نشرت جريدة التجديد(عدد13-14 أبريل 2002) مقالا نقديا للسيد مصطفى الخلفي تناول فيه الوثيقة التي صدرت عن الدورة الرابعة للمجلس القطري للدائرة السياسية لجماعة العدل والإحسان(أبريل 2001) في شأن موضوع المشاركة في الانتخابات، والتي نشر موقع(aljamaa.net) الإلكتروني أهمَّ ما جاء فيها في ثلاث حلقات ضمن مواد ملف (الانتخابات المغربية في الميزان).

وقد كان نقد السيد الخلفي، في رأيي، غارقا إلى حد كبير في التحيز إلى اختيارات حركة “الإصلاح والتجديد” ومواقفها قبل الإعلان، في يونيو 1996، عن التحاق بعض رموزها بحزب الدكتور عبد الكريم الخطيب، الحركة الشعبية الدستورية الديموقراطية، الذي أصبح اسمه “حزب العدالة والتنمية”، و قبل ميلاد حركة التوحيد والإصلاح في غشت 1996.

لقد انبنى هذا النقد على بعض المغالطات مما جعله، في معظم فقراته، نقدا خارجا عن الموضوع، إذ كان ينبغي على الناقد أن يقتصر على مضمون الوثيقة/الموقف السياسي وألا يقحم الخلفيات والأحكام المسبقة التي يحملها في حق جماعة العدل والإحسان مصدرِ الوثيقة. وفيما يلي شيء من النقاش والبيان تتخلله تصحيحات وانتقادات.

1- الوثيقة ليست ردّا على حركة التوحيد والإصلاح

لعل السيد مصطفى الخلفي، حينما شرع في نقد “الوثيقة”، كان يتصور أنها، في جوهرها، ردّ على موقف حركة التوحيد والإصلاح التي اختارت المشاركة في الانتخابات، لأنا نجده في مقالته وحجاجه لا يفتأ يحيل-أكثر من 20 إحالة- على بعض أدبيات هذه الحركة وبعض كتابات رموزها، كالأستاذين محمد يتيم وسعد الدين العثماني، بل وجدناه يعلق على ما ورد في الوثيقة المنقودة من كلام حول المبررات الشرعية التي يسوقها القائلون بالمشاركة وينتقده استنادا إلى نصوص وكتابات لا ذكر لها في الوثيقة، وكأن هذه النصوص والكتابات هي المعيار الأوحد الذي به يتبين صحيحُ المواقف والقرارات والوثائق من فاسدها، وأنها المرجع المعدَّلُ الذي لا يرتقي إليه شك ولا يحيط به نقصان. وكان الأولى، في رأيي، أن تُسلك مقالةُ السيد الخلفي في الكتابات التي تعرض موقف حركة التوحيد والإصلاح وتدافع عن رأيها وتحتج لاختياراتها واجتهاداتها بدل اعتبارها نقدا لوثيقة العدل والإحسان.

نعم، هناك الكثير مما يمكن قوله في تجربة مشاركة الإسلاميين نقدا وتقويما، لكن ليس ههنا مقام ذلك، وأتمنى أن يحصل في مناسبة قريبة إن شاء الله.

إن النظر إلى “الوثيقة” على أنها “النقيض” المقابل لموقف حركة التوحيد والإصلاح ضيّقَ على الناقد مسالك الكلام وفرضَ عليه، منذ البداية-أراد ذلك أو لم يرد، شعر به أو لم يشعر- أن يتصور المسألة على أنها صراع بين اختيارين مجسدين، بالضرورة، في جماعة العدل والإحسان وحركة التوحيد الإصلاح.

والحقيقة أن وثيقة الدائرة السياسية حينما طرحت مسألة المشاركة في الانتخابات كانت تقصد المبدأ وما يتعلق به من أفكار وتصورات واجتهادات، ولم تقصد قط موقف حركة أو حزب أو هيئة بعينها. نعم، قد يصدق الأمر على حركة التوحيد والإصلاح، لكن بما هي مثال من أمثلة متعددة. ثم إن حركة التوحيد والإصلاح، وقبلها حركة الإصلاح والتجديد، لم يكن لهما أصالة واجتهاد خاص وفريد في الموقف الذي اختاروه، بل هم مسبوقون فيه، لذلك نجد أن معظم الحجج والتفسيرات التي يسوقونها لتبرير اختيارهم يغلب عليها النقل عن الآخرين واستنساخ مواقف واجتهادات وفتاوى سبقهم بها علماء ومفكرون. ويحضرني هنا مثالان أرى أنهما كافيان لتوضيح المقصود:

ففي أجواء الاستعدادات لانتخابات 1997، وسعيا وراء إيجاد سند “شرعي/فقهي” لتبرير المشاركة في هذه الانتخابات، تبنت حركة التوحيد والإصلاح دراسةً للدكتور صلاح الصاوي بعنوان “مدارسة حول العمل السياسي من منظور شرعي”، وقامت بطبعها في المغرب ضمن “رسائل الصحوة” بتقديم الأستاذ مصطفى الرميد، وروجت لها على نطاق واسع، وخاصة في أوساط الإسلاميين. وفي نفس السياق، وللغاية نفسها، عمد د.سعد الدين العثماني إلى جمع بعض فتاوي الإمام ابن تيمية واجتهاداته وقام بطبعها، ضمن منشورات الفرقان، في العدد29 من سلسلة الحوار، تحت عنوان “المشاركة السياسية في فقه شيخ الإسلام ابن تيمية.

فأين هو فقه الواقع المغربي في هذين الكتابين؟ أين هي خصوصيات النظام السياسي المغربي الجبري في نصوص واجتهادات وفتاوى وآراء ستظل دائما محكومة بظروف تاريخية ومعطيات سياسية خاصة، فضلا عن أحوال الرجال وتباين مستوياتهم في النظر إلى الواقع وفهمه وتفسيره وفقهه؟ أين هي الأصالة في هذا الفقه النقلي الاستنساخي؟

نعم، أن تُطلبَ تلك الآراء والاجتهادات للاستئناس والتأمل وأخذ العبرة والاستفادة من علم الرجال فذلك شيء جميل ومطلب محبوب. أما أن تصبح بمثابة الأصل الذي إليه المرجع وعليه القياس، وأن تحتل مكانة المقدّس الذي لا يرقى إليه شك أو نقصان، فذلك هو المزلق المحذور والفعل المردود.

وفي رأيي أن التبنيَ “الحرفي” لآراء اجتهادية “أجنبية” وإقحامَها في معركة تخص الواقع المغربي هو أقرب إلى تبرير العجز والهروبِ من المواجهة منه إلى تأصيل المواقف وفقه الواقع المعيش.

فلماذا إذن لم يتم التعامل مع الوثيقة على أنها تعالج اختيارا من حيث المبدأ وليس من حيث تبناه هذا الرجل أو ذاك، ورجّحته هذه الهيئة أو تلك؟

2- الوثيقة موقف سياسي وليست مدوّنّة علمية

وثيقة الدائرة السياسية لجماعة العدل والإحسان عبرت عن موقف سياسي صادر عن مجلس بعد مداولات ومناقشات، ولم يقدمها أحد من مسؤولي الجماعة بأنها “وثيقة علمية”. بعبارة أخرى، الوثيقة سجلت موقفا في قضية محددة، وهي الانتخابات، وهذا الموقف المسجل ليس، بالضرورة، هو الموقفَ الوحيد والنهائي للجماعة، مع أن هذه الجماعة، حسب تقديراتها ونظرها وفهمها وتفسيرها لمختلف معطيات الواقع الراهن، وحسب ما ترجّح لديها بعد مناقشات ومشاورات، ترى أن ما قرّرته واختارته في ظروفنا السياسية الحالية هو الموقف الأصلح والأحسن والأصوب.

هذا، وليس لأحد- مهما كان علمه وفهمه- أن يفرض على الناس الطريق التي ينبغي سلوكها للنظر إلى واقعهم وتقدير معطياته ومعالجة متغيراته، وخاصة في مسألةٍ الأصلُ فيها تعددُ الآراء وتباينُ الاختيارات والاجتهادات، وبصفة أخص في واقع كالواقع المغربي حيث الجبرُ والعقلية المخزنية الاستبدادية، هي المتحكمة، منذ قرون، في دواليب الدولة وأمور الناس.

وأرى أن من التعالم والادعاء الذي لا سند له اتهامَ الوثيقة بـِ”التدليس العلمي”، لسبب بسيط هو أن المجلس الذي تداول في شأن مضمون هذه الوثيقة إنما كان يتحرى الخروج بموقف “سياسي” في قضية “سياسية”، ولم يكن همّه- وخاصة وأن زمن المناقشات والتشاور محدود- أن يتحرى في النصوص والوثائق والتصريحات، ولا أن يحقق في المواقف والاجتهادات، فضلا أن يزعم لنفسه أنه يستطيع الحسم في التأصيل الشرعي للقضية المطروحة للنقاش.

أما الناقد السيد الخلفي، فقد أعطى لنفسه كل الحقوق ونصب نفسه في مكانة العالم الخبير بشؤون التأصيل، الذي يميز الموقف الشرعي من غير الشرعي؛ سلّمت لك يا سيدي، فماذا تقول في رجال “أيدوا” بيعة وقّع على عقدها، من بين الموقعين، يهودي لا يدين بدين الإسلام؟ وماذا تقول في رجال بايعوا على بياض، أي من غير أن يطلعوا على مضمون عقد البيعة؟ …إلى آخر الأمثلة. هل الأمر إيمان وأركان وشرع وأحكام قطعية أم إنها الحرب والسياسة والمصانعة والمكايدة؟

إن مما يُحسب لوثيقة الدائرة السياسية لجماعة العدل والإحسان هو أنها عبرت في تواضع ووضوح عن اختيار، من بين اختيارات، في شأن قضية سياسية تتعدد فيها الآراء والاختيارات، بالضرورة، كما هو الشأن في جميع القضايا السياسية- عبّرت في تواضع محترمةً في الوقت نفسه الاختيارَ المخالف وإن كانت ترفض أطروحاته وتنتقد مبرراته، ولم تتعالمْ ولم تدّع الإحاطة والحسمَ والمعرفة وامتلاك الفهم المطلق، ولم تتهم زيدا أو عمرا من الناس في نيته، ولم تزعم أنها تعبر عن “الحقيقة الشرعية”، التي لا حقيقة بعدها، بل قدمت نفسها على أنها اختيار واجتهاد وموقف مظروف بظروف ومحكوم بمتغيرات، وعرضت، في غير تعصب ولا تقعّر، موقفا ورأيا، وفق الطريقة التي تُعرض بها آراء الرجال ومواقفهم، التي تبقى دائما قابلة للنقد والمراجعة.

وإذا كانت هذه الوثيقة تعبير عن موقف واختيار، فإنها، كسائر أمثالها من الوثائق، لا يمكن أن تكون محيطة بكل شيء، راصدةً لمختلِف الجزئيات، شاملةً لكل التفصيلات. بل من غير المعقول أن يدعيَ المرء أن وثيقة سياسية من بضع صفحات صادرةً عن هيئة شورية يمكن أن يكون فيها تفصيلُ كل شيء. بل إن المتعارف عليه، في الوثائق، وخاصة الوثائق المتعلقة بقرارات في قضايا محددة أسفر عنها نقاش جماعي امتاز بتعدد الآراء واختلاف زوايا النظر وتباين الاقتراحات، أن تكون معبرة عن الرأي العام والتوجه الغالب الذي ساد أثناء إنضاج القرار. وطبيعي بعد ذلك أن يفوت الوثيقةَ أن تسجل بعض التدقيقات وأن تقف عند بعض الإضافات، لأنها، بطبيعتها وفي جوهرها، تروم الإجمال وليس التفصيل، ولهذا لايستبعد- بل هذا حاصل بالفعل- أن يكون أول من له ملاحظات على الوثيقة، في صيغتها النهائية، هم أولئك الذين شاركوا في بلورة مضمونها وتوليد أفكارها، أي أعضاء المجلس القطري للدائرة السياسية.

أما من أراد التفصيل، فعليه بمنشورات الجماعة، وهي كثيرة، وعليه كذلك بتصريحات مسؤوليها القياديين، وعليه بأنشطتها الثقافية والحوارية، المركزية والمحلية، وعليه، قبل هذا وذاك، بمجالسة رجالها ونسائها والاستماع إليهم.

3- كتابات الأستاذ عبد السلام ياسين كلّ لا يتجزأ

ومن النقد الموجه لمضمون الوثيقة والمرتبط بالنقطة السابقة اعتبارُ ما جاء في الوثيقة غير منسجم مع “الفكر السياسي لمرشد الجماعة تجاه المسألة الانتخابية”. كيف ذلك؟

يجيب الناقد بإيراد كلام للأستاذ عبد السلام ياسين من كتاب “المنهاج النبوي تربية وتنظيما وزحفا”، يفيد بأن الإسلاميين يمكنهم استغلال الفجوات الديمقراطية التي تتاح في ظل الأنظمة الجبرية، التي تُلجئها ضرورة البحث عن مشروعية ما إلى فتح باب الحريات العامة، وذلك لغرض إسماع صوت الدعوة ومقارعة الحجة بالحجة وتبليغ رسالة الإسلام “من منابر البرلمان والتجمعات والمناصب الانتخابية”.

وهاهنا سؤال يفرض نفسه: ألم يتعرض الأستاذ ياسين لموضوع الانتخابات إلا في هذا الكتاب الذي نضجت أفكاره في السبعينات ونُشرت فصوله في مطلع الثمانينات؟ ألم يتعرض الأستاذ ياسين لهذا الموضوع في مواضع أخرى من كتبه التي بلغت، إلى يومنا هذا، حوالي 30 عنوانا، مع العلم أن قلم الأستاذ ما يزال نشيطا، وما تزال بعض كتاباته تنتظر دورها لتطبع وتنشر؟

فإما أن السيد الخلفي لم يطّلع على جميع كتابات مرشد جماعة العدل والإحسان، وبالتالي فحكمه ههنا حكم غير موضوعي، لأنه يستند إلى معطيات ناقصة، وإما أنه اطلع، بالفعل، على كل هذه الكتابات، لكنه، في الاحتجاج والاستدلال، اختار منها ما يوافق مقصوده ويزكي رأيه وسكت عما لا يوافق ولا يزكي، وهذا سلوك يَشِين الباحث الناقد ويجعل استنتاجات بحثه ومرتكزات نقده مردودة ومنقوضة بتهمة التحيز والاعتماد على الأحكام المسبقة.

إن كتابات الأستاذ عبد السلام ياسين، في النظرية، كل لا يتجزأ، واعتماد بعضها واستبعادُ البعض الآخر هو عندي مطعنٌ في المنهجية مَعِيبٌ كان ينبغي تجنبه. فالأستاذ ياسين الذي قال، في نهاية السبعينات، ما ساقه السيد مصطفى الخلفي حجةً لتقوية رأيه هو نفسه الذي قال في كتاب “الإسلام والحداثة”- نُشر بالفرنسية سنة 1998: “لقد امتدحنا من قبل الصناديق وأحكامها ما دامت تنطق بحقيقة الاقتراع العام وتمثل جزءا من عملية شفافة أمينة يسهر عليها حكم نزيه غير ذي مطمع”(الإسلام والحداثة، ص341). وهو الذي قال في الفقرة نفسها من هذا الكتاب: “اليوم، تحاول الأنظمة المطلقة التي يمسك بأزمتها في بلدنا لائكيون تتفاوت درجات عداوتهم للإسلام أن ترتدي الأقنعة الديمقراطية. فتارة تُـفرّخ أحزاب سياسية فورية، ذات شعبية معجزة سريعة الذوبان، وتارة يُقسّم الحزبُ الوحيد إلى تشكيلات صغرى توهم بوجود التعددية(عنوان الديمقراطية), وتارة أخرى تُنظّم انتخابات يُنتج فيها التزوير وجميع أنواع التلاعبات غرفا برلمانية مطبوخة سلفا. وللظهور بمظهر الديمقراطية، لا يتردد هذا النظام أو ذاك في تفصيل دساتير مقيسة يُصوّت لها بنسبة100%، أو في “إعادة انتخاب” الرئيس بنسبة 99,99% قبل أن ينتخب رئيسا مدى الحياة.

“إننا، بدلا من هذه الديمقراطية المخرفة، هذه الواجهة المزينة التي تستر مزبلة عفنة، نطمح إلى تطبيق شورى حقيقية تعصمنا أصالتها وتقوى القائمين عليها من الغش، وتحمينا من التشوهات التي يمكن أن تحدثها مسطرة لم تحسن التكيف مع روحنا”.(نفسه، ص340).

والأستاذ ياسين الذي تحدث في “المنهاج النبوي” عن التسرب اللطيف هو نفسه القائل في كتاب العدل(ظهرت طبعته الأولى سنة2000): “…وينبري الإسلاميون حاملو شعار “البديل السياسي” ليدخلوا مع الناس في دوامة التناوب على الحكم صعودا وهبوطا، تناديهم أصوات انتخابية ملّت من عديلهم اللاييكي الدنيوي، لتلفظهم وتستبدل بهم قوما آخرين بعد تجربة لن يألُوَ الناصبون والنّصّابون جهدا في إفشالها. وتلك فرصة سرابية ما كان لمتعطش فاضل أن ينتظر منها حسْوا لظمأته أو غَرْفة لريّ الشعوب المالّةِ القاحِِلِ ساحُها من عدْل ونماء وخير تعد به الديمقراطيات المُولّدَة ولا تَفِي”.(كتاب “العدل”، ص671)

وهو القائل باللفظ الصريح: “ليكن واضحا أننا لا نلتمس مهربا من ساحة المواجهة أو توازنا تقبله القوى العالمية والمحلية المعادية للإسلام. كلا، ولسنا نرمي لترميم صدع الأنظمة المنهارة معنويا، المنتظرة ساعتها ليجرفها الطوفان جزاءً بما كسبت أيدي الناس. يندكّ ما كان يظنه الناس الغافلون عن الله الجاهلون بسنته في القرى الظالم أهلُها حصونا منيعة وقلاعا حصينة، وتندثر وتغرق. ولما بعد الطوفان، ولخواء ما بعد الطوفان، وخيبة ما بعد الطوفان نكتب”.(نفسه، ص681)

هذه أمثلة- وغيرها في كتب ذ.عبد السلام ياسين كثير- اخترتها على عجل، تبين أنه ينبغي النظر إلى كتابات الأستاذ ياسين في كليتها، كما ينبغي قراءة كلام الرجل في سياقه الحقيقي، سياق الظرف الزمني، وسياق حقيقة النظام السياسي السائد، وسياق مستوى الوعي العام ومستوى نضج العامل الذاتي.

هذا من جهة، ومن جهة أخرى من يستطيع أن يثبت لنا ويجزم أن أفكار الرجل ونظرته إلى الواقع المتغير وتأملاته في الأحداث المتسارعة لم يطرأ عليها أي تغيير وأنها ما تزال إلى يومنا هذا في نفس الحجم وعلى نفس المستوى الذي كانت عليه في السبعينات زمن كتابة “المنهاج النبوي”؟ لا أحد يستطيع أن يثبت لنا هذا. بل كتابات الأستاذ عبد السلام ياسين الأخيرة تثبت أن الرجل كان دائم الاعتبار بمتغيرات الواقع، مداوما على القراءة في كتاب العالم المفتوح، مستفيدا من سنن الله تعالى الكامنة وراء الأحداث وتدافع الناس والأمم والحضارات. فأين هو العيب في أن تتغير فكرة أو تتطور نظرة أو يلحقها تعديل بزيادة أو نقص في منظومة فكرية تربوية دعوية عاشت أكثر من ثلاثين سنة، وما تزال غضّة تَعِدُ بالحياة والنماء؟

وأسأل سؤالا آخر: لماذا يطلب بعض الناس أن تكون جميعُ قرارات مؤسسات جماعة العدل والإحسان موافقة موافقةً حرفية لما هو مدوّن في كتابات الأستاذ المرشد؟ وأين فائدة النقاش وثمرة الرأي وبركات الشورى الملزمة، إذا كان على جميع المجالس أن تهتدي حرفيا بكتابات المرشد؟ وكيف يمكن الاهتداء بها وهي كتابات تنظّر لما بعد الطوفان، وترسم آفاق الدعوة والدولة في المدى البعيد؟

إن كتابات الأستاذ عبد السلام ياسين تهتم بالكليات، بالأصول والمبادئ، بالمقاصد البعيدة، وهي بذلك تشبه المعالم الكبرى التي ترسم الطريق، والسائرون، بعد ذلك، أحرار في تدبّر أمر المعالم الصغرى وكذلك أمر العوائق والحواجز والمنعرجات والمنحدرات والمرتفعات. هذا تشبيه، والتشبيه غايته دائما أن يقّرب من معرفة الحقيقة، لكنه لا يستطيع أن يعبر عن جوهرها.

إن كتابات الأستاذ عبد السلام ياسين ليست مدوّنة لمواقف الجماعة وقراراتها واجتهاداتها في معالجة الأحداث الطارئة والمتغيرات المستجدة، وإنما الطوارئ والمستجدات لمجالس الرأي والشورى، تبُتُّ فيها وتقرر بعد التداول والنقاش، يا من لقّنوهم، كذبا وزورا، أن جماعة العدل والإحسان هي عبارة عن شيخ “كاريزماتي” يمسك بزمام كل شيء، وما من صغيرة ولا كبيرة في الجماعة إلا وهو صاحبها، الآمرُ بها أو الناهي عنها، لا يستطيع أحد أن يفعل شيئا، أن يقرر أو أن يبادر أو أن يجتهد أو أن يقترح، إلا بإذنه وموافقته. ويصّدق بعضُ الناس هذه الأوهام والأراجيف ويرتاح إليها ولا يكلف نفسه عبء طرح السؤال التالي: كيف يمكن لجماعة لها كل هذا الصيت والثقل السياسي والاجتماعي أن تسير بهذا الأسلوب؟ ولا حول ولا قوة إلا بالله.

4- المغالطة الكبرى

الوثيقة تحدثت عن اختيار عدم المشاركة بالنظر إلى الآليات المتحكمة في النظام السياسي العام، وفي النظام الانتخابي بصفة خاصة، ذلك أن الفائز في الانتخابات، فردا كان أو جماعة- على فرض أن هذه الانتخابات لم تَشُبها أيةُ شائبة من غش أو تزوير- لا يملك سلطة القرار والتنفيذ وإنما هو، في أحسن الأحوال، عون مشارك في تنفيذ مخططات القصر وتعليماته وتوجيهاته.

قلت الوثيقة تحدثت عن عدم المشاركة من حيث بنية النظام السياسي والانتخابي الذي يفرغ الانتخابات من مضمونها الديمقراطي الإيجابي، ويحيلها أشكالا ومظاهر تزيينية، لا أقل ولا أكثر.

أما في الواقع، فإن الإسلاميين، بكل فئاتهم، ممنوعون من المشاركة وإن كانوا هم راغبين فيها. ومن هنا المغالطة الكبرى في مقالة السيد مصطفى الخلفي.

فالناقد بنى مقالته على فكرة هي عنده من المسلّمات- والواقع أنها ليست كذلك- إذ يعتبر أن المشاركة في الانتخابات هي حقّ مكفول ومحفوظ للإسلاميين، كما هو مكفول لغيرهم من مكونات المشهد السياسي المغربي، لا ينكره عليهم أحد، وأن أمر ممارسة هذا الحق أو عدم ممارسته إنما مرجعه إلى هؤلاء الإسلاميين وحدهم.

وهذه مسلّمة مغلوطة لأن المعروف المُسلّمَ به عند الجميع هو أن الإسلاميين ممنوعون من ممارسة هذا الحق بتعليمات جبرية ظالمة لا علاقة لها بالقانون. وقد استمعنا أكثر من مرة، في وسائل الإعلام العمومي، لمسؤولين كبار في الدولة، وعلى الأخص وزراء الداخلية، يؤكدون أنه لا يمكن في المغرب السماحُ بتأسيس حزب إسلامي، والسبب، في منطقهم الاستبدادي الفاسد، هو أن المغاربة جميعا مسلمون، وأن عندنا أمير المؤمنين، وأن الفصل كذا من الدستور، والفصل كذا من قانون الحريات العامة يمنع وجود مثل هذه الأحزاب، إلى غير ذلك من التفسيرات الضعيفة والسخيفة التي تسوقها الدولة المخزنية لتبرير إقصائها للإسلاميين وسلبها حقوقَهم المشروعة في التعبير والتنظيم وممارسة العمل السياسي.

أما إذا كان السيد الخلفي يقصد بمشاركة الإسلاميين في الانتخابات حزب العدالة والتنمية، فتلك مغالطة أخرى، لأن صفة “إسلامي” لن تثبت لهذا الحزب بمجرد أن فلانا من الحركة الإسلامية صرّح في يوم من الأيام بأنه اكتشف أن الدكتور عبد الكريم الخطيب قد سبقه إلى العمل الإسلامي بعشرين سنة. وأيضا لن تثبت هذه الصفة بمجرد أن بعض رموز الحركة الإسلامية أصبحوا أعضاء قياديين في هذا الحزب.

نحن هنا لا نقصد التنقيص من الأشخاص، وإنما نقصد تبيان أن حزب الدكتور الخطيب لم يكن في يوم من الأيام حزبا إسلاميا، حسب المفهوم الاصطلاحي الحديث لصفة “إسلامي”، وإنما أُلصقت به هذه الصفة إلصاقا، وخاصة بعد التحاق بعض أعضاء حركة “الإصلاح والتجديد” به في يونيو من سنة 1996، ثم احتلال مسؤولين بارزين في حركة التوحيد والإصلاح مناصب قيادية في أجهزته. ولا ننسى الدور الذي لعبته وسائل الإعلام للترويج لهذه ا