صدر مؤخرا ما يسمى بـ”التقرير الاستراتيجي للمغرب 2000/2001″ عن مركز الدراسات والأبحاث في العلوم الاجتماعية الذي يديره الوزير عبد الله ساعف الكادر في الحزب الاشتراكي الديمقراطي، وقد روج له الإعلام أيما ترويج. و”التقرير” يزعم أنه يرصد الوضعية المغربية في مجالات متنوعة.

وأنت تطالع صيغة العنوان يتبادر إلى ذهنك ما يمكن أن يؤدي من مضامين تحاكي ما هو معروف لدى مراكز إقليمية وعالمية تتحرك تحت عناوين مشابهة. لكن تكون الصدمة والمفاجأة عندما تتفحص محتوياته، لتجدها لا هي إلى التقرير أقرب ولا هي إلى الاستراتيجيا أميل. وهذا لا يعني فقط “التقرير” الصادر هذه السنة وإنما يتعداه إلى جميع “التقارير” السابقة.

إن مصطلح التقرير يعني تثبيت المعلومات بما يلزم من إحاطة وشمول وموضوعية ودقة في الوصف. كل هذا لا تجد له رائحة ولا أثرا في “التقرير الاستراتيجي”، خاصة في المحور الداخلي. وسأكتفي هنا ببعض الأمثلة الدالة:

في مبحث “الفاعلون السياسيون” نجد التقرير استعرض الهيآت التالية: الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، حزب الاستقلال، حزب التقدم والاشتراكية، جبهة القوى الديمقراطية، منظمة العمل الديمقراطي الشعبي، اليسار الجديد، حزب العدالة والتنمية وحركة التوحيد والإصلاح.

فحصر اللائحة بهذا الشكل يطرح سؤالا مشروعا وهو ما معنى الفاعلية لدى أصحاب “التقرير الاستراتيجي” الذي بموجبه يحددون اللائحة؟ إن كان الفعل بمعنى ما يترتب عليه من آثار فنجد أن آثار حركات لم تشملها اللائحة كانت هي موضوع الساحة السياسية خلال سنة 2000/2001، وبالمقابل، ودائما بمعيار التأثير، نجد أن بعض من تشملهم اللائحة لا أثر لهم يُرى أو يذكر.

لماذا إذن تعسف “التقرير الاستراتيجي” في إقصاء مجموعة من الحركات، وعلى رأسها جماعة العدل والإحسان، التي لا يمكن لأحد، إلا “التقرير الاستراتيجي” فقد استطاع، أن ينكر أن فعلها تجاوز، خاصة في سنة “التقرير” 2000/2001، التأثير إلى حدود هيمنة أخبارها وصداها على كل وسائل الإعلام الداخلية والخارجية؟ إلا إن كان معنى الفاعلية لدى أصحابنا هو الوجود في الحكومة، ومناصرتها أو القرابة مع من يوجد فيها، وأظن أن هذا لم يقل به مفكر في علم السياسة إلا فقهاء المخزن. والتقرير في هذا ينسجم انسجاما تاما مع الحدود التي ترسمها وزارة الداخلية لمن يسمح له بالفعل من غيره.

ويزداد الأمر انفضاحا عند التطرق لموضوع العمل الجمعوي. فنجد “التقرير الاستراتيجي”، بعد حديث عابر عن الجمعيات، لا يذكر بالاسم إلا جمعيتين، وتزول الغرابة عند معرفة هاتين الجمعيتين والغرض من ذكرهما: الأولى جمعية “بدائل” لأنها، حسب ما ورد في “التقرير”، رأت بأنه “إذا كان التناوب التوافقي يمثل مبادرة في مسلسل التغيير الإيجابي الذي يعرفه المغرب، هناك جوانب أخرى تستدعي التخوف: صعوبة إعادة الثقة وتأهيل المقاولة المغربية، موقف بعض الاتجاهات المتطرفة واتباعها أساليب لا ديمقراطية، الصعوبات التي تواجهها الأحزاب الوطنية في تخطيط استراتيجية دينامية لمواجهة بعض المنظمات الماضوية أو الهامشية”. والثانية “منتدى جمعيات آباء وأولياء التلاميذ” والمقصود هنا ليس الجمعية لذاتها وإنما لتبعيتها لوزارة السيد ساعف. وقد جاء ذكر الجمعية في “التقرير” بالآتي: “من زاوية أخرى يمكن تسجيل بعض المجهودات الإضافية التي تحسب للعمل الجمعوي نذكر منها إقدام وزارة التربية الوطنية على تنظيم أول منتدى لجمعيات آباء وأولياء التلاميذ”.

فهل هذا هو العمل الجمعوي الذي نفرد له فصلا في “تقرير استراتيجي”؟ أين هي عشرات الجمعيات، النشيطة منها والممنوعة، وأبرزها جمعية “الاتحاد الوطني لطلبة المغرب” التي عرفت خلال السنة التي ادعى “التقرير” تغطيتها محاكمات بالجملة وصل ضحاياها إلى 126 معتقلا، أم أن تلكس الداخلية الشهير امتدت فاعليته إلى فضاء صفحات “التقرير” فكان المنع من الظهور فيها بعد تعذر الترخيص، أم لأن ثمة العدل والإحسان مرة أخرى.

قد يقول أصحاب “التقرير” إنه سبق الحديث عن العدل والإحسان والحركة الطلابية في تقارير سابقة. لكن، وبغض النظر عن المعلومات الواردة في الموضوع في هاتيك التقارير، فالسؤال مازال مطروحا وهو لم تم استثناؤها في هذا التقرير؟ أترك لهم الجواب مرجحا “سقط سهوا”، أم أن هناك ملفات تضمنها “التقرير” ذات أولوية، وربما كانت هي الداعي للترويج الإعلامي الواسع له، ومنها ملف الصحراء، فيكون العذر أكبر من الزلة؛ فكما استغلت القضية الوطنية في سنين خلت لإقبار تنظيمات سياسية وتركيع أخرى، فها هي ذي تستغل لإقصاء هيآت وتنظيمات من التقرير، وقد تكون هي المدعاة لعدم إيلاء الإعلام أهمية لمنـزلقات “التقرير” وهذا مما لا ينبغي.

كان لابد من هذا الإسهاب وإلا فيكفيني قولا في “التقرير” أنه عبارة عن تقارير داخلية للهيآت المذكورة فيه. وعدد من الأسماء الواردة في لائحة كتاب مواده، وعلى رأسها السيد الوزير، والمعروفة بانتماءاتها، كافية لتوقع مدى نسبة الموضوعية في المقاربة.

ركزت على محور “الوضع الداخلي” في شق الفاعلين فيه لأن فعل الفاعل السياسي والجمعوي هو الذي ينعكس على كافة المجالات الأخرى سلبا أو إيجابا. وإذا مورس الإقصاء في حق فاعلين حقيقيين فلن نبقى إلا أمام فعل فاعل واحد وهو المخزن، وأفعاله هي المهيمنة على المجالات الأخرى ومنها التي مررت تحت عنوان النشاط الحكومي أو باسم الأرقام الاقتصادية والثقافية أو العلاقات الخارجية.

أما الحديث عن “الاستراتيجيا” فأجدني في غنى عنه لأن فحوى الكتاب، ببساطة، لا علاقة له بالاستراتيجيا بتاتا. فالاستراتيجيا جوهرها التوقع، ولم نجد في “التقرير” توقعا إلا عبارات فضفاضة في خاتمة الفصول لا تستند إلى آليات التوقع من قبيل عبارة “أمام هذا المشهد نطرح السؤال الذي يمكنه أن يجيبنا عن هذا الوضع: كيف يمكن أن نصنع وحدة في ظل هذا التنوع؟” أو خلاصة “إلا أن موسم 2001-2002 سيكون ولاشك موسما مغايرا بالنسبة للحزب، لاسيما وهو موسم انتخابي بامتياز، سيفرض على الحزب تأهيل بنياته وبلورة برامج تناسب هذا الموسم، وهو ما يشكل تحديات ضاغطة على هذا الحزب” أو توقع “ستكون سنة 2001 سنة متوسطة يمكن أن تشكل بداية لانطلاقة جديدة إذا ما استثمرت المكاسب وتم وضع استراتيجية حقيقية للنمو الاقتصادي” أو استنتاج “لقد أبان العمل الجمعوي عن قدرته على التعبئة وعلى اختراق مجالات غير مفكر فيها. والجمعيات مرشحة للضغط في الاتجاه”.

إنها عبارات كاستدراكات هيآت تحرير الجرائد لحظة الإغلاق، أما حظ التوقع فيها فهو أشبه بالوحم.

انطلاقا من المنـزلقات المذكورة فلا إحاطة موجودة ولا موضوعية مراعاة ولا دقة معتبرة، فلا تقرير هناك إذن.

ولربما يضيع الأمر بين التعسف وعدم المساعفة لساعف وأصحابه وإملاءات (هم يقولون إكراهات) التكتيك الذي لن يسعف في حجب الشمس بالغربال، فهلا من إسعاف !؟