يشهد الحقل الحركي الإسلامي بالمغرب نقاشا متواصلا حول خيار المشاركة السياسية وحدود المراهنة عليه لإنجاز مهام التغيير الاجتماعي والسياسي، وهو نقاش اكتسب زخما نوعيا مع حالة الانفتاح السياسي .المحدود التي يعرفها المغرب وكذا قرب موعد الاستحقاقات الانتخابية. وعلى الرغم من تبلور ما يشبه الإجماع، لدى فرقاء الطيف الحركي، على مبدأ المشاركة السياسية وسلوك منهج العمل السلمي وفق القواعد الديمقراطية، إلا أن الخلاف بقي محتدما في صيغ التنزيل وآليات التطبيق وسياقات الممارسة، مما أفرز تباينا في الفعل السياسي للتنظيمات الموجودة، ورغم أن هذا التباين قد يصل إلى حد الاصطدام الصراعي، إلا أن مخاطر الانزلاق نحو ذلك تبقى قائمة، وهو ما يحتم ضرورة تجسير الحوار بين الأطروحات المتداولة بما يؤدي إلى خلق نوع من التعايش الإيجابي بينها من جهة وتقليص مساحات التضاد الناجمة في جزء منها عن غياب حوار حقيقي ووجود هوة تمنع التفاعل الإيجابي بين هذه الأطروحات، وضمن هذا االإطار تأتي هذه الورقة النقدية للوثيقة التي نشرتها مؤخرا الدائرة السياسية لجماعة العدل والإحسان في موضوع “الانتخابات بالمغرب والمشاركة السياسية” والتي تضمنت حصيلة مداولات المجلس القطري للدائرة في أبريل 2001، وقد أقدمت يومية التجديد على نشرها في عددها 326 (2002/3/30).

مقدمات أولية: عناصر الاتفاق والاختلاف

تجدر الإشارة في البداية إلي بضعة مقدمات منهجية حكمت هذه الورقة النقدية وأطرت توجهها في مناقشة أطروحات الدائرة السياسية ذات العلاقة بمسألة المشاركة السياسية وهي إجمالا:

نهدف في هذا المقال إلى خلق حوار مفتوح مع الطرح المعارض للمشاركة الانتخابية في المرحلة الراهنة، ونعتقد أن الحوار هو مسألة تتجاوز النقد الجاف والبارد الذي لا هم له إلا إبطال الطرح المخالف ونقضه كليا.و الإسهام فيما تطرحه جماعة العدل و الإحسان من مسلسل حواري داخلي و مع الأطروحات الأخرى ، و هو ما يصب في المحصلة في تطور الخطاب السياسي للحركة الإسلامية و لمصلحة البلاد عموما.

وإذ تنخرط هذه الورقة في نقد الرواية المخالفة، فهذا لا يعني التبني المطلق والدفاع الشامل عن التجربة الحالية للمشاركة الانتخابية، فليست بالضرورة هي التجربة المثلى، فهي تجربة لها أخطاءها وعثراتها وحدودها يعرف ذلك الذين يخوضونها ربما آكثر من غيرهم دون أن يعني ذلك أن نبخس إنجازاتها وإيجابياتها.

إن أطروحة جماعة العدل والإحسان تضمنت عناصر اتفاق مع التجربة هي بمثابة أرضية صالحة للحوار، كالقول بمبدأ المشاركة والرفض المبدئي لأسلوب المقاطعة، وأن المشاركة تبقى وسيلة لهدف أسمى هو الدفاع عن الإسلام وخدمة مصالح المسلمين، فضلا عن مجموعة من المزالق بسطتها الورقة، فتجنب الاحتواء والتمييع في العلاقة مع السلطة السياسية والحذر من تغير الخطاب الإسلامي إلى خطاب سياسي جاف أو التنازل عن بعض مطالب الشعب، وتجنب الذوبان في العلاقة مع الأحزاب وأيضا الحذر من فقدان الطبيعة الإسلامية ومن امتصاص المؤسسات لجهود الحركة ونسيان هدف تبليغ الدعوة إلى عامة الناس، كلها عناصر كانت حاضرة عند بدء التفكير في المشاركة السياسية عند الجماعات التي كونت التوحيد والإصلاح فيما بعد منذ بداية التسعينات،ويمكن هنا الإحالة على أدبيات حركة التوحيد والإصلاح كالميثاق، والرؤية السياسية (وخصوصا المحور الرابع منها والمتعلق والمعنون بـ”نظرتنا للإصلاح: الأسس والمواقف”، نشر بالتجديد عدد 93 ، 2000/8/16) وأيضا سلسلة الكتابات الصادرة عن قيادات الحركة في الموضوع للوقوف على عناصر الاتفاق هاته.

إن التشخيص المقدم لواقع الانتخابات في المغرب هو في شق كبير منه لا خلاف حوله، مع الإشارة إلى أن بعض المعطيات الواردة فيه أصبحت متجاوزة بفعل التطورات الحاصلة في مجال الإصلاح الانتخابي من مثل حديثها عن اعتماد أوراق التصويت متعددة واعتماد الألوان عوض الرموز وعدم اعتماد المداد واعتماد نظام اقتراع ثبت فشله، ومسألة تحديد تاريخ الانتخابات والتماطل في سن التشريعات والتردد في مراجعة الظهير الجماعي، وهي كلها معطيات لم تعد قائمة بعد عرض مجموعة من التعديلات الخاصة بالقانون التنظيمي لمجلس النواب على البرلمان وكشف التصور الحكومي للإصلاح الانتخابي.

وتبعا لما سبق فإن الحوار والخلاف مع وثيقة الدائرة السياسية، يرتبط بنسبة كبيرة بالفقرة المعنونة بـ”مبررات المشاركة الانتخابية في الميزان” بالإضافة إلى بعض الخلاصات الواردة في الفقرات الأخرى، من مثل اعتبار النجاح في الانتخابات في المغرب لا يمكنه تحقيق الهدف المتمثل في الدفاع عن الإسلام وخدمة مصالح المسلمين، وذلك بسبب طبيعة النظام السياسي السائد والقوانين المعمول بها، وكذلك حسب الأعراف التي كرستها الممارسات المخزنية منذ عدة عقود.

ويمكن القول إن مجموع ردود الوثيقة على أطروحات خيار المشاركة الانتخابية تمثل جوهر الإضافة النوعية في أدبيات جماعة العدل والإحسان، وهي ردود كانت ترد عرضا في الحوارات الصحفية لبعض قياديي الجماعة، إلا أنه حصل تجميع وترتيب مجموع الاعتراضات وربطها بالمبررات الشرعية والواقعية لدعاة المشاركة في الانتخابات، وهو ما ينم عن جهد محمود، بغض النظر عن بعض الأحكام والخلاصات الواردة، وبغض النظر كذلك عن الكيفية التي تم بها التعامل مع المبررات ، ولهذا ستشكل المناقشة لهذه الفقرة الحيز الأكبر في هذه المقالة النقدية والتي تتمحور على أربع محاور.

أولاها: العمق التأصيلي لوثيقة الدائرة السياسية لجماعة العدل والإحسان ومستوى الانسجام مع الفكر السياسي لمرشد الجماعة، وثانيها مدى توفقها في بسط وعرض مرتكزات خيار المشاركة، وثالثها،قوة الردود المقدمة على المبررات الشرعية والواقعية للمشاركة.

1- ضعف المستوى التأصيلي و محدودية الانسجام مع الفكر السياسي لمرشد الجماعة

لإشكالية الأولى في التعاطي مع البناء التأصيلي للوثيقة هي ضعف جهدها التأصيلي الشرعي وعدم الانسجام مع الفكر السياسي لمرشد الجماعة الأستاذ عبد السلام ياسين تجاه المسألة الانتخابية.

فمن جهة نجد أن الوثيقة أثناء إقدامها على التدليل على موقف الرفض للمشاركة لجأت إلى بسط خطاب سياسي تحليلي لواقع الانتخابات لتخلص إلى أن النجاح في الانتخابات لا يمكن من تحقيق أهداف المشاركة، وبالنظر لأن المشاركة هي وسيلة، فإن “الجماعة لا ترى الانشغال بالوسيلة على الهدف” ، بحيث أن المرء يجد نفسه أمام خطاب درج التيار اليساري المتطرف على استهلاكه في تبرير مقاطعة الانتخابات ورفض الدخول في المؤسسات.

وفي المقابل هناك تغييب للقواعد الشرعية الضابطة لعملية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فضلا عن عدم الانسجام مع الفكر السياسي لمرشد الجماعة إزاء المسألة الانتخابية، كما بسطه في “المنهاج النبوي”.

فذ.عبد السلام ياسين، سبق له أن كتب نصا قويا في الدعوة إلى تبني خيار المشاركة، وذلك سنوات قبل تبلور التوجه الجديد لدى قيادة الجماعة الإسلامية سابقا حركة الإصلاح والتجديد لاحقا، وذلك قبل عملية التوحد مع رابطة المستقبل الإسلامي في سنة 1996 حيث كتب تحت عنوان “المرونة” “قد يكون بعضنا تحت نظام من أنظمة الجبر، ألجأته ضرورة البحث عن مشروعية ما، أن يفتح باب الحريات العامة إ ن كان هذا فخط عالمنا المودودي رحمه الله أن يساهم المسلمون في اللعبة الديمقراطية، هذا يتيح للمسلمين أن يعرفوا بقضيتهم وحلهم لمشاكل الأمة على وضح النهار، ولوجود هذا الوضح يتهيأ للمسلمين أن يقارعوا الحجة بالحجة ويبلغوا للناس رسالتهم من منابر البرلمان والتجمعات والمناصب الانتخابية، هذا جيد مع السكوت المؤقت الضروري على أن الإسلام له مشروعيته وهي شيء آخر غير مشروعية الديمقراطية” ليضيف بوضوح أكثر: “ولو تتبعت سيرة المصطفى صلى الله عليه وسلم لرأيت هذا الصبر على البلاء ومرونة خامة الزرع. مثلا عندما ألح سهيل بن عمرو في كتابه صلح الحديبية على أن تمحى من الصحيفة البسملة ونسبة الرسالة إلى محمد صلى الله عليه وسلم فمحاها نبي الرحمة بيده الكريمة”. قد يعتبر البعض أن هذا الخطاب مناقض لفكرة القومة إلا أن ذ.عبد السلام ياسين لا يرى ذلك حيث يقول أيضا: “السياسة الشرعية تجيب أن القومة الإسلامية على حكام الجبر مشروعة ولا يصطدم بالشرع أي من الرأي والخدعة الحربية والمكايدة التي وصفنا بعضها”(المنهاج النبوي-تربية و تنظيما وزحفا-دار البشير -الطبعة الرابعة1995 ص35-37) .

وحتى تتضح الرؤية، فإن عبد السلام ياسين وضع ثلاث خطوط لا يحصر فيها إمكانات العمل التنفيذي، وإنما يتخذها وجهات لتأملاته ويقصد بالتنفيذ “نهوض الجماعة القطرية لتعلن نفسها أو تسر وجودها، ثم لتزحف إلى الحكم، وتستولي عليه، وتعيد ترتيب البيت وتوجيه المسار وتعرف المعروف وتأمر به بعد أن تنكر المنكر وتطيح به، وهي:

1- الدخول في تعددية الأحزاب، والترشيح للانتخابات، وما يقتضي هذا من علانية العمل والمرونة الدائمة، وطول النفس.

إن خرق جدران الحصار، الإرهابي منه والقانوني، تحت أنظمة تعلن أنها ديمقراطية، وأن نظامها مبني على الحريات العامة، لا يتأتى لنا ونحن في فترة الإعداد إلا بالدخول في المعمعة التعددية والانتخابية. هذا مذهب أستاذ الفكر الإسلامي الشيخ المودودي رحمه الله ووسع له في رحمته. انظر في مؤلفاته أصول اجتهاده هذا.

ثم إن قبولنا المشاركة في “اللعبة الديمقراطية” من شأنه أن يكشف زيف الدعوى الديمقراطية. وهذا ما حدث في تونس لما قام إخواننا هناك بإعلان نيتهم الدخول في المعركة الانتخابية وطالبوا بحقهم في تكوين حزب.

كان رد الحكم الجبري أن كل التوانسة مسلمون، وأن السماح بتكوين حزب إسلامي يعني القدح في إسلامية الدولة. مغالطة! يقصد الحكام أن يشعلوا غيرة الشعب وكافة التنظيمات الحزبية ضد المؤمنين باتهام جند الله بالتزمت وتكفير من عاداهم.

ومزية أخرى للدخول في الانتخاب، وولوج ذلك الباب، هي مزاحمة غيرنا على كسب الرأي العام، والاستفادة من التسهيلات الرسمية في التحرك. هي مزية التضييق عن الإسلام الرسمي وإسلام الأحزاب السياسية التي أصبحت ترفع شعارات الإسلام أعلى فأعلى منذ تيقن العالم، وببرهان إيران وأفغانستان، أن القوة الإسلامية هي حقيقة المستقبل، وعربونها الصحوة الإسلامية الصاعدة.(المنهاج النبوي-نفس المرجع-ص 412-413)

وقد عالج ذ.عبد السلام ياسين مسألة التأصيل متسائلا”هل تقبل الشريعة الإسلامية هذا؟ الجواب نقرأه في سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد قبل صلح الحديبية مع قريش بعد أن عقد معاهدة مع اليهود أوائل مقدمه إلى المدينة.

نقرأه في توجيه القرآن الكريم في قصة يوسف عليه السلام إذ قال للعزيز: (اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم) (يوسف: 55).

فهذا رسول معصوم يتسلل إلى مواطن النفوذ ومنصة السلطة ليبلغ أمانته.

ونورد هذا لبعض إخوتنا ممن ينسون في ظروف خاصة، وهم بعيدون عن الميدان ومقارع الحدثان أن التسرب عبر أشواك الواقع، وأسلاك الحصار، وتموجات الباطل، لا يعني الاستسلام لكيد الاحتواء المنظم.

لا يعني الاستسلام للاحتواء إذا كانت الجماعة على بينة وبصيرة وبقيادة ربانية.

ومن يقرأ جهاد الشيخ الإمام حسن البنا في مراحله وبالتفصيل يكشف نموذجا حيا لمكايدة الحكم والأحزاب ومراوغتها. فقد كان رحمه الله يظهر الميل ذات الحكم وذات الأحزاب والمعارضة بحسب الظرف والمرحلة. وبمرونته رحمه الله استطاع أن يقود السفينة زمانا.

نعم ظروفنا غير ظروفه ولا تلزمنا ما فعلته الأمم من قبلنا لكن الذكي الموفق من ينظر في سير الموفقين ومنهم البنا رحم الله الجميع.(المرجع نفسه-ص413)

2- الخط السياسي الثاني (…) هو الخط الشديد خط التميز والقوة والرفض (…) لا نرى للتنظيم العنيف المعتمد على الاغتيال السياسي مبررا ولا مستقبلا…

3- الخط الثالث كما نراه هو في الواقع نضج الخط الأول وبلوغه الكمال. هو خط التنفيذ بالقوة بعد أن يتم الإعداد، ما يعيب حركات الشباب الغاضبة غير تعجلهم النتائج.

هذا الإمام الخميني قاد عملية التنفيذ في إبانها، فكانت قوة جند الله قد استكملت الإعداد، وكان لها من الحجم والتغلغل في الشعب ما ضمن لها، بعد توفيق الله تعالى النصر.

منذ سنة 1906 ميلادية استطاع علماء المسلمين في إيران فرض دستور يحد من تسلط الملكية. كان وراءهم تاريخ مجيد من مقاومة العلماء للحكام. فكان الدستور تتويجا مرحليا لذلك التاريخ.

قبل العلماء تقييد الحكم اللاشرعي بالدستور لأنه خطوة. وخطوة ثانية حين تحالف آية الله الكاشاني مع مصدق في القضية الوطنية قضية تحرير البلاد من احتكارات النفط الأجنبية.

فلما فشل مصدق وخر بناؤه أمام كيد أمريكا ومؤامراتها، تيقن الشعب بفئاته أن الإسلام وحده يملك العمق في الشعب الكفيل ببعث الثورة، وتوجيهها، وتسليحها، وقيادتها للنصر.

وهذا ماكان، وما عبقرية الإمام الخميني إلا العامل القيادي الذي حقق عطاء الطاقات الإيمانية، ورفعها إلى ذروة الفاعلية. والله عز وجل من وراء الكل محيط.

نرى أن مستقبل الإسلام رهين باستيعابنا لدرس إيران.

كان للعلماء هناك حرمة تقليدية، وكان لهم استقلال مالي، وكان لهم وجود فعلا كثيف في المساجد والحسينيات (وهي المساجد الصغيرة في الأحياء والقرى). وكان لهم أهم شيء حرمة وتعظيم في الشعب.

ثم إن توفيق الله لإخوتنا الشيعة أن ربطوا غضب الشعب بمثال حي هو مثال الإمام الحسين عليه السلام الذي غضب على حكم يزيد الفاسد، وعرفوا كيف يعرضون قضية الإسلام الآن على شاشة الحساسية الشيعية لمأساة كربلاء.

وكان من توفيق الله ـ خاصة بعد القومة ـ أن قبض العلماء على مسار الحركة من عروتها الوثيقة، ألا وهي انحيازهم إلى جانب المستضعفين. وهذا ما أمر الله به وما فعله رسوله صلى الله عليه وسلم.(المرجع نفسه-ص417-419).

ونعتقد أن وثيقة تعمد إلى بسط موقف الجماعة من مسألة المشاركة في الانتخابات، يفترض فيها الانسجام مع الإطار النظري الموجه لحركة الجماعة، وفي حالة حصول العكس، لابد من تبريره، ونشير هنا إلى أن السمات الأساسية لواقع الانتخابات بالمغرب، كما عرضتها الوثيقة ليست طارئة بل هي قديمة وكانت متداولة منذ صدور الطبعة الأولى للمنهاج النبوي.

2-التعسف والمحدودية في عرض أدلة المبررات الشرعية للمشاركة في الانتخابات

ثمة مشكلة كبيرة في الفقرة المعنونة بـ “مبررات المشاركة الانتخابية في الميزان” وخصوصا في الشق المتعلق بعرضها للمبررات الشرعية، حيث يلاحظ وجود تعسف في بسط المبررات المعروضة من ناحية أولى وعدم العودة إلى الوثائق الرسمية لإعادة المشاركة الانتخابية، من مثل وثيقة “الرؤية السياسية لحركة التوحيد والإصلاح” والتي نشرت بجريدة التجديد في يوليوز ـ غشت 2000، مما تولد عنه إغفال مبررات شرعية أخرى، من ناحية ثانية.

لقد بسطت الوثيقة خمس مبررات شرعية، وسنعالجها تباعا:

أ ـ يتمثل المبرر الأول في “ترجيح المصالح الموجودة على المفاسد الممكنة” وتمت الإحالة على أن دعاة المشاركة يستدلون بنص لابن تيمية رحمه الله وبنص آخر لابن القيم رحمه الله في التدليل على هذا المبرر، والحاصل أن هذه النصوص اجتزئت وأخذت من سياق آخر لا علاقة له بالمبرر الشرعي المشار إليه، فالاستدلال المعروض كما استعمله محمد يتيم في مقالته عن “الإسلاميون بين الرفض والمشاركة” (مجلة الفرقان عدد 34 أكتوبر 1994 ص 41 – 37) جاء للتدليل عن مسألة أخرى لا علاقة لها بموضوع الترجيح بين المصالح والمفاسد، بل بموضوع “وجوب مشاركة الناس في الخير الذي هم عليه رغم ما يمكن أن يكون في سلوكاتهم الأخرى من فساد وشر” (نفس المرجع ص 40 – 39)، وجاء ذلك في سياق نقد النظرة العدمية الموجودة عند بعض الدعاة والتي “تنظر إلى الواقع بمنظار أسود فلا يعترفون بمظهر من مظاهر الإسلام في مؤسسات المجتمع، ولا بأثر إسلامي في سلوك من يعتبرونهم خصوما لهم من الحركات أو القوى النافذة في المجتمع. إن كل سلوك أو موقف إسلامي يصدر من هؤلاء هو نوع من الاحتيال والرغبة في الاحتواء ومن ثم فإن الموالاة في مثل هذه المجالات ونصرة الآخرين فيما يظهرون من رغبة في نصرة الإسلام هي تزكية للواقع الفاسد وتقوية له ودعما له بإقرار مشروعيته (نفس المرجع ص 39).

وبالتالي فإن الاستدلال المعتمد لا علاقة بموضوع المبرر الشرعي وهذا تعامل متعسف ينقض من الأصل أي نقد يقدم عليه، كما أن سياق اعتماد الحركة لقاعدة الترجيح بين المصالح والمفاسد في التدليل على تبني مبدأ المشاركة والتدافع السلمي جاء في إطار الترجيح بين منهج الخروج ومنهج الاعتزال ومنهج المشاركة مع الإحالة على القاعدة الشرعية المعروفة في ارتكاب أخف الضررين وتحمل أهون الشرين وتفويت أدنى المصلحتين، وتمت العودة إلى الإمامين الشاطبي والعز بن عبد السلام رحمة الله عليهما. (انظر نص وثيقة الرؤية السياسية للحركة ـ الفقرة 4 ـ التجديد ـ عدد 93 ـ 2000/8/16. ص 15).

ب ـ وعنون المبرر الثاني بأن “ترجيح المشاركة متعلق بالسياسة الشرعية وليست من أصول الدين” والواقع أن هذا المبرر لا يرتبط حصرا بموضوع المشاركة من عدمها بل إن الحركة تحيل على السياسة الشرعية بما هي “كل إجراء تشريعي تتخذه جهة معينة لتحقيق مقاصد الشرع في الواقع أي لتحقيق المصالح ودرء المفاسد وفق الضوابط الشرعية وإن لم يرد بذلك الإجراء نص” (سعد الدين العثماني ـ في السياسة الشرعية ـ مجلة الفرقان عدد 14 أبريل 1988 ص 4) وذلك من أجل تأصيل عملها السياسي سواء كان مساندة أو معارضة، مشاركة أو مقاطعة. وهذا المبدأ يحيلنا على قاعدة كبرى وهي أن العمل السياسي هو مجال ترجيح الراجح من المصالح والمفاسد المتعارضة والذي أورده سعد الدين العثماني في مقدمة لكتاب “المشاركة السياسية في فقه شيخ الإسلام ابن تيمية” (سلسلة الحوار 29 ط 1997).

ج ـ أما المبرر الثالث الذي تعرضه الوثيقة فقد عنون بـ “ضرورة التمييز بين الأعمال التعددية والعادية” (الأصل التعبدية وليس التعددية والظاهر أنه خطأ مطبعي في نص الوثيقة) وتم عرض نص لابن تيمية كدليل على هذا المبرر وبعده نص للإمام الشاطبي وهذا النص كما استعمله بحذافيره سعد الدين العثماني في الكتاب المشار إليه آنفا (ص 10 – 9) جاء في سياق آخر لا يرتبط بالتدليل على المشاركة بل بمسألة أخرى تتمثل بمسألة تولي الولايات العامة والتي يدخل في مجال المعاملات حيث أن الأصل هو الإذن والإباحة حتى يرد دليل شرعي معتبر بالحظر ونتأسف لأن بعض الشباب المسلم تعامل مع الموضوع تعامله مع مجال تعبدي( نفسه ص 10).

د ـ وأورد المبرر الرابع أن ترجيح المشاركة تأس بالأنبياء والرسل ،محيلة على أمثلة كثيرة تدرج في هذا الباب، مثل قبول يوسف عليه السلام المشاركة في حكم غير إسلامي ليحقق مصلحة الناس، وقصة الهجرة للحبشة، وقول الرسول صلى الله عليه وسلم في حلف الفضول. والواقع أن هذه الاستدلالات ترتبط في المجهود التأصيلي لدعاة المشاركة، بقضايا تولي الولايات العامة والتحالف، وعلاقة ذلك بالركون المنهي عنه والولاء والمداهنة (انظر كمثال سعد الدين العثماني ـ في الفقه الدعوي ـ مجلة الفرقان عدد 15 يونيو 1988 ص 3)، وللأسف كان من الأولى إيراد الخلفية التأصيلية الكامنة وراء الإحالة على تلك الوقائع، خصوصا وأن هذه الإشكالات حاضرة بقوة في النقاش حول المشاركة في المؤسسات، حيث يلجأ البعض إلى قوله تعالى: (ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار) (هود 113) متكأ لإدانة كل خطوة يتعاون فيها دعاة الإسلام مع غيرهم على طاعة أو خير، أو يستعينون بهم لتحقيق مصالح أو درء مفسدة عنهم (نفس المرجع ص 3).

ه ـ أما المبرر الخامس والمعنون بـ”الانعزال طبع مذموم” فقد أورد فقرة تم التصرف فيها من مقال لمحمد يتيم (الإسلاميون بين الرفض والمشاركة ـ الفرقان ـ عدد 34 ص 38)، وهوتصرف تعسف في عرض الخلاصة النهائية، ومن الأفضل إيراد النص كما ورد في أصله ليتحقق المعنى،حيث جاء فيه “وعلى أي فإذا جاز أن يكون موقف المقاطعة هو موقف المسلم العادي أو موقف من يطلب السلامة الفردية لنفسه أو من يقتنع بالورع السلبي (في وثيقة الدائرة تم حذف لفظ السلبي)، فإنه لا يجوز أن يكون موقف الداعية الذي يريد أن يرد نبض الحياة لأمته، إنه لن يرضى على المخالفة بديلا، ولكنها مخالطة إيجابية فاعلة تساهم في خلق بيئة اجتماعية سليمة تسهل عملية الالتزام الفردي والجماعي” (نفس المرجع).

الملاحظة الإجمالية على عرض وثيقة الدائرة السياسية هي التعسف الكبير الذي اقترفته في حق أدبيات دعاة المشاركة مما يطعن في المستوى العلمي للوثيقة، ويؤدي بها إلى الوقوع في اضطراب منهجي صارخ، يفقدها القوة العلمية في الرد على دعاة المشاركة، ولا نريد هنا استعمال نفس الجملة التي وردت في الوثيقة عندما وصفت الاستشهاد بأمر في غير محله “باستغفال الناس”، وفي أحسن الحالات نقدر أن هذا الأسلوب في التعامل مع مبررات تيار المشاركة هو بمثابة تدليس علمي!

من ناحية أخرى، فإن تأصيل خط المشاركة أكبر من أن يُحصر في النقط الخمس الواردة في الوثيقة، ونحيل هنا على كتاب عبد الله بها “سبيل الإصلاح” (منشورات الراية ط 1 ـ 1994) وخصوصا الفقرات الخاصة بالقواعد الضابطة لإنكار المنكر (ص 25-21) وبالتمييز بين حكم الشرع في شخص أو هيئة وبين المعاملة المشروعة مع ذلك الشخص أو تلك الهيئة (ص 119-115)؛ وكتاب محمد يتيم “العمل الإسلامي والاختيار الحضاري” (ط 1996-4) ونقاشه لمسألة “الولاء بين الفهم السياسي والفهم الشرعي” (ص 72-64 ).

3-ضعف الردود على المبررات المعروضة

على الرغم من أن الملاحظات التي قدمتها الوثيقة على المبررات الشرعية انبنت على عرض غير سليم لهذه المبررات وهو ما تصعب معه المناقشة العلمية لهذه الملاحظات، فإن هذا لا يمنع من إبداء بعض التعليقات على ما ورد في الوثيقة.

أـ الملاحظة الأولى هدفت للرد على المبررين الأول والخامس، معتبرة أنه لا خلاف على ضرورة مخالطة الناس في حياتهم، وأن المخالطة ليس معناها فقط الوجود في المؤسسات. والحاصل أن المبرر الأول والثاني تم التعسف في بسطهما وهو ما وضحناه آنفا، وبالتالي فالحديث عن “الاضطراب المنهجي” و”استغفال الناس” الوارد في الوثيقة يصدق عليها هي نفسها.

بـ اعتبرت الوثيقة الإحالة على بعض الوقائع من سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم، أو قضية يوسف عليه السلام بمثابة قياس خاطئ حيث أن هناك فارق يحول دون القيام بالقياس، ويتمثل هذا الفارق في أن جوهر ممارسة دعاة المشاركة وصريح خطابهم “قائم على الإقرار بالمنكر وتزكيته، ومدح الظالمين وتحسين صورتهم” وهو خلاف ما كان في حلف الفضول الذي بني على أساس العدل ونبذ الظلم. وأيضا أمر النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه بالهجرة لأن فيها ملكا عادلا لا يظلم عنده الناس، أو في صلح الحديبية التي تنسجم مع فعل الرسول صلى الله عليه وسلم فيها مع القاعدة الدعوية “التدرج في قول الحق وعدم التفوه بباطل” بحيث أن الوثيقة طالبت دعاة المشاركة بإثبات بطلان هذه القاعدة و”إلا فحجتهم واهية وكلامهم مردود”.

إننا لا نجد هنا ردا شرعيا بقدر ما نجد حكم قيمة على ممارسة دعاة المشاركة واعتبارها إقرارا بالمنكر وتزكيته ومدحا للظالمين وتحسينا لصورتهم، وهو حكم يفتقد للدليل لاسيما بادعائهم أن صريح خطابهم يتضمن ذلك، بمعنى ليس فقط ما هو ضمني في الخطاب، بل هناك خطاب صريح صادر عن دعاة المشاركة فيه الإقرار بالمنكر وتزكيته، وهذا حكم مجانب للصواب ونرجو من أصحابه أن يبسطوا أدلتهم فيه مع تذكيرهم بأنه سبق لحركة التوحيد والإصلاح في وثيقة الرؤية السياسية أن قدمت تشخيصا مركزا للمنكرات الحاصلة في نظامنا الدستوري والسياسي، والقانوني والتشريعي، والثقافي، والاقتصادي، والاجتماعي، والإداري (التجديد عدد 91 ص 19) ونود أن نستحضر تفاصيل هذا التشخيص عند عرض الأدلة. وإلا فهذه محاكمة للنيات بدون بينة، نربأ أن يقع فيها الدعاة للإسلام.

جـ أما مسألة قبول يوسف عليه الصلاة والسلام، العمل من خلال حكم غير إسلامي، فالوثيقة تعتبر أن ذلك كان على أساس أن السلطة الفعلية في يده أو على الأقل بإمكانه التأثير في مجريات الأحداث، وهو شيء ترى الوثيقة أنه غير وارد بالنسبة لدعاة المشاركة الانتخابية: فـ”حتى بعد نجاحهم ـ وهذا شيء غير محسوم فيه ابتداء ـ لا يتوفرون على أية سلطة تمكنهم من التأثير في صنع القرار”، والحاصل أننا نجد أنفسنا إزاء تعسف ثان، فصريح الآية لا يدل على ذلك، لأن يوسف هو من سأل عزيز مصر أن يجعله على خزائن الأرض، وقد علق شيخ الإسلام ابن تيمية في الفتاوي على هذه القضية بقوله: “ومعلوم أنه مع كفرهم لابد أن يكون لهم عادة وسنة في قبض الأموال وصرفها على حاشية الملك وأهل بيته وجنده ورعيته، ولا تكون تلك جارية على سنة الأنبياء وعدلهم، ولم يكن يوسف يمكنه أن يفعل كل ما يريد، وهو ما يراه من دين الله فإن القوم لم يستجيبوا له، لكن فعل الممكن من العدل والإحسان، ونال بالسلطان من إكرام المؤمنين من أهل بيته ما لم يكن يمكن أن يناله بدون ذلك، وهذا كله داخل في قوله تعالى (واتقوا الله ما استطعتم)” (ابن تيمية، الفتاوى 56/20) نقلا عن سعد الدين العثماني في الفقه الدعوي ـ مجلة الفرقان عدد 15 ص3). والنص واضح في الرد على دعوى القياس الخاطئ، هذا على الرغم من أن موضوع المشاركة في الحكم ليس هو بالضرورة المشاركة الانتخابية، لأن هذه الأخيرة قد تكون مطلوبة فقط لدورها في الإنكار على المنكر واستثمار محطات الحملات الانتخابية والدورات البرلمانية في دعوة الناس وإقامة الحجة، وهي أمور مدحها ذ. عبد السلام ياسين في “المنهاج النبوي” وأوردنا ذلك بتفصيل في المحور الثاني من المقال. كما نقدر أن مشكلة الوثيقة مع قصة يوسف عليه السلام نجمت على التعامل المتعسف مع طريقة ورودها في أدبيات دعاة المشاركة حيث لم تستحضر أن اللجوء لقصة يوسف عليه الصلاة والسلام ربط بمسألة تولي المصالح العامة والإحالة على عمل يوسف عليه السلام أثناء الإجابة عن التساؤل: “ما العمل إذا كان تولي مصلحة عامة يستلزم ارتكاب مفاسد شرعية؟” (العثماني نفسه ص 2)، أما مسألة نفي أية إمكانية للتأثير على صنع القرار، فنعتقد أنه حكم مبالغ فيه من طرف الوثيقة ويعبر عن نظرة غير واقعية، وتجربة الأربع سنوات الماضية في العمل البرلماني كشفت عن إمكانات كثيرة للتأثير، اللهم إلا إذا كان المقصود هو التوفر على سلطة مطلقة شمولية.

دـ وبخصوص الرد الثالث فهو لا يقدم اعتراضا جوهريا ذلك أن الرد على قاعدة جلب المصالح ودرء المفاسد التي أعملها دعاة المشاركة، يكون بكشف المفاسد التي جلبتها المشاركة وإبراز رجحانها على المصالح المطروحة، وهو ما لم تقم به الوثيقة، سوى قولها من أن “هناك من يرى رجحان كفة المصالح وهناك من يرى العكس”.

ـ أما الرد الرابع والأخير، فهو دعوة “لتعميق النقاش” أكثر منه رد يبطل دعاوي المشاركة، ولهذا اختتم بسؤالين:” كيف يخدم كل أسلوب الإسلام؟ وكيف يعود بالنفع على المسلمين؟”، ونأمل أن يتواصل الحوار على أرضيتهما.

الخلاصة، هي أن الردود المقدمة جاءت للاعتراض على مبررات عرضت بطريقة مبتسرة وغير علمية ومنقوصة، كما أنها اتسمت بضعف شديد وبلجوءها لإطلاق أحكام قيمة دون بينة أو دليل .

4-المبررات الواقعية والنقذ الهروبي

ميزت الوثيقة المبررات الواقعية عن المبررات الشرعية، وعرضتها مجملة في ثمان نقط:

1-عدم إخلاء الساحة للغير

2-تجنب عقلية الاصطدام مع الحكام

3-إدخال الطمأنينة على النخب المثقفة

4-محاربة اليأس لدى المواطنين

5-التواصل مع الشعب دون وسائط

6-تكوين الأطر لمستقبل الدولة الإسلامية

7-تجنيب البلاد دوامة العنف

8-إدخال الجدية على الحياة السياسية

وقد اعتبرت الوثيقة أن نفس الملاحظات السابقة صالحة “للرد على هذه المبررات” مضيفة أن “هناك خلل منهجي في توظيف مفهوم المشاركة في غير محله، وهناك الاستشهاد بأدلة التذرع بمبررات يحاول دعاة المشاركة الانتخابية حصر فوائدها في هذا الخيار فقط” واعتبرت أن المبررات 2 و3 و6 و7 مبررات يمكن بلوغها بدون المشاركة في الانتخابات، وأن العكس قد يحصل من خلال المشاركة حيث تكون المشاركة وبالا على الحركة الإسلامية، أما المبرر الثامن، فهو لن يتم إلا “إذا دخلت الحركة الإسلامية من موقع مؤثر، وبخصوص المبرر الخامس، فقد تسائلت عن “الواسطة التي تلغيها المشاركة، أو ماهو الامتياز الذي تضفيه المشاركة في التواصل؟ هل هو مخاطبة الشعب من البرلمان أم ماذا؟” وهي تساؤلات نقدر أنها لا تليق بوثيقة سياسية جامعة.

إن الوثيقة لا تميز في المبررات بين المنطلقات الواقعية وبين الأهداف من المشاركة، هذه الأخيرة التي تتحدد بحسب مستوى المشاركة ودرجة التقدم والخبرة فيها وبطبيعة المرحلة وتحدياتها، وإلا فالأهداف متعددة ويصعب حصرها، ونحيل هنا على وثيقة صدرت في أسبوعية الراية (1992/1/24 ص 3) معنونة ب”الإسلاميون بالمغرب والمشاركة السياسية” والتي تضمنت عرضا للحيثيات الأولى لفكر المشاركة، وقد ورد جزء من ذلك في الوثيقة، ومنذ ذلك الحين (أي 1992) إلى غاية اللحظة، راكمت تجربة المشاركة خبرات مكنتها من تدقيق تأصيلها وإنضاج تصوراتها وأهدافها لمسألة المشاركة حتى تمت صياغة الرؤية السياسية في صيف 1998، والتي تضمنت عرضا للمرتكزات والأسس التي يقوم عليها نظرة الحركة للإصلاح السياسي، وضمنها مرتكزين واقعيين، الأول: “اعتبار عامل التراكم التاريخي وأثره في مختلف مظاهر الخلل في حياتنا السياسية والاجتماعية” ومما “يقتضي إعمال مبدأ التدرج في الإصلاح السياسي والعناية في مقام أول بالمحافظة على مكاسب الإسلام وتوسيع دائرتها باستمرار” والثاني “اعتبار عامل التربص الخارجي والداخلي” وهو تربص يدفع إلى ضرب الحركات الإسلامية بالأنظمة مما يؤدي إلى “زعزعة استقرار الأنظمة” وتسهيل “خضوعها للابتزاز الدولي والنفوذ الصهيوني” كما يؤدي إلى “إشغال الحركات الإسلامية بالتطاحنات السياسية وتبعاتها عن مهام الدعوة والتربية والمساهمة في البناء الحضاري”. وللأسف فإننا لا نجد هذين المرتكزين ضمن ما عرضته الوثيقة، بل أحالت على بعض المبررات والحيثيات المتفرعة عنهما. وبخصوص ما أثارته من ردود واعتراضاته، فيمكن ملاحظة ما يلي:

ـ عند الحديث عن مبرر مخاطبة الشعب بدون وسائط، فهذا لا يعني حصر آليات مخاطبة الشعب في المشاركة الانتخابية، وإلا كان على دعاة المشاركة الانتخابية أن يتحولوا إلى مقاولة انتخابية برلمانية ويكفوا عن العمل في مختلف مؤسسات المجتمع الثقافيةوالاجتماعية والنقابية.. الخ، هذا من جهة، ومن جهة أخرى، فإن المشاركة الانتخابية تمكن من تجاوز بعض الحواجز التي تحول دول دون التواصل مع أوسع الشرائح وهو ما سبق أن بسطه ذ. عبد السلام ياسين في المنهاج النبوي عندما كتب “إن خرق جدران الحصار الإرهابي منه والقانوني، تحت أنظمة تعلن أنها ديمقراطية وأن نظامها مبني على الحريات العامة، لا يتأتى لنا ونحن في فترة الإعداد إلا بالدخول في المعمعمة التعددية والانتخابية” (المنهاج النبوي مرجع سابق ص 412) وأضاف “ومزية أخرى للدخول في الانتخاب، وولوج ذلك الباب، هي مزاحمة غيرنا على كسب الرأي العام والاستفادة من التسهيلات الرسمية في التحرك” (نفسه) وقد أحال على تجربة الإمام حسن البنا رحمه الله عليه، الذي كان “يظهر الميل ذات الحكم وذات الأحزاب والمعارضة بحسب الظرف والمرحلة” (نفسه ص 483) ومعلوم أن تجربة الإمام البنا كانت في عهد النظام الملكي بمصر.

ـ أما فيما يخص الرد الثاني، فإن تجربة الأربع سنوات الماضية كانت كافية للتدليل على ما هو الأقدر على تجنيب البلاد دوامة العنف وتجنب الاصطدام مع الحكام وإدخال الطمأنينة على النخب وتكوين الأطر لمستقبل الدولة، هل عبر التواجد والعمل من خلال المؤسسات واكتساب الخبرة عن قرب والتأهيل على التفاعل مع متطلبات العمل البرلماني والحكومي وما يحتاجه من كفاءات وبرامج، وما يتيحه من إمكانات التواصل المستمر مع الفاعلين في القرار السياسي، أم عبر مقاطعة الدخول في المؤسسات؟! وتكفي هنا الإحالة على حرب الشواطئ وكيف لعب وجود فريق نيابي لحزب العدالة والتنمية بالبرلمان دورا إيجابيا في التدافع، وأيضا ما حصل في إحداث تخليد اليوم العالمي لحقوق الإنسان في دجنبر 2000.

خلاصة: أين هو الخلاف؟

ثمة نقطة أخرى لا يقدم دعاة رفض المشاركة على بسطها بالوضوح الكافي، وتتمثل في انعكاس الخلاف بينهم وبين دعاة المشاركة حول المشروع التغيير الاستراتيجي في علاقته بموضوع شرعية النظام القائم من جهة، والتباين في وضعية كل طرف إزاء النسق السياسي من جهة أخرى، في جعل كل واحد يتبنى اختيارا مغايرا للآخر، ونعتقد أن هناك حاجة ملحة لفتح حوار على هذا المستوى بين التوجهين، ليبسط كل طرف أدلته وخلفياته التأصيلية، وتتضح على ضوء ذلك نقاط الاتفاق ونقاط الاختلاف، لأننا نقدر أن مصلحة الإسلام في هذا البلد تحتم مشاركة كافة الإسلاميين في الحياة السياسية والانتخابية.