مفهوم المشاركة السياسية

عرف مفهوم المشاركة السياسية دلالات متعددة اختلفت باختلاف الزمان والمكان والنمط الحضاري السائد. أما في الوقت الحاضر فهناك شبه إجماع على تعريف موحد، وإن كان الاختلاف كبيرا حول مضامين هذا التعريف.

هناك من يعرف السياسة بأنها “علم حكم الدول”، وهناك من يرى أنها “فن حكم المجتمعات الإنسانية”، وهناك من يعرفها بأنها “فن قيادة الجماهير”.

من خلال مجموع هذه التعاريف نستنتج أن هناك اتجاهين في تحديد مدلول العمل السياسي، الاتجاه الأول يربط السياسة والعمل السياسي بالدولة، حيث الحرص على الوصول إلى المؤسسات وتسييرها، وهكذا فغاية العمل السياسي هي الوصول إلى الحكم، وبالتالي فنجاح العمل السياسي مشروط بذلك. أما الاتجاه الثاني فيربط مفهوم السياسة والعمل السياسي بالمجتمع ولو دون الوصول إلى الحكم، حيث الهدف هو التأثير في المجتمع من خلال تحويل سلوك أفراده، وصناعة رأي عام وسطهم، وكذلك الضغط على السلطة والتأثير في المجتمع، وضمنه الحاكم، في اتجاه إصلاح أحوال البلاد والعباد. وهذا أمر ليس مقترنا دائما بالوصول إلى السلطة، فقد يتم ذلك ولكن لا يتم تغيير الأوضاع، وهذا حال مجموعة من الدول، حيث إن الحكومة لا تملك من السلطة إلا شكلها. وهذا ما يؤكده أكبر الباحثين في العلوم السياسية؛ فالباحث صمويل هانتنكتون يعرف المشاركة السياسية بأنها: “ذلك النشاط الذي يقوم به المواطنون العاديون قصد التأثير في عملية صنع القرار الحكومي، سواء أكان النشاط فرديا أم جماعيا، منظما أم عفويا، متواصلا أم متقطعا، سلميا أم عنيفا، شرعيا أم غير شرعي، فعالا أم غير فعال”. ويعرفها كذلك مايرون وايتر بأنها “تعني أي فعل طوعي، ناجحا كان أم فاشلا، منظما أم غير منظم، عرضيا أم متواصلا، مستخدما وسائل شرعية أم غير شرعية، القصد منه التأثير في انتقاء السياسات العامة وإدارة الشؤون العامة واختيار القادة السياسيين على أي مستوى حكومي محليا كان أم وطنيا”.

المشاركة السياسية، إذا، شكل من أشكال العمل يلجأ إليها الأفراد أو الجماعات للتعبير عن مطالبهم والسعي إلى تحقيقها، والتأثير في نظام الحكم القائم؛ أما طريقتها فمتروكة لاجتهادهم حسب معطياتهم، وبنية النظام الذي يحكمهم، والقوانين التي تنظم الممارسة في بلدانهم. ومن أهم الأشكال التي تتخذها هناك العملُ الحزبي، واللوبي أو ممارسة الضغط على النظام السياسي، والعنف، ورفض الاندماج في المؤسسات القائمة مع التعبير عن ذلك بالوجود الفعلي في المجتمع…والمهم هو ألا يدخل هؤلاء في خيار المقاطعة الذي يعني الانعزال عن المؤسسات والمجتمع.

وبالرجوع إلى منهاج جماعة “العدل والإحسان” نجد أن هناك رفضا مبدئيا لأسلوب المقاطعة بمعنى الانعزال، وذلك انطلاقا من تفسير واقع المجتمع بأنه مفتون، كما يتضح ذلك من خلال الممارسة اليومية للجماعة طيلة تاريخها حيث هناك الحرص على تغطية كل المجالات والوجود اليومي مع الشعب في معاناته ومعايشة آلامه. وتجسيدا لهذا المبدأ سعت الجماعة إلى العمل القانوني بتقديم طلب تأسيس جمعية سياسية في شتنبر 1982 ثم في أبريل 1983…

ولأن المشاركة وسيلة فقط لهدف أسمى هو الدفاع عن الإسلام، وخدمة مصالح المسلمين فإن اعتمادها مشروط بمدى تحقيقها لهذا الهدف، وإلا فلا فائدة ترجى من تسيير المؤسسات. فالله تعالى يقول {الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر}. فالله تعالى يوضح أن التمكين في الأرض وسيلة، أما الغاية فهي إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ونظرا لأن النجاح في الانتخابات لا يمكّن من ذلك في المغرب -طبعا حسب النظام السياسي السائد والقوانين المعمول بها، وكذلك حسب الأعراف التي كرّستها الممارسات المخزنية منذ عدة عقود- فإن الجماعة لا ترى الانشغال بالوسيلة عن الهدف.

على أن هناك مجموعة من المزالق فيما يرتبط بتبني هذا الخط لابد من التنبيه إليها:

1- في العلاقة مع السلطة السياسية: لابد من تجنب الاحتواء والتمييع.

2- في العلاقة مع الشعب:

* الحذر من التنازل عن بعض مطالبه بدعوى التأقلم مع الواقع أو غير ذلك من المبررات.

* الحذر من تغيير الخطاب الإسلامي إلى خطاب سياسي جاف.

3- في العلاقة مع الأحزاب: تجنب الذوبان، لأن الأصل هو الحفاظ على التميز.

4- في العلاقة مع الذات:

* تلبس الشأن الدعوي بالشأن السياسي.

* الحذر من فقدان الطبيعة الإسلامية.

* الحذر من امتصاص المؤسسات لجهود الحركة ونسيان هدف تبليغ الدعوة إلى عامة الناس.

مبررات المشاركة الانتخابية في الميزان

خلافا لموقف الجماعة الرافض للمشاركة في هذه الظروف، هناك من يدعو إلى المشاركة في الانتخابات مرتكزا في ذلك على مبررات شرعية وواقعية.

I- المبررات الشرعية: ويمكن اختزالها في:

1- ترجيح المصالح الموجودة على المفاسد الممكنة:

ويستدلون على ذلك بقول ابن تيمية، رحمه الله: “إذا اجتمع في الرجل الواحد خير وشر وطاعة وفجور ومعصية وسنة وبدعة استحق من الموالاة والثواب بقدر ما فيه من الخير، واستحق من المعاداة والعقاب بحسب ما فيه من الشر. فيجتمع في الواحد موجبات الإكرام والإهانة، فيجتمع له من هذا وهذا كاللص الفقير تقطع يده للسرقة ويعطى من بيت المال ما يكفيه لحاجته”. كما يستدلون بكلام آخر لابن القيم، رحمه الله: ” إن المشركين وأهل البدع والفجور والبغاة والظلمة إذا طلبوا أمرا يعظمون فيه حرمة من حرمات الله تعالى أجيبوا إليه وأعطوه وأعينوا عليه وإن منعوا غيرهم، ويمنعون مما سوى ذلك. فكل من التمس المعونة على محبوب لله تعالى مرض له، أجيب إلى ذلك كائنا من كان ما لم يترتب على إعانته على ذلك المحبوب مبغوض لله أعظم منه. وهذا من أدق المواضيع وأصعبها وأشقها على النفوس، ولذلك ضاق عنه من الصحابة من ضاق”.

2- ترجيح المشاركة متعلق بالسياسة الشرعية وليست من أصول الدين:

وهذا يعني أن شرعيتها تتقرر على ضوء الموازنة بين المصالح والمفاسد، ولهذا فكل ما يرفع أو يخفف الظلم والفساد مقبول شرط ألا يخرج عن قوانين الشريعة وأن تتحقق به المصلحة ويرتفع به الحرج.

3- ضرورة التمييز بين الأعمال التعددية والعادية:

يقول ابن تيمية “إن تصرفات العباد من الأقوال والأفعال نوعان: عبادات يصلح بها دينهم، وعادات يحتاجون إليها في دنياهم. فباستقراء أصول الشريعة نعلم أن العبادات التي أوجبها الله أو أحبها لا يثبت الأمر بها إلا بالتشريع. أما العادات فهي ما اعتاده الناس في دنياهم مما يحتاجون إليه، والأصل فيه عدم الحظر (..) ولهذا كان أحمد وغيره من فقهاء الحديث يقولون: “إن الأصل في العبادات التوقيف، فلا يشرع منها إلا ما شرعه الله تعالى. وإلا دخلنا في معنى قوله تعالى )أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله(، والعادات الأصل فيها العفو، فلا يحظر منها إلا ما حرمه الله، وإلا دخلنا في معنى قوله )قل أرأيتم ما أنزل الله لكم من رزق فجعلتم منه حراما وحلالا( ويقول في نفس السياق الإمام الشاطبي: “الأصل في العبادات والمقدرات التعبد، والأصل في العاديات الحكم والمقاصد”.

4- في ترجيح المشاركة تأس بالأنبياء والرسل:

وتدرج في هذا الباب أمثلة كثيرة مثل قبول يوسف عليه السلام المشاركة في حكم غير إسلامي ليحقق مصلحة للناس، وكذلك أمر الني صلى الله عليه وسلم بعض أصحابه بالهجرة إلى الحبشة لأن فيها ملكا لا يظلم عنده الناس، ومثل قوله صلى الله عليه وسلم في حلف الفضول “وأيما حلف في الجاهلية لم يزده الإسلام إلا شدة”.

5- الانعزال طبع مذموم:

فالذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم خير، وحتى إن كان موقف المقاطعة يليق بالمسلم العادي الذي يطلب السلامة الفردية لنفسه أو يقتنع بالورع. فإن ذلك لا يليق بالداعية.

ملاحظات على المبررات الشرعية:

1- أصحاب هذا الرأي يقعون في اضطراب منهجي حين يستشهدون بأدلة على ضرورة مخالطة المسلم والداعية للناس في حياتهم، لأن هذا أمر ليس حوله اختلاف، على الأقل في وقتنا الحاضر، ثم لأن مخالطة الناس ليس معناها فقط الوجود في المؤسسات، فالالتقاء بالناس ومعايشة همومهم والتواصل معهم ليس رهينا بهذه المؤسسات.

الملاحظ أن في هذا النوع من الخطاب استغفالا للناس، حيث يستشهد بأمر في غير محله. وهذا الكلام ينطبق على المبرر الخامس: الانعزال طبع مذموم.

2- أصحاب هذا الرأي يقعون في قياس خاطئ حينما يقيسون على بعض النماذج الرائدة، حيث إننا حين نتعمق في دراستها يتضح أن لا قياس مع وجود الفارق. وهذه بعضها:

أ- حلف الفضول: مبني على أساس العدل ونبذ الظلم، وهذا أصل من أصول الشريعة. بل إن الله ما أمر بشيء كما أمر بالعدل، ولا نحتاج إلى سرد الآيات والأحاديث في الباب.

ب- أمر النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه بالهجرة إلى الحبشة تم على أساس أن فيها ملكا عادلا لا يظلم عنده الناس.

ج- صلح الحديبية: إن النبي صلى الله عليه وسلم لم يتنازل في تلك الواقعة، ولكنه كان حريصا على التدرج في تبليغ كلمة الحق، فهو إن أمر عليا، كرم الله وجهه، بعدم كتابة اسم “باسم الله الرحمن الرحيم” و”من محمد رسول الله” فإنه لم يبدلها بألفاظ منكرة من قبيل باسم اللات أو العزى أو غيرها، لأن هذا تفوه بباطل، ولكنه استبدل بهما ألفاظا مقبولةً وحقيقية “باسمك اللهم” و”محمد بن عبد الله”، وهذا ينسجم مع القاعدة الدعوية” التدرج في قول الحق وعدم التفوه بباطل”، وعلى دعاة المشاركة أن يثبتوا بطلان هذه القاعدة، وإلا فحجتهم واهية وكلامهم مردود.

إن هذا أمر مقبول في هذه الحالة، لكن جوهر ممارستهم وصريح خطابهم قائم على الإقرار بالمنكر وتزكيته ومدح الظالمين وتحسين صورتهم.

د- قبول سيدنا يوسف، عليه السلام، العمل من خلال حكم غير إسلامي كان على أساس أن السلطة الفعلية في يده، أو على الأقل كان بإمكانه التأثير في مجريات الأحداث، وهذا ما بدأ الله تعالى به القصة: )قال اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم(وبعدها مباشرة بين الله تعالى المكانة التي صار يحظى بها )وكذلك مكنا ليوسف في الأرض يتبوأ منها حيث يشاء(، بل إن الله تعالى أعطانا المثال من خلال حكايته مع إخوته ليبين لنا سبحانه وتعالى أنه صار يتصرف في الحكم، فهو الذي يعطي الكيل، وقد يوفيه، وقد يمنعه )ألا ترون أني أوفي الكيل وأنا خير المنـزلين. فإن لم تاتوني به فلا كيل لكم عندي ولا تقربون(.

فقبول المشاركة كان على أساس أن بيده سلطة فعلية، أما دعاة المشاركة الانتخابية، وحتى بعد نجاحهم ـ وهذا شيء غير محسوم فيه ابتداء& -لا يتوفرون على أية سلطة تمكنهم من التأثير في صنع القرار.

3- جلب المصلحة ودرء المفسدة يقاسان من خلال الوقائع والأمثلة، ولهذا يجب توضيح هذه المصالح والمفاسد والموازنة بينهما ليتم الترجيح على هذا الأساس، فلا ينبغي أن يكتفى بترديد قاعدة لا يختلف أحد حول صحتها، بل إن اختلاف الموقف ناتج عن إعمال المختلفين لهذه القاعدة، ولكن ينبغي التدقيق في جوهر المشكل، ويتمثل في الاستنتاج حيث إن هناك من يرى رجحان كفة المصالح، وهناك من يرى العكس.

4- المشاركة أو عدمها ليست غاية ولكنها مجرد وسيلة، ولذلك ينبغي تعميق النقاش حول الأهداف التي يمكن أن يحققها كل أسلوب على حدة. وذلك بالإجابة عن سؤال:

كيف يخدم كل أسلوب الإسلام؟. وكيف يعود بالنفع على المسلمين؟.

II- المبررات الواقعية: يجملها دعاة المشاركة في:

1- عدم إخلاء الساحة للغير: حيث إن الانعزال عن الحياة السياسية يترك فراغا لا يستفيد منه إلا أعداء الإسلام.

2- تجنب عقلية الاصطدام مع الحكام.

3- إدخال الطمأنينة على النخب المثقفة.

4- محاربة اليأس لدى المواطنين.

5- التواصل مع الشعب دون وسائط.

6- تكوين الأطر لمستقبل الدولة الإسلامية.

7- تجنيب البلاد دوامة العنف.

8- إدخال الجدية على الحياة السياسية.

ملاحظات على المبررات الواقعية:

نفس الملاحظات السابقة صالحة، حيث هناك خلل منهجي في توظيف مفهوم المشاركة في غير محله، وهناك الاستشهاد بأدلة والتدرع بمبررات يحاول دعاة المشاركة الانتخابية حصر فوائدها في هذا الخيار فقط. ويمكن أن ندرج هنا:

1- التواصل مع الشعب دون وسائط: حيث يمكن أن نتساءل: ما هي الواسطة التي تلغيها المشاركة؟! أو ما هو الامتياز الذي تضيفه المشاركة في التواصل؟ هل هو مخاطبة الشعب من البرلمان أم ماذا؟

2- تجنيب البلاد دوامة العنف وتجنب الاصطدام مع الحكام وإدخال الطمأنينة على النخب وتكوين الأطر لمستقبل الدولة: هذه أهداف يمكن بلوغها بدون المشاركة في الانتخابات، لأن الضامن لذلك هو عمل الجماعة وخطابها وسلوكها ومواقفها، والتربية والتعليم اللذان يتلقاهما أعضاؤها، ومدى امتلاكها لمشروع واضح. بل إن العكس قد يحصل من خلال المشاركة حيث تكون المشاركة وبالا على الحركة الإسلامية.

3- إدخال الجدية على الحياة السياسية: هذا أمر لن يتم إلا إذا دخلت الحركة الإسلامية من موقع مؤثر، وأتيحت لها الفرصة. وهذا للأسف غير متاح لأي طرف سياسي. وإلا فما هي حصيلة تجربة الأحزاب كلها في المغرب؟.