“ما موقفكم من الانتخابات التشريعية المقبلة؟ وما هي المبررات التي تبنون عليها هذا الموقف؟ ألا ترون أن هناك تعديلات جديدة طالت مدونة الانتخابات، وقانون الصحافة والحريات العامة كما أن هناك مشروع قانون الأحزاب السياسية .. وأنها كافية لاتخاذ موقف إيجابي من المشاركة في الانتخابات التشريعية المقبلة؟ وإذا كنتم ستتخذون موقفا سلبيا من المشاركة، هل ستتركون الحرية لأعضاء الحركة ليصوتوا لمن يرتاحون لهم من المرشحين؟..”

عن هذه الأسئلة يجيب الأستاذ المرواني الأمين العام للحركة من أجل الأمة في تصريح لجريدة “التجديد” عدد 18 – 19 ماي 2002.

توضيحات أولية:

هناك توضيحات أولية تفرض نفسها في معالجة هذا الموضوع:

أولا- ليس السؤال هل نحن مع المشاركة السياسية أم لا؟ فالجميع مجمع على أهمية العمل السياسي وضرورته، والجميع يمارس السياسة بالطريقة التي يراها مناسبة وتخدم الأهداف والمقاصد المنشودة التي سطرها، وبالتالي فلكل اجتهاده وتقديره، ولا أحد يمتلك الحقيقة المطلقة، والمطلوب شرعا هو التسابق والتنافس في الخيرات. إن الأمور الاجتهادية أمور قابلة للصواب وللخطأ أو لهما معا، وتقوم على أساس الترجيح بين مصلحتين أو بين مصلحة ومفسدة أو بين مفسدتين. ونجاح هذا الاجتهاد أو ذاك لا يقاس بالمدى القريب أو حتى المتوسط، بل يقاس بالأجيال، فليس مهما أن نجني ثمار اجتهادنا السياسي اليوم ما دمنا مقتنعين به ومستعدين للتضحية من أجله، ومادام الاجتهاد راجحا في نظرنا، كما ليس مهما ألا يجني الآخرون ثمار اجتهادهم السياسي وإن كنا غير مقتنعين بحججه وبراهينه.

ثانيا- المشاركة في الانتخابات والمؤسسات الدستورية والسياسية (أو لنقل المشاركة الانتخابية والمؤسساتية) هي جزء من المشاركة السياسية والعمل السياسي وليست كل المشاركة السياسية أو كل العمل السياسي وليست كل المشاركة السياسية أو كل العمل السياسي، وبالتالي فقياس المشاركة السياسية أو العمل السياسي لا يتحدد من بوابة المشاركة في الانتخابات والمؤسسات الدستورية والسياسية على اعتبار أن للعمل السياسي والمشاركة السياسية بوابات متفرقة. وعليه، فلا يمكن اعتبار، كل من لا يشارك في العملية الانتخابية، منعزلا بل هو فقط ممتنع عن ممارسة أحد أشكال العمل السياسي لأدلة راجحة لديه على اعتبار أن تلك المشاركة تندرج في مباحث السياسة الشرعية وتتقرر في ضوء الموازنة بين المصالح والمفاسد.

ثالثا- إن سؤال التغيير والتصحيح هو سؤال مركب ولا تنفع معه المنهجية الثنائية (أبيض – أسود)، والصواب الذي نراه، اعتماد المنهجية الإسلامية باعتبارها مقاربة وسطية وتركيبية ترفض منطق الثنائيات المتخاصمة في تناول هذا السؤال. وعليه، فليست المسألة تقابلا بين من يرى التغيير من داخل المؤسسات وما يستلزم ذلك بالضرورة من مشاركة في العملية الانتخابية ومن يرى التغيير من خارجها، لسبب بسيط مؤداه أن العمل من داخل المؤسسات في شروط لا يتناقض مع العمل من خارجها في ظروف أخرى مغايرة. وبالنتيجة، فالتغيير من الداخل قد يكون مجديا ومفيدا في شروط محددة وقد يكون مفسدة في شروط أخرى، كما أن التغيير من خارج المؤسسات قد يكون مصلحة في ظروف فيما قد يكون مفسدة في ظروف أخرى. فالحكم الشرعي هنا هو حكم الوسائل، والاختيار بين الوسائل أو تقديم وسيلة على أخرى من موارد الاجتهاد، والأصل فيها (أي الوسائل) جلب المصالح ودرء المفاسد ما لم يرد نص صحيح وصريح بالفعل أو الترك .. بل إن كل أمر لم تلغه الشريعة أو لم توجبه جاز لنا فعله شريطة ألا يفوت مصلحة راجحة وألا يؤدي إلى مفسدة عظيمة.

وعليه، تتبنى الحركة من أجل الأمة نظريتين هامتين في رؤيتها التغييرية والتصحيحية والإصلاحية وهما: أولا، نظرية المضغ، وهي نظرية مستلهمة من حديث المضغة، وتقوم على أساس تشخيص المشكلة المجتمعية العامة التي ينبغي أن تتوجه لها الجهود. أما الثانية، فهي نظرية الأبواب المتفرقة، وهي نظرية مستلهمة من الرؤية اليعقوبية، والتي لا تستثني أي باب طالما ترجحت مصالحه على مفاسده. ومن هذه النظرية، وانطلاقا من تبنيها لاستراتيجية التدافع المدني، ترى الحركة من أجل الأمة أن الباب الانتخابي جزء من الباب السياسي والباب السياسي أحد الأبواب المتفرقة، وهي لا تعترض على الباب الانتخابي من حيث المبدإ ولكن من جهة الشروط. وهذا هو جوهر ما نفهمه ونفقهه من علم الأصول. فالحكم الشرعي نوعان: حكم تكليفي وحكم وضعي. الحكم التكليفي هو خطاب الله تعالى المتعلق بأفعال المكلفين والحكم الوضعي هو الذي يحدد شروط الحكم التكليفي وموانعه، أي يحدد سياقه وشروط تنـزيله. وعليه، فإذا كان استعمال الباب الانتخابي جائزا من حيث الحكم التكليفي فقد يمسي ممتنعا ومتعذرا من جهة الحكم الوضعي أي من جهة السياق والشروط وهو ما سنبرزه لاحقا بحول الله.

رابعا- يؤول النقاش، بمقتضى ما سبق، إلى نقاش في شروط المشاركة في الانتخابات والمؤسسات المنبثقة عنها وليس في مبدإ المشاركة فيهما. وعليه، فليس السؤال هل نشارك في الانتخابات التشريعية المقبلة أم لا؟ ولكن السؤال يكمن في تقدير شروط المشاركة وتقويم مفاسدها ومصالحها وبالتالي يكون الترجيح بينها. وهذا هو النقاش الحقيقي، وهذا النقاش لا يحتمل العدمية كما لا يحتمل منطق الثنائيات المتخاصمة من مثل القول أن من يشارك في الانتخابات هو الصواب وأن من لا يشارك فيها مخطئ ومجانب للمصلحة أو العكس. وليس النقاش هل هناك مصالح في المشاركة الانتخابية والمؤسساتية أم لا؟ لأن المؤكد هو وجود مصالح فيها ولكن إلى جانب مفاسد، وبالتالي فمدار النقاش هو في الترجيح بينهما .. إذ ليست هناك مصالح مطلقة فقط أو مفاسد مطلقة فقط بل، الصحيح، أن نقول إن في المشاركة الانتخابية والمؤسساتية مصالح ومفاسد، وبالتالي فقد نشارك في شروط وظروف تترجح فيها المصالح فيما نقاطع ونمتنع في شروط وظروف أخرى تترجح فيها المفاسد، ما دام موضوع المشاركة الانتخابية أو عدمها هو موضوع التقدير والاجتهاد وما دامت المصلحة تقدر شرعيا بقدرها.

وعلى من يشارك في الانتخابات والمؤسسات التي تنبثق عنها أن يقدم أدلته وحججه وحساباته لتي يرجح بها موقفه، وعلى من لا يشارك أن يقدم براهينه واعتباراته التي تستند وترجح لديه موقف عدم المشاركة، ولنترك الأمور بعد ذلك للتاريخ ليقول كلمته في كلا الاجتهادين.

وبناء عليه، فإن التقدير السياسي للحركة من أجل الأمة -الذي نقر بنسبيته وبكونه اجتهادا صوابا يحتمل الخطأ- يتأسس على ثلاثة عناصر:

– الأول، إنه لا تداول بدون متداولين أو لنقل لا مشاركة بدون مشاركين، وهذا يطرح موضوع الحريات العامة.

– الثاني، إنه لا تداول بدون نزاهة، وهذا يطرح موضوع الإصلاح السياسي في جزء منه.

– الثالث، إنه لا تداول بدون القدرة على تنفيذ البرنامج الذي حظي بتأييد الشعب في العملية الانتخابية، وهذا يطرح سؤال الإصلاح الدستوري. لنتناول الآن هذه العناصر الثلاثة واحدا واحدا..

لا تداول بدون متداولين .. ولا مشاركة بدون مشاركين

فيما يتعلق بموضوع المتداولين أو المشاركين، فلا شك أن الجميع يعرف أن هناك قوى وتنظيمات ممنوعة من حقها في التنظيم والتعبير ويقف في مقدمتها مكونات الحركة الإسلامية. وهذا أمر مقلق للغاية .. فهو إذ يثير مشكلة التمييز السياسي يطرح بقوة سؤال المواطنة ببلادنا: أليس الإسلاميون المغاربة مواطنين يحملون بطاقة التعريف الوطنية وبالتالي عليهم نفس الواجبات ولهم نفس الحقوق التي يلزم أن يتمتع بها كل المواطنين المغاربة بما فيها الحق في العمل السياسي؟ ثم، ما الذي يمنع من أن يكونوا مواطنين كاملي المواطنة ويكون لهم الحق في التعبير والتنظيم وأن يطرحوا برنامجهم للناس ليقولوا كلمتهم فيه؟.

ولابد هنا من تصحيح مغالطة مفادها أن بعض مكونات الحركة الإسلامية قد اختارت عن طواعية عدم المشاركة في العملية الانتخابية والمؤسساتية، والصحيح أن حق الإسلاميين في التنظيم والتعبير غير مكفول وغير مضمون، والسلطة السياسية هي من اختارت عدم الاعتراف القانوني والواقعي بالحركات الإسلامية في البداية، ولكنها فهمت، بعد ذلك، أن هذا الأمر ممتنع ومتعذر: لقد أدركت أن قمع الإسلاميين لن يفت من عضدهم، ومثله كمثل من يضرب على وتد، كلما ازداد الضرب كلما ازداد الوتد تجدرا وتعمقا في الأرض، كما أدركت أيضا ما يكلفه النهج الأمني من خسائر لسمعة المغرب السياسية والحقوقية، وهي اليوم، بصدد تجربة سياسية جديدة بئيسة مؤداها الاعتراف الواقعي بالحركة الإسلامية بدل الاعتراف القانوني. ولابد أن تسقط هذه السياسة الخرقاء يوما ما بحول الله وقدرته ما استمرت الحركات الإسلامية متمسكة بحقها المشروع في التنظيم والتعبير ومتوسلة في ذلك سبل المقاومة المدنية. إن الانتماء للوطن لا تحدده بطاقة التعريف الوطنية ولكن الذي يحدده هو منسوب الحقوق والحريات التي يتمتع بها المواطنون.

إن الدولة المغربية لم تنضج بعد، فهي تتعامل مع المغاربة الإسلاميين على أساس أنهم مواطنون من الدرجة الثانية وهم في أحسن الأحوال كمّ من الأصوات فقط لا يجوز لهم أن يمارسوا حقهم المشروع في العمل السياسي ولا حتى أن يكون لهم قول سياسي، ومن يريد منهم العمل السياسي فعليه “اللجوء السياسي” لأحد الأحزاب، وهذه مشكلة سياسية خطيرة تطرح بحدة أزمة الشرعية ببلادنا، لأن عدم الاعتراف ببعض مكونات وقوى المجتمع يجعلنا نميل إلى القول بأن هذه الحالة نموذج لأزمة الشرعية وليست نموذجا لنقص الشرعية. وقد جاءت القوانين التي صدر بعضها مؤخرا لتفاقم من هذه الأزمة من خلال تكريسها وترسيخها لهذا التوجه الذي يحد من الحقوق الأساسية للمواطنين. صحيح، أن هناك تطورات حصلت في المجال الحقوقي خاصة، وإن لم تصل مستوى الطي العادل والشامل، فإنها بنظرنا تظل محدودة لأنها لم تطل جوهر المشكلة السياسية المغربية. ولذلك، نحن لا نفرط في تضخيم الآمال حول المرحلة التي دخلها المغرب. فوجود إشارات إيجابية قوية لا ينبغي أن ينسينا وجود واستمرار الإشارات السلبية القوية وخاصة منها استمرار هيمنة الدولة على المجتمع.

الآن، قد يقول قائل: ولماذا نضيع الوقت والجهد في معركة خاسرة؟ ولماذا لا ندخر كل ذلك فيما ينفع ويفيد وننخرط بهدوء في المشهد السياسي دون ضجيج (التسرب الهادئ) ونعبر عن حسن النوايا وكأن الحق في التنظيم والتعبير تهديد للأمن العام؟. إن من يعتقد أن معركة المواطنة والحق في التنظيم والتعبير، بما في ذلك العمل السياسي القانوني، معركة ثانوية ولا تستحق منا الوقت والجهد لا يقدر حقيقة المشروع الإسلامي الذي نحمله كمسلمين، وهم فضلا عن كونهم يسيئون إلى أنفسهم بقبولهم صفة أنصاف مواطنين، يشجعون السلطة السياسية السائدة على التمادي في نهجها وغيها القاضي بعدم الاعتراف القانوني بمكونات الحركة الإسلامية المغربية والتوقف عند حدود الاعتراف الواقعي بها. إن التخلي عن مطلب الحق في التنظيم والتعبير بحجة الخوف من تداعيات الفتنة هو إقصاء للذات بإرادة ذاتية، والذي ينبغي أن يعلمه الجميع هو أن الفتنة الحقيقية هي انتهاك الحاكمين للحريات العامة، هي عدم اعترافهم بحق الجميع دون ميز في التعبير والتنظيم، وهي أيضا قبول تأجيل الإصلاحات التي طال انتظار المغاربة لها، هذه هي الفتنة الحقيقية، وما يزيدها تفاقما هو أن مشاكل البلاد تتناسل وتتراكم ولا تنتظر أحدا، ونخشى، لا قدر الله، أن يأتي يوم لا تنفع معه سياسة العقاقير المهدئة.

الإصلاح السياسي لا تداول بدون نزاهة

فيما يتعلق بموضوع النزاهة، فإلى حدود اللحظة، ليس هناك ما يؤشر لوجود إرادة سياسية حقيقية في تنظيم انتخابات حرة ونزيهة. وهناك جهود كواليسية تتم في الخفاء لترتيب الاستحقاقات المقبلة، ومن يمنع فئة من المواطنين من حقهم المشروع في التنظيم والتعبير والوجود القانوني الكامل كيف تريده أن يكون حريصا على النـزاهة وعلى التداول الفعلي للسلطة؟.

إن النـزاهة ليست دعوى تائهة بل هي شروط ملموسة ومن يريد النزاهة يعد لها العدة. ونرى من شروطها توفير مناخ ثقافي عنوانه تركيز ثقافة النـزاهة وترسيخها وتجذيرها وتطوير نظام الولاءات من نظام يقوم على أساس القبيلة أو العشيرة أو النفوذ أو التعليمات إلى نظام الولاء للرسالة والمشروع المجتمعي والبرنامج، ويمكن توظيف مختلف منابر الإعلام السمعية والمرئية والمكتوبة لهذا الغرض للتحسيس على الأقل، هذا فضلا عن الإجراءات والضوابط الأخلاقية والقانونية الكفيلة بردع الغش والتزوير سواء صدر عن السلطة أو عن المواطنين.

إن موضوع النـزاهة يعنينا كإسلاميين أكثر من غيرنا وخاصة أن الدفاع عن الأخلاق والقيم الفاضلة جزء أساسي في ديننا أولا وفي المشروع الذي نبشر به عموم الناس ثانيا. فسياستنا شرعية وملتزمة بالإسلام منهجا وسلوكا، ولا يجوز تحت أي ذريعة القبول بالتعايش مع التزوير والمزورين. فالتزوير غش، و(من غشنا فليس منا)، والتزوير خيانة فهو حرام وجريمة كما تلزم معاقبة مرتكبيها يلزم من يرفضها ألا يخالط مرتكبيها. وقد يقول قائل هنا أيضا: إن لمزاحمة الفساد والمفسدين ضريبة، وهي ضريبة لا تؤثر على المصالح المترتبة عن تلك المزاحمة، وبالتالي فهي ضريبة مرجوحة. نقول: هذا كلام يمكن القبول به إذا كان التزوير محدودا واستثنائيا، أما وحقيقة الأمور التي يشهد بها الجميع، بما في ذلك المستفيدون من التزوير، هي العكس تماما حيث منطق الكوطا والتوزيع السياسي السابق للعملية الانتخابية هما المهيمنان على مجمل العملية السياسية، وبالتالي ما هي المصالح الراجحة في ظل خرائط سياسية مصنوعة بعناية لخدمة نسق سياسي مهيمن؟ ثم، إن التزوير كالكذب لا يجوز قبوله عند المسلم وله. إننا حين نرفض المشاركة في عملية سياسية تتسم بالتزوير لا نحسن إلى أنفسنا فقط، ولكننا نصون الثوابت والقيم ونحفظها للأجيال. فليس المهم أن نتقدم كمسلمين من حيث عدد النواب والمستشارين فيما يظل تأثيرنا محدودا على مستوى التشريع والقرار والتنفيذ، ولكن الأهم هم أننا أصحاب رسالة ورسالتنا تدعونا لأن نصون المبادئ والثوابت الدينية والخلقية وأن نعطي الدليل أننا رساليون أولا وأخيرا. إن المطلوب على الأقل بالنسبة للمشاركين، وذلك من باب إبراء الذمة، الانسحاب الفوري من مجمل العملية الانتخابية إذا تبين وجود التزوير وبالتالي تسجيل موقف للتاريخ لن يذهب سدى بحول الله وعونه وهذا هو ما سيعطي جدية حقيقية للفعل السياسي ببلادنا إلى جانب كفاحات مدنية أخرى.

الإصلاح الدستوري كأساس للشرعية .. لا تداول بدون تنفيذ البرنامج الانتخابي

أما فيما يتعلق بالعنصر الثالث وهو الأهم فيمكن القول بخصوصه أن إجراء انتخابات حرة ونزيهة تتنافس فيها كل المكونات المغربية دون تمييز أو إقصاء ليس مقصودا لذاته بل مقصودا لغيره وهذا الغير هو أن يتمكن المنتخبون انتخابا حرا ونزيها من تنفيذ برنامجهم الذي على أساسه انتخبوا، هذا هو المقصود من الانتخابات النـزيهة. والحال أن شروط النـزاهة غير منعقدة كما أن الشروط الدستورية التي تحدد اشتغال السلطة التنفيذية هي شروط معاكسة تماما لهذا المقصد، فالسلطة التنفيذية ببلادنا لا تمارس السلطة بل تخدمها، وهي لا تستطيع تنفيذ برنامجها الذي وعدت عموم الناس به لأن هناك هيمنة للسلطة الملكية عليها (مجلس الوزراء يرأسه الملك ويحدد توجهاته العامة) وعلى باقي السلطات الأخرى بما في ذلك السلطة التشريعية (البرلمان بغرفتيه). ودرس حكومة التناوب ماثل للعيان إذ لم يكن بمقدورها أن تعمل خارج ممكناتها باعتبارها حاصل تحصيل دستوري وسياسي مختل بالكامل لمصلحة المخزن والقوى الخفية النافذة، لا بل إن مختلف تجارب المشاركة الانتخابية والمؤسساتية انتهت إلى التطبيع مع النسق السياسي ولم تستطع تطوير البناء الدستوري والسياسي المغربي، بل الذي حصل هو تنامي هيمنة المخزن على مجمل المجال السياسي وانتقال أعراض تطبع الأداء المخزني إلى العديد من الأحزاب (إعمال التعيين بدل الانتخاب، التزوير في لوائح الأعضاء، منطق الكوطا والتوافقات…). إذا أضفنا إلى كل هذا غياب اعتبار الشريعة الإسلامية المصدر الأسمى للتشريع ببلادنا كقيد دستوري أساسي، فإن الممارسة التشريعية من خلال البرلمان تصبح محدودة وخاصة فيما يتعلق بموافقة القوانين للإسلام ومقاصده الكلية الجامعة باعتبار أن تلك القوانين هي التي تضبط أداء الدولة والمؤسسات والمواطنين. وهذا يوضح الأهمية التي نوليها كحركة إسلامية لمرجعية التشريع العليا في معركة الإصلاح الدستوري. إن الحركة من أجل الأمة تنطلق، في رؤيتها السياسية، من مفهوم الشرعية السياسية حسبما استقر عليه القول الراجح في الفقه السياسي الإسلامي، وهو المفهوم الذي يرى أن الشرعية السياسية شرعيتان: شرعية التنصيب وشرعية السياسات، وبالتالي فهي ترفض المقاربة السلطانية التي تعطل سؤال التنصيب (من يحكم؟) لصالح سؤال السياسات (بم يحكم؟) وتتساهل في مضامينها، كقبول الممارسة السياسية من خلال مؤسسة بدون مرجعية إسلامية عليا في التشريع. ولهذا السبب نطرح، في الحركة من أجل الأمة، موضوع الإصلاح الدستوري كأساس للشرعية. إننا حينما نطالب في الحركة من أجل الأمة باستلهام جوهر النظام النيابي (أو ما يصطلح عليه في الفقه الدستوري بالنظام البرلماني) في إطار المرجعية الحضارية الإسلامية لبلادنا كتوجه أساسي في الإصلاح الدستوري الذي نرومه فلأننا واعون تمام الوعي أنه لا يمكن الحديث إطلاقا عن أية إمكانية لتحقيق التداول الفعلي للسلطة ضمن النسق الدستوري الحالي: فالنظام النيابي هو جوابنا الدستوري على سؤال شرعية التنصيب، وضبط المصدر الأسمى للتشريع ببلادنا هو جوابنا الدستوري على سؤال شرعية السياسات.

إنه بالنظر للشروط الدستورية السائدة، يصبح العمل السياسي بالمغرب ويمسي أسيرا لمعادلة مخزنية ويفقد، بالنتيجة، مبرر وجوده لأنه لا معنى لممارسة السياسة ببرنامج لا يستطيع أصحابه تنفيذه إذا حاز على تأييد الشعب وثقته كما تصبح استراتيجية التدافع المدني بلا معنى وتفقد مصداقيتها.

خلاصة: الموقف السياسي

وبناء على ما تقدم، فإن موقفنا السياسي واضح لا لبس فيه يرى أن مفاسد المشاركة في عملية انتخابية فاقدة للمعنى وللمعقولية أكبر وأعظم من مصالحها، ومؤدى هذا الموقف السياسي هو:

أننا نرفض أن نكون مواطنين من الدرجة الثانية علينا كل الواجبات ومحرومون من أهم الحقوق.

أننا نرفض “اللجوء السياسي” لأحد الأحزاب.

أننا نرفض أن نشارك في مؤسسات مزورة وأن نكون “شهود زور” نجلس في قبة إلى جانب من ينتحل صفة منتخب لأن أخلاقنا الإسلامية وانتماءنا للإسلام يمنعنا من ذلك.

أننا نرفض المشاركة في مؤسسات بدون فاعلية، مؤسسات وجدت، في الجوهر، لخدمة النسق السياسي السائد وتأمين هيمنة المخزن وتأييد سيطرته الكاملة على المجال السياسي،

ثم أننا نرفض أن نكون خدما في خدمة السلطة بدل ممارستها لننفذ برنامجنا إذا حظي بتأييد الشعب وثقته.

ولا بد هنا من توضيحين أساسين: أولهما، إننا ضد منطق الثنائيات المتخاصمة (مشاركة – مقاطعة) وضد عقلية الانتظارية ومنهجنا في العمل هو منهج الأبواب المتفرقة حيث إننا لن نتردد في طرق وولوج كل باب نقدر أنه يطور بلادنا ويطور نظامها السياسي والاقتصادي والاجتماعي ويحمي منعتها الثقافية والحضارية ويحسن وضعية الحريات العامة وحقوق الإنسان بها أما أن يحشرنا الحكام في الزاوية لنختار بين المشاركة في عملية سياسية عبثية وفاقدة للمعنى أو العيش على الهامش السياسي فهذا لم نقبله وسنواصل جهادنا المدني العادل حماية لشعار التغيير الحق من التبديد والعبثية ولن نكون شركاء في تزييف الحقيقة والتاريخ.

أما التوضيح الثاني فهو أننا نعتقد أن تطوير العملية السياسية ببلادنا لتصبح ذات معنى ومعقولية هو عملية كفاحية تراكمية (وهذا هو التراكم الحقيقي في نظرنا) وليس مسألة منح ننتظر أن يجود بها المانحون السياسيون، وهي لن تتأتى من خلال تأجيل المطالب الصميمية تعبيرا عن حسن النوايا. إن هذه المهمة هي مسؤولية مشتركة لكل القوى والفعاليات الوطنية الصادقة والوفية لخط التغيير الحق، وهي مسؤولية تاريخية غير قابلة للتأجيل، وإن في خلاصات التجربة السياسية المغربية المعاصرة ما يعضد قولنا، فمرور عقود كاملة دون أن يحصل تطور أساسي في البناء الدستوري والسياسي هو الدليل على أن خط التعبير عن حسن النوايا ليس خطا سياسيا راشدا، وأن خط التهويل السياسي من المخاطر الداخلية أو الخارجية لا يخدم بأية حال من الأحوال خط النهضة السياسية الصحيحة ولا مصلحة بلادنا الحقيقية فضلا عما يقدمه للحاكمين من مبررات لإبقاء دار لقمان على حالها وعدم الاستجابة لمطالب الإصلاح الأساسية ويقف في مقدمتها وعلى رأسها مطلب الإصلاح الدستوري والسياسي، لا بل إن اتباع تلك الخطوط لم يلغ المقاربة الأمنية للمخزن ولم يقلل منها، وتؤكد الوقائع الراسخة أن تراجعات خطيرة قد وقعت في مجال الحقوق والحريات ومنها الحق في التظاهر السلمي. إن استمرار تدهور الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية وغيرها كنتيجة طبيعية للأزمة السياسية سيعمق اليأس لدى الشعب مما قد يدفع بعضه -لا قدر الله- لتصريف تذمره بطرق وأشكال غير مرغوب فيها لدى الجميع، هذه هي الحقيقة المرة .. فتأمل..

هذا موقفنا السياسي ومؤداه أن الشروط الدستورية والسياسية غير ناضجة ببلادنا وبالتالي لا نرى قيمة أو معنى لإجراء الانتخابات إذا لم تؤد إلى إقرار التداول الفعلي للسلطة، لأن الأمور بمقاصدها وليس الهدف من إجراء الانتخابات هو الانتخابات حتى يقال إن المغرب ينظم انتخابات تفرز مؤسسات دون الوقوف عند حقيقة التعددية السياسية الموجودة ومن يستفيد منها وحقيقة تلك الانتخابات وحقيقة تلك المؤسسات التي تنبثق عنها.

لقد قضى المغرب عقودا في العبثية السياسية وهو بحاجة إلى بداية سياسية واحدة صحيحة بدل بدايات كثيرة ومغشوشة. إن الغرب حين حسم إشكالية السلطة تمكن من التوجه لمعالجة مختلف القضايا الأخرى كالبيئة والتنمية الاقتصادية والاجتماعية وغيرها بصرف النظر عن موقفنا من مضامين المقاربة الغربية لهذه القضايا.

وفي الأخير، وفيما يخص سلوكنا السياسي العملي تجاه الانتخابات التشريعية المقبلة، فلدينا مؤسسة مركزية هي مجلس الشورى الذي سيجتمع في الوقت المناسب بحول الله لاتخاذ ما يراه مناسبا فيما يتعلق بالاستحقاقات الانتخابية المقبلة في ضوء ضوابط موقفنا السياسي وفي ضوء المستجدات التي يمكن أن تعرفها بلادنا. أما عن أعضاء الحركة من أجل الأمة، فهم منضبطون وسيلتزمون بما سيقرره مجلس الشورى.