مع قرب تنظيم انتخابات شتنبر 2002، وفي محاولة للتكهن بطبيعة الرابطة السياسية التي ستفرزها، بدأ الحديث عن الموقع الذي سيحتله الإسلاميون فيها وعن الدور الذي يمكن أن يلعبوه للتأثير في مسارها. إننا نجد أنفسنا أمام أطروحتين: الأولى تنبه إلى مخاطر الاكتساح الإسلامي وهي أطروحة تشيعها بعض التيارات المناهضة للإسلاميين، والثانية تشدد على ضرورة المشاركة المحدودة، مراعاة للتوازنات القائمة، وهي أطروحة يروج لها بعض الإسلاميين العاملين في “حزب العدالة التنمية”. إن الأطروحتين معا في نظرنا لا تعبران عن واقع “موضوعي” لكونهما محكومتين بخلفيات وحسابات سياسية “مسبقة” تريد القفز على الواقع أو إخفاء الحجم السياسي لتيار الإسلام “البرلماني” الذي تمثله رموز حركة التوحيد والإصلاح.

إن محاولة فهم موقع الإسلاميين في الخريطة الانتخابية المقبلة ينبغي أن تنطلق من ضرورة التمييز بين ثلاثة مستويات: مستوى الإطار ومستوى آليات المشاركة السياسية ومستوى الأهداف.

الإطار: ضرورة التمييز بين “الإسلاميين” وحزب العدالة والتنمية.

لماذا تصر بعض الأطراف، سواء كانت معادية للإسلاميين أو من داخل حركة التوحيد والإصلاح، على ترسيخ فكرة تماهي الإسلاميين مع حزب العدالة والتنمية عندما يتعلق الأمر بالانتخابات؟ هذا الإصرار الذي يتجلى عندما يتم اعتبار حزب العدالة والتنمية حزبا إسلاميا؟ مع أن الكل يعلم أن السلطة السياسية ترفض بشكل مطلق الترخيص للأحزاب الدينية لاعتبارات قانونية وسياسية. فحزب العدالة والتنمية حزب سياسي كباقي الأحزاب السياسية المغربية، وتشديد خطاباته على مسألة الهوية الإسلامية سبقه إليه حزب الاستقلال، إن الذين يروجون لخطاب التماهي بين حركة التوحيد والإصلاح وحزب العدالة والتنمية يتناسون حقيقتين أساسيتين: الأولى أن أعضاء من حركة التوحيد والإصلاح لم يلتحقوا إلا بشكل جزئي بالحزب، والثانية أن الدكتور الخطيب عندما وافق على التحاق أعضاء الحركة اشترط أن يلتحقوا بحزبه كأفراد وليس كتنظيم وهو ما صادقت عليه اللجنة الوطنية لحركة الإصلاح والتجديد بتاريخ 21 يونيو 1992.

إذن، ونحن نتحدث في مسألة الإطار، لا ينبغي أن نخلط بين الإسلاميين وحزب العدالة والتنمية أو حتى بين حركة التوحيد والإصلاح وهذا الحزب، فعندما نتحدث عن الإسلاميين والانتخابات، فإننا نقصد أساسا التنظيمات الممثلة للتيار الإسلامي وهي “جماعة العدل والإحسان” و”حركة التوحيد والإصلاح” و”حركة البديل الحضاري” و”الحركة من أجل الأمة”.

لا يمكن أن يترشح إسلاميون باسم هذه الجماعات الإسلامية، مادام هناك قرارا سياسيا أريد له أن يكتسي صبغة القانون منذ خطاب الملك الحسن الثاني بتاريخ 20 غشت 1984 وكرسه التحكيم الملكي في شهر دجنبر 1997 والذي لم يسمح بالترشيح للانتخابات التشريعية سواء كانت مباشرة أو غير مباشرة إلا للمنتمين إلى الأحزاب السياسية المعترف بها، وهذا يحيلنا على المستوى الثاني المتعلق، بآليات المشاركة السياسية.

آليات المشاركة السياسية: ثلاثة خيارات

وجد الإسلاميون أنفسهم يسعون إلى المشاركة السياسية، والتي يتم ربطها في الخطاب الرسمي بالمشاركة في الانتخابات أمام ثلاثة خيارات:

– الخيار الأول: هو تأسيس حزب سياسي مستقل تمام الاستقلال عن الحركة الدعوية. إنه الخيار الذي حاولت “حركة الإصلاح والتجديد” تجسيده بتاريخ 4 مايو 1992 عندما قام مسؤولو الحركة بإيداع ملف تأسيس حزب سياسي لدى السلطات المختصة باسم: “حزب التجديد الوطني” واعتبروا أن هذا الحزب ليس حزبا لحركة الإصلاح والتجديد وإنما هو حزب لكل المواطنين بغض النظر عن انتماءاتهم الحركية الإسلامية وحتى الدينية ما داموا يلتزمون باختيارات الحزب وأنظمته، ورغم أن “حزب التجديد الوطني” أراد لنفسه أن يكون حزبا “سياسيا”، وليس حزبا “إسلاميا”، فالسلطات المختصة لم تسمح بتأسيسه.

– الخيار الثاني: هو العمل من خلال حزب سياسي قائم، هذا الخيار جربته حركة “الإصلاح والتجديد”، فبعد رفض الترخيص لها بتأسيس “حزب التجديد الوطني”، بادرت إلى الاتصال بعبد الكريم الخطيب ليسمح لها بالعمل من خلال حزبه: الحركة الشعبية الدستورية الديمقراطية والذي قبل ذلك شريطة أن يلتحق أعضاء الحركة بحزبه كأفراد وليس كتنظيم، وهو الخيار نفسه الذي ظل قائما بعد توحيد حركة الإصلاح والتجديد ورابطة المستقبل الإسلامي لتشكلا تنظيما جديدا: حركة التوحيد والإصلاح سنة 1996.

– الخيار الثالث: تأسيس حزب سياسي مرتبط وظيفيا بالتنظيم الإسلامي. إن جماعة العدل والإحسان تحاول تجسيد هذا الخيار، فهذه الجماعة رفضت انتهاج الخيارين السابقين: رفضت خيار تأسيس حزب سياسي مستقل عن التنظيم الإسلامي، لأن مثل هذا الخيار يسقط في نوع من “العلمانية” المرفوضة، فتأسيس حزب يختص بالسياسة وجماعة تختص بالدين لا روابط تنظيمية بينهما هو في آخر المطاف إعادة إنتاج للتصورات “العلمانية” القاضية بفصل “الدين” عن “السياسة”، ورفضت خيار العمل من خلال حزب سياسي قائم خاصة بشرط الالتحاق به كأفراد وليس كتنظيم من شأنه أن يفرغ التنظيم الإسلامي من جوهره ويفقده بالتالي هويته، ما دام أن العمل سيتم وفق ضوابط الحزب وليس ضوابط الجماعة. إن مساوئ الخيارين السابقين دفعت جماعة العدل والإحسان إلى بلورة خيار ثالث: تأسيس حزب سياسي مرتبط وظيفيا بالتنظيم الإسلامي، فالهيكلة التنظيمية حاليا للجماعة استحضرت هذا البعد. فباعتبار جماعة العدل والإحسان جماعة دعوة شاملة للدين والسياسة، حاولت أن تميز بينهما لاعتبارات وظيفية، فهناك مجال الدين الذي تشرف عليه مجالس النصيحة، وهناك مجال السياسة الذي تختص به “الدائرة السياسية”، والمجالان معا ينضبطان بضوابط الجماعة، إن “الدائرة السياسية” التي أسست في يوليوز 1998 بمراكش وأعلن عنها رسميا في يونيو 2000 بالدار البيضاء هي مشروع حزب سياسي يأمل مسؤولو جماعة العدل والإحسان أن يعترف به كمخرج لمأزق عدم الاعتراف بالجماعة. إن اختلاف الخيارات المعتمدة يحيلنا على مستوى الأهداف.

الأهداف: التكتيك الانتخابوي والاستراتيجيا الانتخابية

التكتيك الانتخابوي هو وسيلة للوصول إلى السلطة السياسية بهدف تغيير النظام “الاجتماعي” القائم بشكل جذري، إنه يسعى إلى إقامة الدولة الإسلامية من خلال الاستفادة من آليات وجدت أًصلا لتكريس وجود السلطة “العلمانية”، وتقدم تجربة “الجبهة الإسلامية للإنقاذ” في الجزائر نموذجا معبرا عن التكتيك الانتخابوي.

إن الحركات الجماهيرية التي تنشد التغيير الشامل لا تلجأ إلى التكتيك الانتخابوي إلا استثناء عندما يكون هو أقصر الطرق المؤدية إلى التغيير، أما التنظيمات التي تعتمد الاستراتيجيا “الانتخابية” فهي تسعى دوما إلى الإبقاء على جوهر النظام القائم مع المطالبة ببعض الإصلاحات “الشكلية”.

يبدأ التمييز بين التكتيك “الانتخابوي” والاستراتيجيا “الانتخابية” بالتشديد على كون “الانتخاب” كإجراء يتم من خلاله الاحتكام إلى الشعب لإقرار خيارات معينة لا ينظر إليه من زاوية واحدة، فموقع الناظر هو الذي يحدد طبيعة نظريته: هل هو تكتيك أم استراتيجيا؟

هناك مجموعة من الخصائص يتميز بها سلوك الفاعل السياسي الذي يعتمد التكتيك “الانتخابوي”، فهو لا يؤمن بمشروعية السلطة القائمة دينيا وسياسيا ولا يؤمن بالنظام القانوني المعتمد ويطرح نفسه كسلطة بديلة ذات مشروع مجتمعي بديل، فاعل سياسي كهذا قد يؤمن بصناديق الاقتراع كتكتيك عندما تكون موازين القوى القائمة لصالحه، فهو لا يشارك في الانتخابات لتزكية السلطة القائمة بل للعمل على إقصائها، إن التكتيك “الانتخابوي” يمكن اعتباره في هذه الحالة بمثابة ثورة “باردة”، إنها حالة نادرة كادت تتحقق في الجزائر من خلال “الجبهة الإسلامية للإنقاذ” والتي أجهضت بفعل انقلاب “الديمقراطيين” عليها.

أما سلوك الفاعل السياسي الذي يعتمد الاستراتيجيا الانتخابية فيتميز بكونه يقر بمشروعية السلطة القائمة دينيا وسياسيا ويعمل في إطار النظام القانوني السائد ويسعى إلى المشاركة في تدبير الشأن العام، إنه فاعل يعمل من داخل النظام وليس من خارجه، وبالتالي، فالانتخاب يغدو لديه بمثابة “آلية” لإضفاء المشروعية على النظام الاجتماعي القائم.

إن المستويات الثلاثة المشار إليها سابقا:مستوى الإطار ومستوى آليات المشاركة السياسية ومستوى الأهداف تساعدنا إلى حد ما على التعرف على طبيعة الخريطة “البرلمانية” التي ستفرزها انتخابات 2002، وهنا عندي ملاحظتان:

أولا- إن أغلب الإسلاميين سيظلون محرومين من حق الترشيح باستثناء بعض إسلاميي حركة التوحيد والإصلاح عبر حزب العدالة والتنمية الذين بدأوا يكتشفون أن عبد الكريم الخطيب يراقبهم أكثر من كونهم يراقبونه، إن الشعور بالوصاية الذي يضيق هامش المناورة يدفع حاليا إلى إعادة النظر في أطروحة الحزب “الإسلامي”، وبالتالي فإن اكتشاف الضعف التنظيمي ومحدودية القدرة على الاستقطاب يبرران القول إن الذين يتحدثون عن الاكتساح الإسلامي للانتخابات المقبلة هم في الواقع مناهضون للتيار الإسلامي ويرغبون في تأجيل الانتخابات أو تبرير تزويرها، وهل المناداة بمشاركة محدودة من قبل بعض فعاليات حركة التوحيد والإصلاح، مراعاة للتوازنات، لا تخفي اكتشافا متأخرا للمأزق التنظيمي والسياسي؟

ثانيا- إن جماعة العدل والإحسان، القوة الإسلامية الأولى في المغرب، لن تدعم بأي شكل من الأشكال مرشحي حزب العدالة والتنمية من ذوي المرجعية الإسلامية أو أي مرشح حزبي آخر انطلاقا من موقف ينظر إلى العملية الانتخابية انطلاقا من مستوى أهدافها، أي التمييز بين التكتيك “الانتخابوي” و”الاستراتيجيا الانتخابية”، هذه الاستراتيجيا التي تمثلها حركة التوحيد والإصلاح عبر حزب العدالة والتنمية بامتياز.