مقتطفات من تصريحات صحفية للأستاذ فتح الله أرسلان، الناطق الرسمي باسم جماعة العدل والإحسان، في موضوع الانتخابات(2)

… من العبث حاليا أن نتحدث عن إجراءات حول نظام اقتراع يعطي مصداقية للانتخابات في ظل الدستور الحالي وفي ظل العقلية المهيمنة الآن. إن تعدد الأحزاب في بلادنا لا يعني التنوع والاختلاف في التوجهات والتصورات وطرح البرامج التي تجعل المنافسة ذات جدوى(…)

لا معنى للمشاركة في الانتخابات في ظل دستور يكرس احتكار السلطة، بمختلف أصنافها، من طرف جهة واحدة دون أن يوازي ذلك الاحتكار أي نوع من المسؤولية، مما يعطينا اقتناعا جازما بأن لا أحد يستطيع فعل شيء يذكر من خلال مؤسسات مصنوعة بهذه الطريقة مهما صفت نيته وسمت مقاصده(…)

ماذا تغير في العقلية المخزنية التي حكمت العهد القديم؟ أين نحن من التعددية السياسية الحقيقية وحرية التعبير وحرية الصحافة، وهي شروط ضرورية في أية انتخابات ديمقراطية؟ أليس مثالُ وضعية جماعة العدل والإحسان كافيا للحكم بأننا ما زلنا غارقين في ظلام دولة القمع والاستبداد؟ ماذا يضمن نزاهةَ هذه الانتخابات وشفافيتها-إن توافرت شروطها- والإدارةُ ما تزال هي سيدة المضمار، تمسك بجميع الخيوط، تفصّل، وتوزّع، وتقطّع، وتقنّن، حسب هواها؟ ولنفرض أن شروط ديمقراطيةِ هذه الانتخابات ونزاهتِها قد توافرت، فما هي الصلاحيات المخوّلة لهذه المؤسسات المنتخبة؟ هل الحكومة، مثلا، تملك سلطة القرار، مهما كانت برامجها؟ وماذا يملك النواب في البرلمان غيرَ الكلام والاحتجاج بصوت مرتفع؟ والجماعات المحلية؟ والغرف المهنية؟… هذا على فرض أن شروط النزاهة والديمقراطية والحرية قد توافرت، وإلا فإن مختلف القرائن اليوم تشهد بأنه من المستحيل تحقيق شيء لصالح حقوق الإنسان وحرياته في ظل سيادة دولة الجبر والتعليمات، حيث السلطات المطلقة مركّزةٌ في يد واحدة لا يمكن محاسبتها أو مراقبتها أو مراجعتها…

ويمكن تعليل إحجامنا عن المشاركة في الانتخابات بأربعة أمور على الأقل:

* أول هذه الأمور أن الانتخابات، في ظل النظام السياسي القائم في بلادنا، لا يشارك فيها إلا من حظي، بشكل من الأشكال برضا الدولة المهيمنة، وقبل، صراحة أو ضمنيا، بأن يلعب وفق الشروط والقواعد التي يمليها النظام من فوق والتي تكرّس مبادئ الاستبداد وترسخ أساسات دولة الجبر والتعليمات كما يرسمها الدستور الممنوح، وكما تقررها القوانين المكتوبة والقوانين العرفية. وجماعة العدل والإحسان، بطبيعتها ومبادئ منهاجاها، أبعد من أن تشارك في هذه الأجواء الملوثة وتخوض في هذه المياه العكرة.

* ثانيها أن مشاركتنا ستزكي النظام السياسي العام الذي نعتقد أنه نظام قائم في أساسه على أصول وأعراف وموروثات تناقض مبادئ الحريات والحقوق الإنسانية. إن الرابح الوحيد من الانتخابات التي تجري في بلادنا بالصورة المعروفة هو النظام المخزني. فهذا النظام يحرص كل الحرص على أن تجري لعبته الديمقراطية وفق القواعد التي سطرها بيده، وفي حدود الشروط التي وضعها من عنده وفرضها على جميع المشاركين، وذلك كلُّه من أجل أن تصب نتائج اللعبة في النهاية في رصيده السياسي. إن المشاركة في هذه اللعبة بهذا الشكل هو-في اعتقادنا- مشاركةٌ-واعية أو لاواعية-في تقوية دولة المخزن والتعليمات على حساب دولة القانون والمؤسسات.

* ثالث هذه الأمور هو أن الفائز أو الفائزين في هذه الانتخابات-إن سلمت من الغش والتزوير-سواء كانوا في البرلمان أو الحكومة أو المجالس المحلية، لن تكون بيدهم، حسب الدستور والقوانين المكتوبة والعرفية التي تحكم حياتنا السياسية، أية سلطات فعلية لتطبيق برامجهم-إن كانت لهم برامج- بل سيكونون في أحسن الأحوال منفذين للسياسات التي تحددها خطابات الملك وتوجيهاته وتعليماته. فلماذا، إذا، التنافس في الانتخابات؟ وفي أي شيء يكون إدلاء الناخبين بأصواتهم؟ بل لماذا وجود الأحزاب السياسية ابتداء؟

* ورابع هذه الأمور أن الانتخابات عندنا، أي في ظل نظام سياسي يجعل بيد الملك مطلق السلطات والصلاحيات، وفي وسط شعب أكثر من نصفه يعاني الأمية الأبجدية فضلا عن الأمية السياسية التي تفشو في شرائح واسعة من النخب والأطر المتعلمة، وفي أجواء طالما طبعها الإرهاب المخزني الذي تجسده رموز السلطة من أسفل السلم إلى أعلاه-الانتخابات في هذه الظروف والشروط هي، بمعنى من المعاني، عبارة عن تنشيط لسوق الكذب والاحتيال بلحن القول وشراء الذمم والنعرات القبلية والحزازات الحزبية، حيث تطغى الأنانيات وتسود الأهواء وتضيع المصالح العامة. ولنا في أربعين سنة من التجربة عبرٌ إن كنا نعتبر.