الإعلام المخزني الرسمي، بأصواته القديمة والجديدة، وبكل ما يملكه من إمكانيات ووسائل، يحاول جاهدا أن يوقع في خواطر الناس ويثبت في أوهامهم أن المستقبل “الديمقراطي” للمغرب بات متعلقا بالانتخابات المقبلة، وأن جميع مشاكلنا السياسية إنما حلها في أن تكون هذه الانتخابات “نزيهة” و”شفافة” ومعبرة بصدق عن حقيقة تفاعلات مختلف القوى السياسية في أرض الواقع.

وهذا التزوير في تناول معطيات الواقع ومعالجة ما يتعلق بحياتنا السياسية هو، في اعتقادي، من أبرز أعراض دائنا السياسي العضال، داءِ العضّ والاستبداد.

العقلاء والحكماء، في كل زمان ومكان، متفقون على أن الانتخابات لم تكن في يوم من الأيام مطلوبة لذاتها، وإنما كانت، وستبقى، وسيلةً لغاية أهم وأعظم.

الانتخابات وسيلة يتم بواسطتها التنافس على حيازة ثقة الناس وكسب أصواتهم، وذلك بناء على برنامج يمتاز بكذا وكذا من الصفات والأفكار والوعود والمشاريع القابلة للتنفيذ كلّيا أو جزئيا.

أما الأساس في هذه العملية كلها-لا ننسى أن تنظيم الانتخابات، بكل أنواعها، فضلا عن التعويضات التي تخصص للمنتخَبين والنفقات التي يستهلكها تسيير المؤسسات المنتخبة وتجهيزها، تكلف الميزانية العامة عبئا ماليا ضخما يقدّر بمئات الملايير- الأساس في هذه العملية هو أن يكون النظام السياسي، في قوانينه الأساسية والتنظيمية، يتوفر على مسطرة واضحة تيسّر للفائز في الانتخابات-هيئة كان أو ائتلافا من الهيئات- امتلاك صلاحيات اتخاذ القرار وسلطةَ تنفيذه.

فالنفع المرجو من الانتخابات لا ينفك عن حقيقة النظام السياسي، التي تتجلى، أساسا، في الطريقة التي تتوزع بها صلاحيات اتخاذ القرارات، في الحالات العادية والاستثنائية، وفي القضايا اليومية والطارئة، وفي الملفات الطبيعية وغير الطبيعية، كما تتجلى في الكيفية التي تُقتسم بها السلطة وتُمارس في مختلف المؤسسات التي تُسيّر الدولة وتُدبّر شؤونها.

بعد الانتقاد الذي وجهه مستشار الملك أندري أزولاي، في جريدة لوموند الفرنسية(عدد25 يناير 2002) إلى تجربة حكومة السيد اليوسفي، وخاصة في الجانب الاقتصادي، ثار جدل، على صفحات بعض الجرائد، حول طبيعة سلطة مستشاري الملك وحدودها، ثم توسع مجال الجدل والنقاش ليتناول علاقة مؤسسة الملك بمؤسسة الوزير الأول. وقد برز في ساحة هذا الجدل الذي أُريد له ألا يعمّر طويلا منظرون جدد للدولة المخزنية، حيث سمعنا تحليلات وشروحا و”فقها” دستوريا بديعا يتحدث عن وضوح العلاقة بين الملك والحكومة وأن نصوص الدستور تميز بجلاء بين صلاحيات كلا المؤسستين وأن الفصل بين السلط في نظامنا السياسي قائم لا غبار عليه.

باختصار، حاول هؤلاء المنظرون الجدد أن يقولوا- طبعا بلغتهم وحسب فهمهم وتفسيرهم- إن الحكومة في المغرب، وعلى رأسها الوزير الأول، لها كيان قانوني يمتاز بمعالم تميزه عن مؤسسة الملك، ولها صلاحيات وسلطة مستقلة. ألم يقل السيد أحمد عصمان، رئيس حزب التجمع الوطني للأحرار وأحد رجالات النظام المخزني المخضرمين، في استجواب مع أسبوعية “الأيام”(عدد15-21مارس2002): إن الدستور المغربي يعطي للحكومة صلاحيات واسعة، كما ينص على ذلك الفصل60…وأنه يوضح اختصاصات كل جهة على حدة…وأن هناك تكاملا بين اختصاصات الملك والحكومة، وأضاف أننا إذا لاحظنا اختصاصات رؤساء وملوك الدول الديموقراطية سنتبين أنها أكبر وأوسع من اختصاصات ملك المغرب. وقال السيد عصمان، في مبالغة مفضوحة، إن دستور 1992 متقدم أكثر من دستور فرنسا.

وهذا “الفقه البديع”، والتفسير “العصماني” العجيب، مع الأسف، ليس له من النصوص الدستورية والقانونية، ولا من واقع الممارسة، ما يعضده إلا الرجم بالغيب والتلهي بالكلام الغارق في الوهم. وكأن هؤلاء المنظرين والمفسرين والمتكلمين يتصورون أنهم يخاطبون بشرا لا يعرفون ما الدستور ولم يطلعوا على فصوله قط. ولولا خشية الإطالة لأوردنا ههنا نصوص جميع الفصول التي يذكرونها ويكثرون من الإحالة عليها ليقف القارئ على حقيقة التزوير والتدليس الذي يمارسه بعض الناس باسم الفقه الدستوري مرة، ومرة أخرى باسم القراءة والتفسير والتحليل، ومرة ثالثة باسم التعليمات، ومرات باسم الارتزاق والحرص على إدامة الامتيازات التي يغدقها النظام المخزني على خدّامه.

وخلافا للمزورين والفقهاء المدلسين، كان وزير العدل عمر عزيمان- وهو أيضا من الرجال الراسخين في ولائهم لدولة المخزن- قريبا من وصف حقيقة نظامنا السياسي حين قال، في استجواب مع أسبوعية “الصحيفة”(عدد58، 22-28 مارس 2002): “…جلالة الملك هو الذي يترأس افتتاح البرلمان، وهو الذي يترأس المجلس الأعلى للقضاء، ويترأس المجلس الوزاري، وبالتالي، فإن الدستور يعطيه مكانة أعلى من السلطة التشريعية ومن السلطة التنفيذية ومن السلطة القضائية، ولكنه يشرف على هذه السلط كلها…”. انتهى كلام عزيمان. “الدستور يعطيه مكانة أعلى من جميع السلط”!! ومن وضع هذا الدستور؟ وكيف تم إقراره؟ وأين الشعب المغربي من حقيقة أمره؟

ورحم الله ذلك الباحث الأجنبي، حيّا أو ميّتا، الذي قال ذات يوم ما معناه: اطّلعت على الدستور المغربي فلم أجد إلا الملك.

لقد تحولت الانتخابات إلى غاية في حد ذاتها، وتاه السياسيون، وخاصة أولئك الذين لهم تمثيل في البرلمان، في مناقشة الجزئيات والفروع، وهم يتوهمون أن إقرار لائحة وطنية خاصة بالنساء، مثلا، أو تعميم بطاقة التعريف الوطنية، أو وضع لوائح انتخابية جديدة، أو إعادة النظر في التقطيع الانتخابي، كفيل بنقلنا من أحزان ماضي دولة المخزن وحاضرها إلى أفراح مستقبل الحداثة والديموقراطية والحريات. بل الوهم كل الوهم، والعبث كل العبث، في اعتقادي، أن يناقش الناس موضوع الانتخابات بمعزل عن نظرية النظام السياسي في كليتها. وإلا، فإننا سنجد أنفسنا دائما أمام معضلة الاستبداد وتركز جميع السلطات في يد واحد لا ينالها نقد ولا مراقبة ولا محاسبة، وأمام مؤسسات شكلية مجردة من الصلاحيات الحقيقية لاتخاذ القرار وتدبير الشأن العام.

إن السكوت عن مناقشة مشاكلنا السياسية والحقوقية في جوهر معدنها هو مسؤولية كبرى يتحمل وزرها، اليوم وغدا، أولئك الذين يتنافسون في إثارة موضوعات ثانوية تزكي الداء العضال المتحكم فينا وتثبته في مختلف شرايين حياتنا.

يا من يستنزفون طاقاتهم، في البرلمان، في التداول حول الأعراض والقشور، هلاّ شرحتم لنا، مثلا، معنى نص الدستور على قداسة الملك، وهذا الملك، في الوقت نفسه، يحكم، أي يفكر، ويدبّر، ويقرر، ويسيّر، ويأمر، ويجتهد، ويصيب، ويخطئ، ويتوهم، ويتردد، …إلخ ما يلازم من يمارس الحكم من مشاعر وانفعالات؟

كيف تفسرون لنا، أيها اللائذون بظل الهوامش والجزئيات، أن الملك، الذي يسود ويحكم وينفذ، والذي يملك جميع السلطات، هو، في الوقت نفسه، فوق كل المؤسسات، لا يُحاسَب ولا يُراقَبُ، ولا يُنتقَد، ولا يُردُّ كلامه، بل ولا يُنصَحُ؛ فقد رأينا القيامة المخزنية التي قامت حينما كتب الأستاذ عبد السلام ياسين مذكرته المشهورة ينصح فيها من يهمه الأمر، ويدعو، بأدب العلماء المسؤولين ورِفْقِ الناصحين المشفقين، إلى التوبة وردّ المظالم وهجر حياة الترف والغرور. قامت قيامتهم، لأن الملك، في عرفهم الفاسد، وفي قوانينهم الجبرية، وفي هوائهم الملوث الذي يستنشقونه منذ قرون، هو أكبر وأعظم وأشرف من أن يخاطب على أنه بشر، يصيب ويخطئ، وأنه مخلوق ضعيف كسائر المخلوقات، مصيره الموت ثم البعث والحشر والحساب.

قولوا لنا ماذا يبقى من برامج الأحزاب التي تتنافس في الانتخابات، والكل يعلم- والبرلمانيون في مقدمة هذا الكل- أن البرنامج الوحيد الذي ينفذ دائما، قبل الانتخابات وبعدها، هو البرنامج الذي يمليه الملك. أما الحكومة، بجميع وزرائها، فهي عون تنفيذي تجتهد فيما يسمح به للأعوان من هوامش، لا أقل ولا اكثر.

الملك مقدّس. الملك يسود ويحكم. الملك بيده مطلق السلطات. الملك فوق الدستور وفوق جميع المؤسسات. الملك لا يراقبه أحد، ولا يحاسبه أحد، ولا يراجعه أحد، ولا ينتقده أحد، وخطاباته ورسائله لا تناقش!!! فعن أية ديمقراطية، وعن أية حداثة، وعن أي عهد جديد يتحدث الناس؟

وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين.