزب قبل أن يوقّع باسمهم. هذا أضعف الإيمان، لكنه لم يحصل، لأن “البيعة” عندنا أفرغتها الطقوس المخزنية الجبرية الموروثة من روحها التعاقدي، وأحالتها إلى شروط تُفرض من جانب واحد ولا يملك “المبايِِعُ”(بصيغة الفاعل) إزاءها إلا الخضوع والتأييد.

وبعكس السيد الخلفي الذي لا يهمه من وقّع على عقد البيعة، فإني أرى أن وجود يهودي لا يدين بدين الإسلام من بين الموقِّعين هو الدليل الدامغ على أن “البيعة” عندنا إنما هي بهرجة وطقوس و”بروتوكولات جبرية” لا علاقة لها بشرع الإسلام وسمته وهديه في عقد الإمارة وتقلد المسؤولية.

هذا، وقد وقع السيد الخلفي في حرج كبير وهو يحاول أن يدافع عن موقف التأييد الذي أعلنته حركة التوحيد والإصلاح لبيعة الملك محمد السادس، ولم يجد من مخرج لما هو فيه من الحرج إلا أن يتعصب للحركة التي ينتمي إليها ويدافع عن موقفها، وإن كان دفاعه هذا لا مستند له على الإطلاق، حيث كتب يقول: “وما أعلمه أن حركة التوحيد والإصلاح عندما أعلنت تأييدها للبيعة فقد بينت أن هذا التأييد جاء على أساس العمل بالكتاب والسنة والطاعة في المعروف…” وأقف من كلامه هذا على قوله: “على أساس الكتاب والسنة والطاعة في المعروف”. فهذا شرط لتأييد البيعة، لكن هل هذا الشرط مكتوب في نص عقد البيعة؟ لا. هل أعلنت الحركة أن تأييدها مرهون بثبوت هذا الشرط في نص عقد البيعة؟ لا. هل استُدعيت الحركة وطُلب إليها أن تُعطي رأيها وتطرح شروطها قبل إمضاء العقد؟ لا.

إني تحدثت، وأتحدث دائما، عن “بيعة” تمت في أرض الواقع يوم 23 يوليوز1999، ولها نص مكتوب ومنشور لا ذكر فيه لأي شرط من قبل المُبَايِع(بصيغة الفاعل) الموقِّع على العقد، وإنما الأمر “بيعة” وتوقيع على الطاعة المطلقة للملك من غير قيد أو شرط. وأنقل هنا بالحرف أهم ما جاء في نص البيعة في هذا الخصوص: “… إن أصحاب السمو الأمراء وعلماء الأمة وكبار رجالات الدولة ونواب الأمة ومستشاريها ورؤساء الأحزاب السياسية وكبار ضباط القيادة العليا للقوات المسلحة الملكية الموقعين أسفله… يقدّمون بيعتهم الشرعية لصاحب الجلالة والمهابة أمير المؤمنين سيدنا محمد بن الحسن بن محمد بن يوسف بن الحسن… ملتزمين بما تقتضيه البيعة من الطاعة والولاء والإخلاص والوفاء في السر والعلانية والمنشط والمكره طاعة لله واقتداء بسنة رسوله صلى الله عليه وسلم سائلين الله لأمير المؤمنين طول العمر ودوام النصر والعز والتمكين”. انتهى النص المنقول. فواضح من هذا النص أن الالتزام المذكور إنما هو من طرف واحد، فأين هو إذا هذا الشرط الذي ذكر السيد الخلفي أن قرار التأييد كان مبنيا عليه؟ هذا الشرط، مع الأسف، كان موجودا في أماني الإخوة، وبالتالي فإن تأييدهم كان اختيارا سياسيا لا علاقة له بالبيعة مضمونا وشكلا.

ومن الطرائف التي لها علاقة بهذا الموضوع أن السيد الخلفي ذكر أن الدكتور الخطيب لم يكن فقط موقّعا على عقد البيعة، “بل كان مبادرا لطرح إجراءات البيعة مباشرة بعد إعلان وفاة الملك الراحل رحمه الله بما في ذلك تحرير نص البيعة، وذلك بعد أن تحدث البعض عن الاكتفاء بمرجعية الدستور في تولية الملك الجديد…”.

لقد سبق لي أن سمعت هذه “القصة” من أحد الإخوة المسؤولين في الأمانة العامة لحزب العدالة والتنمية وعرفت حينئذ أن مصدرها لن يكون إلا الدكتور الخطيب. ومع الأسف، فإن هذه الرواية التي تحكي بعض ما جرى في القصر بعد وفاة الحسن الثاني، رحمه الله وغفر لنا وله، ستبقى، في رأيي، معدودة في الدعاوي التي يصعب إثباتها، وخاصة وأن السيد عبد الحق المريني مدير التشريفات الملكية على عهد الحسن الثاني- وما يزال- كان قد صرّح، في أحد الاستجوابات الصحفية، بأن أول شيء فكروا في عمله بعد تأكد وفاة الملك الحسن الثاني هو التهييء لعقد البيعة للملك الجديد. وهذا التصريح من أحد خدّام القصر المقرّبين، كالسيد عبد الحق المريني، يشكك في الرواية التي تقول بأنه كان هناك رأي آخر من داخل القصر يرى أن يُكتفى بنص الدستور لتولية محمد السادس.

من جهة أخرى، فإن هذه الرواية التي يتداولها الإخوة في حركة التوحيد والإصلاح وفي حزب العدالة والتنمية، والتي يظهر أن المقصود بها، بصفة خاصة، هو إظهار الدكتور الخطيب بمظهر الغيور والمدافع والساعي إلى ترسيخ الأساس الإسلامي للنظام الملكي المغربي، تثبت أن الدكتور الخطيب لم يكن في هذا الأمر مجرد رئيس حزب سياسي شارك في البيعة كسائر رؤساء الأحزاب السياسية، وإنما كان واحدا من أفراد حاشية القصر المقرّبين وأحد أبناء “دار المخزن” المخلصين، وإلا فما معنى وجوده في القصر في أثناء التحضير لمراسيم البيعة وقبل وصول المدعوين للتوقيع؟ أقول هذا الكلام وأنا أستحضر أن من حق الدكتور عبد الكريم الخطيب دائما أن يدافع عن نفسه وأن يرد بما يشاء على من يتهمه بأنه كان “رجل بلاط من الدرجة الأولى”.

بقي في هذا الموضوع توضيحٌ لا بد منه؛ فبعد أن ذكر السيد الخلفي أن تأييد حركة التوحيد والإصلاح لبيعة محمد السادس كان “على أساس العمل بالكتاب والسنة والطاعة في المعروف” استطرد قائلا: “… ونعتقد أن مشكلة عقد البيعة تتجاوز بكثير الاعتراضات الآنفة الذكر، وللأستاذ عبد السلام ياسين كلام نفيس في موضوع البيعة في كتابه “العدل”(ص104-115) يمكن العودة إليه للاستفادة…” انتهى كلام السيد الخلفي.

فالظاهر أن الإحالة على كتاب “العدل” للأستاذ عبد السلام ياسين في سياق الدفاع عن موقف حركة التوحيد والإصلاح المؤيد للبيعة قد توهم بأن الأمر يتعلق بكلام للأستاذ ياسين يعضد مقالةَ السيد الخلفي و يقوّي موقف الحركة. والحقيقة هي نقيض ما يمكن أن يذهب إليه وهم القارئ، لأن الأستاذ عبد السلام ياسين، في كل ما كتبه أوقاله في موضوع “البيعة”، سواء تعلق الأمر بنقد تجارب الماضي أو التنظير لمستقبل الإسلام أو النظر في واقعنا المعيش، يرفض هذه “البروتكولات الملوكية” والطقوس الجبرية الموروثة التي أصبح بعض حكام المسلمين يفرضونها على شعوبهم الواقعة تحت قهر السيف على أنها تمثل “البيعة” الإسلامية الشرعية. وإذا كان للأستاذ عبد السلام ياسين من كلام نفيس في هذا الموضوع فهو تمييزه بين صيغتي “البيعة” و”المبايعة”؛ يقول الأستاذ في رسالة “الإسلام أو الطوفان”، التي بعث بها للملك الراحل سنة 1974، ينصحه ويبشّره وينذره: “البيعة منذ يزيد بن معاوية قهرٌ يُنطق عدول المسلمين بوعد الطاعة المطلقة. والمبايعة التزام من جانبين، عقدٌ بين أحرار يبطل إن عصى الأمير اللهَ ورسولَه. وقد جعلها عمر بن عبد العزيز مبايعة بعد أن كانت بيعة. البيعةُ بدعةٌ وتعَذٍّ واستعباد، والمبايعة عقدٌ يزكيه الله ورسوله” انتهى

وأكتفي من الصفحات التي أحال عليها السيد الخلفي في كتاب “العدل”(104-115) بنقل العبارات التالية من كلام الأستاذ عبد السلام ياسين: “ميزة الحكم الإسلامي الشرعي أن الطاعة واجبة لأولي الأمر منا بناء على بيعة تلزم الحاكم والمحكوم بأمر الله ورسوله، شرطاها الشورى في الاختيار والحكم بما أنزل الله…

“تلك الميزة في الحكم الإسلامي الشرعي، أعني ميزة الشورى والبيعة والطاعة الواجبة لأولي الأمر، هي التي انفتقت ففسد الحكم منذ الانقضاض الأموي، وغاب عن أفق المسلمين مدى أربعة عشر قرنا من الطاعة القهرية الشرطان الواجبان في العقد السياسي حتى أصبحت الطاعة إلزاما قهريا محضا، عواملُ القهر فيه القوةُ العنفية التي يتدرع بها في كل زمان ومكان الملوك العاضّون والجبريون، ثم العادةُ القرونية التي ألف بمقتضاها الناسُ الخضوعَ للحاكم أبا عن جدّ، ثم الوهمُ أن في طاعة المسلمين للحاكم المتسلط وفاءً لبيعة هي في ميزان الشرع تزوير محض” انتهى كلام الأستاذ عبد السلام ياسين.

ثانيا- السكوت عن اللقاءات مع المستشار أحمد بنسودة شبهةٌ لا تخدم مصلحة الدعوة الإسلامية

اللقاء بمستشار الملك ليس شبهة في حد ذاته، ولكن حينما تتكرر اللقاءات، التي تُبلّغ فيها الرسائل والتعليمات، وحينما تصبح مواقف “حركة الإصلاح والتجديد” محكومة بمضمون هذه التعليمات، فإن الشبهة حيندئذ تصبح أمرا واقعا. وإذا كان من حق حركة الإصلاح والتجديد أن تعتبر أن قرارها بعدم المشاركة في انتخابات أكتوبر 1992 ويونيو 1993 كان مبنيا على مشورات موسعة وتقديرات، فإن الملابسات التي سبقت قرار الحركة كلها تعطي للآخر الحق في أن يرى أن ذلك القرار كان تابعا لتعليمات مخزنية لم تكن الحركة، بحكم الاختيار الذي سارت فيه، تستطيع أن تعترض عليها أو أن ترفضها. ولنتأمل بعض هذه الملابسات التي أحاطت بقرار عدم المشاركة؛

الحركة تقدمت بطلب تأسيس حزب سياسي، فرُفِض الطلب بناء على تعليمات ظالمة لا علاقة لها بالحق والقانون. وبعد هذا الرفض المخزني اللاقانوني التقى مستشار الملك الحسن الثاني السيد بنسودة بمسؤولي الحركة وأبلغهم رسالة من الملك الراحل- وأؤكد مرة أخرى أن هذه الرسالة ليست لها أي صفة قانونية إلزامية، لأنها رسالة لم يعلن عنها رسميا- تؤكد الظلم الذي وقع عليهم، أي تؤكد حرمانهم حقهم في التنظيم السياسي المنصوص عليه في قانون الحريات العامة.

فما معنى أن يرسل الملك مستشاره إلى مسؤولي الحركة ليبلغهم رسالة فحواها أنهم ممنوعون من المشاركة في الانتخابات؟ أليسوا مغاربة كسائر المواطنين؟ أليست لهم حقوق مكفولة؟ ثم لماذا احتاج الأمر إلى تدخل الملك شخصيا؟ أليس في البلاد قوانين ومحاكم وإدارات وإعلام وغير ذلك من القنوات الرسمية والمؤسسات العمومية؟

ثم متى كانت رسائل الملك الحسن الثاني، رحمه الله وغفر لنا وله، الرسمية وغير الرسمية، موضوعا للنقاش والأخذ والرذّ، والجميع يعرف أن ما يصدر عن الملك، في عرف نظامنا السياسي المخزني، هو تعليمات حقها أن تقابل بالسمع والطاعة. وأنا شخصيا لم أقرأ فيما نشرته جريدة “الراية” حول هذا الموضوع أن الإخوة في حركة الإصلاح والتجديد قد أخضعوا الرسالة الملكية “السرية”، في مجلس شوراهم، للنقاش والنقد. بل لم نقرأ شيئا بالمرة عن هذه “الرسالة الملكية” ولا عن اللقاءات التي تمت بين مستشار الملك ومسؤولي الحركة. فهل من سر أو حكمة وراء عدم الإعلان عن هذه اللقاءات وتلك الرسالة في جريدة الحركة؟

هذا من جهة، ومن جهة أخرى، فإن الحقيقة التي ترجحها، في رأيي، الملابسات المذكورة، هي أن قرار الحركة عدمَ المشاركة في الانتخابات والإمساكَ عن المطالبة بحقها في تأسيس حزب سياسي إنما كان متضمنا في الرسالة- وهي في تقديري تعليمات- التي بلّغها السيد بنسودة. أما التشاور الموسع والتقدير الذي يستحضر “مصلحة البلاد واستقراره وخاصة وحدته الترابية” وغير ذلك مما ذكرت بيانات الحركة أنه كان وراء قرارها، فهو، في تقديري، لا يعدو أن يكون تبريرا وتفسيرا وتسويغا بعديا لمضامين التعليمات العليا القبلية، أي أن هذه التعليمات هي الأصل الذي انبنى عليه الفرع الذي هو قرار مجلس الشورى لحركة الإصلاح والتجديد.

ماذا يمكن أن نستنتجه من هذا الطريق الذي سلكه مسؤولو حركة الإصلاح والتجديد، سنة 1992، في التعامل مع الرسالة/التعليمات التي حملها إليهم المستشار بنسودة؟

أولا، نستنتج أن الحركة قبلت، من غير أن تشعر ومن غير أن يكون ذلك حاضرا في نيتها، المشاركةَ عمليا في تكريس دولة الجبر والتعليمات، والتخلي عن النضال من أجل دولة الحق والقانون والحريات.

نستنتج، ثانيا، أن الحركة قبلت بأنصاف الحلول، إن لم يكن أقل، حينما سكتت عن المطالبة بحقها الكامل في تأسيس حزب إسلامي، وقبلت أن تكيف عملها وتوجه قراراتها واختياراتها بحسب ما تفرضه التعليمات المخزنية، لأنا لم نسمع أو نقرأ أن الحركة قد أدانت أو اعترضت، فيما صدر عنها من بيانات، ولو بالتلميح، على هذه التعليمات المخزنية التي فرضت عليها أن تتخلى عن حقها الشرعي والطبيعي في الوجود السياسي، وسلبتها حريتَها في التنظيم بعيدا عن أية وصاية أو تهديد أو مساومة.

نستنتج، ثالثا، أن الحركة، بناء على الاختيار السياسي الذي سارت فيه منذ إعلان القطيعة مع الشبيبة الإسلامية، كانت مهيّأة للتنازل عن كثير من حقوقها والسير في طريق هو، في حقيقته، طريق يخضع في هندسته العامة للإرادة المخزنية الماكرة.

نستنتج، رابعا، أن ما حصل في يونيو 1996، في المؤتمر الاستثنائي لحزب الحركة الشعبية الدستورية الديمقراطية، من إعلان عن انضمام أفراد من حركة الإصلاح والتجديد، لم يكن إلا باكورة من بواكير الغرس الذي بدأت إرهاصاته في 1992.

وأخيرا، نستنتج أن الاختيار السياسي الذي سارت فيه حركة الإصلاح والتجديد، من قبل، وحركة التوحيد والإصلاح من بعد، والذي تتمثل بعض معالمه في التنازل عن بعض الحقوق السياسية بفعل الضغط المخزني، والسكوت نهائيا عن المطالبة بحق تأسيس حزب سياسي، والقبول بالعمل تحت مظلة حزب ترضى عنه الدولة- هذا الاختيار السياسي أعطى نوعا من المصداقية للدعوى التي روّج لها خصوم الحركة الإسلامية وأعداؤها على أوسع نطاق- وما يزالون يفعلون- في شأن الحزب الإسلامي، والتي مفادها أن المغاربة جميعا مسلمون وأن عندهم على رأس الدولة أمير المؤمنين، وبالتالي فإن أي حديث عن الحزب الإسلامي في المغرب إنما هو حديث عن الطائفية المقيتة واتهام للناس في عقائدهم وسعي لفرض نوع من الوصاية والاستبداد باسم الإسلام، وبناء عليه فإن الدستور المغربي وكذلك القوانين المنظمة للحريات العامة تمنع قيام كيان سياسي من هذا النوع. وهذا الاستنتاج يصلنا بالعنوان الثالث في هذه المقالة.

ثالثا- حزب “العدالة والتنمية” ليس حزبا إسلاميا. لماذا؟

أعود إلى هذا الموضوع مرة أخرى، لأن السيد الخلفي علق على ما جاء في مقالتي السابقة حول حزب العدالة والتنمية بكلام يحتاج إلى نقاش لأني لا أراه مقنعا، وأيضا لأن بعض الناس كتب يسأل: لماذا لا أعتبر حزب العدالة والتنمية حزبا إسلاميا مع أن حركة التوحيد والإصلاح، بكل أعضائها، أصبحت امتدادا شعبيا له تشارك في كل معاركه وتتبنى جميع مواقفه؟

في البداية أذكر مرة أخرى أن ما أدّعيه لا علاقة له بنيات الأشخاص ولا بفلان أو فلان في حد ذاته، وإنما النقد والحكم هنا ينصبان على الجوانب التاريخية والسياسية والقانونية من المسألة.

فالمعروف، تاريخيا، أن حزب الدكتور عبد الكريم الخطيب “الحركة الشعبية الدستورية الديمقراطية”، سابقا، “العدالة والتنمية” حاليا، تأسس سنة 1967، في ظل حالة الاستثناء التي كان المغرب يرزح تحتها. أما الحركة الإسلامية، بمفهومها الاصطلاحي الحديث فلم تظهر في المغرب إلا في السبعينات.

أما الطريقة التي اُسّس بها هذا الحزب والغاية التي أُسِّس من أجلها، وكذلك شخصية مؤسس الحزب الدكتور الخطيب وارتباطه الوثيق بالقصر، فضلا عن بعض الأحداث التي عرفها المغرب، والتي كان اسم الدكتور الخطيب حاضرا فيها، بطريقة أو بأخرى، فإن كل ذلك جعل آراء الباحثين ومقالات المحللين تتضارب في شأن حقيقة وجود هذا الحزب والأدوار التي لعبها، في شخص مؤسسه خاصة، في التاريخ السياسي للمغرب الحديث. أضف إلى هذا – وأنا هنا أسجل ما هو متداول ومعروف- هذه السمعة القبيحة التي اكتسبها هذا الحزب، تاريخيا، حيث كان يصنف دائما في خانة صنائع النظام السياسي المخزني، كما كان الدكتور الخطيب، وما يزال، يُنعت بأنه ابن دار المخزن بامتياز.

فما علاقة الحركة الإسلامية بهذا التاريخ “الملوث”؟ وما علاقتها بأحداث وأشخاص ومناورات ومؤامرات واتهامات وانتقامات وفظاعات وغير ذلك من المثالب والمظالم التي امتاز بها المغرب على عهد فواجع أحداث الريف و”دار بريشة” و”درب مولاي الشريف” و”تازمامرت” و”قلعة مكونة” و”دار المقري”…؟ إن من الظلم البيّن ربطَ الحركة الإسلامية المغربية بهذا التاريخ “المضطرب” وبما أحاط به من شبهات لمّا يتوقف فيها البحث والقيل والقال.

ليس من شأني هنا أن أتهم الناس أو أن أبرئهم، فذلك أمر موكول إلى المؤرخين والدارسين المحققين، وإنما شأني أن أثبت أن الدكتور الخطيب، بحكم ماضيه السياسي، لا علاقة له، من قريب ولا بعيد، بالحركة الإسلامية، وإن كان هذا الإثبات لا ينفي أن الرجل كانت له غيرة على دينه ووطنه وملكه.

وإذا كان الناس أحرارا في صناعة زعمائهم على الشاكلة التي تعجبهم وتناسبهم وإغداق الأوصاف التي يحبون عليهم، فإن ممارسة هذه الحرية قد تتحول إلى نوع من التزوير والتشويه إن نحن حاولنا أن نفرض على الناس الدكتور الخطيب، مثلا، على أنه “زعيم إسلامي” سبق ميلاد الحركة الإسلامية بعشرين سنة. فالعدل والقصد هنا يقتضيان إنزال الناس منازلهم بلا مبالغة ولا تعصب ولا إجحاف.

أما سياسيا، فإن اعتبار حزب العدالة والتنمية حزبا إسلاميا يعني، فيما يعني:

تزكيةَ صناعة هيآت إسلامية على قدّ النظام المخزني الجبري، تصدّق الفلسفة التي يقوم عليها هذا النظام وتتبناها وتدافع عنها، لا تشكك ولا تخالف ولا تعرقل ولا تعترض. فالإخوة في حركة الإصلاح والتجديد سابقا، وفي حركة التوحيد والإصلاح لاحقا، التحقوا بحزب الدكتور الخطيب بعد أن قبلوا بشروطه، أما هم فلم نسمع أنه كانت لهم شروط عليه. أما الشروط الثلاثة التي اشترطها عليهم، وهي الملكية والإسلام واللاعنف، فالأساسي فيها، في رأيي، هو شرط الملكية، لأن الملتحقين بحزبه هم أصلا من المسلمين النابذين للعنف، وبالتالي فإن احتمال تركهم الإسلام إلى دين آخر هو من قبيل المستحيلات. وشروط الدكتور الخطيب هاته تذكرنا بالمقدسات(بصيغة الجمع) التي طالما اعتمدتها السلطات المخزنية لقمع المعارضين وانتهاك حقوق المخالفين. فهذه المقدسات، بالجمع، لا يبقى منها، عند النظر في كيفية تصريفها في أرض الواقع المعيش، إلا مقدس واحد مفرد هو النظام الملكي. أما المقدسات الإسلامية مثلا، فالدولة، التي تحاكم الناس بتهمة المس المقدسات، هي على رأس من ينتهكونها.

تزكيةَ صناعة رموز للحركة الإسلامية تولّدوا من طينة غير طينتها ونبتوا في غير منبتها. الله وحده،