الانتخاب عملية ذات تقنيات خاصة يراد من إجرائها ممارسة الشعب لسيادته والتعبير عن إرادته في اختيار من يمثله وينوب عنه لمحاورة السلطة التنفيذية، أو لاختيار من يتولى مركز الحكم، أو لاختيار نص، وهو نمط لتداول السلطة، وآلية من آليات الديمقراطية التي تعارفت عليها البشرية منذ القدم؛ ويرتكز على اختيار يجري بواسطة تصويت أو اقتراع؛ وهو أحسن ما توصلت إليه البشرية لاحترام إرادة المواطنين في ظل تعذر الوصول إلى نموذج الديمقراطية المباشرة، ولهذا يأتي الانتخاب الذي يمارسه المواطنون لاختيار ممثلين يمنحونهم الجزء الذي يحوزونه من السيادة ليمارسوه نيابة عنهم. وهذا هو المعنى العميق والجوهري للانتخاب، ولذا يجب استحضاره دائما والتذكير به: المواطن يعطي جزءا من سيادته إلى منتخب ليمارسها نيابة عنه.

إن عملا بهذه الأهمية، وبهذه المكانة يلزمه توفر مجموعة من الشروط الأساسية، تجعله يؤدي المطلوب منه -نعيده ونكرره ولا نمل من ذلك- وهو تعويض فشل التجربة الإنسانية في التوصل إلى طريقة عملية تمكن جميع المواطنين من ممارسة سيادتهم، وأهم هذه الشروط:

1- أن تجسد الانتخابات إرادة المواطنين، وتعبر عن رغبتهم: وفي هذا مجالان، يتعلق الأول بنـزاهة الانتخابات، والثاني يرتبط بالسعي إلى إبداع تقنيات للاقتراع تقرب من تحقيق هذا الهدف، ولهذا نجد هناك أنماطا كثيرةً من الاقتراع.

2- أن يتوفر المرشحون على الأهلية التي تجعل الانتخاب عملية ذات جدوى، ونقصد بذلك الجانب المعرفي والنـزاهة والتجربة والبرامج وغيرها من شروط الأهلية، لأن الانتخاب يتطلب ترجيحا، والترجيح لا يكون إلا إذا كان هناك فرقاء.

3- أن توجد البيئة الملائمة: ويقصد بها القوانين والمؤسسات.

4- أن تبقى الكلمة الأخيرة للمواطنين.

إن توفر هذه الشروط أساسي لنجاح الانتخاب، وغيابها يجعل العملية مجرد شكليات تفقد مقوماتها والأساس الذي وجدت من أجله.

1ـ واقع الانتخابات في المغرب

عرف المغرب منذ مطلع الستينات مجموعة من التجارب الانتخابية، لم تكن لها في الحقيقة أي علاقة بالانتخابات باعتبارها تلك الآلية الديمقراطية التي اختارتها البشرية أداةً للتعبير عن السيادة، بل كانت مجرد عملية لتزيين الواجهة والتمويه على الرأي العام الدولي وامتصاص مطالب الفاعلين السياسيين، ويؤكد ذلك مجموعة من العوامل نوجزها في:

I/ طريقة دسترة الحياة السياسية: فالدستور الذي يحكم البلاد، والذي تتفرع عنه كل القوانين، والذي ينظم عمل المؤسسات ويحدد الاختصاصات، موضوع بطريقة متخلفة، وعليه مجموعة من المؤاخذات وهي:

1- الطبيعة غير الشعبية لإقرار الدستور: فهو يدخل في خانة الدساتير الممنوحة، تم إعداده من طرف الملك ومستشاريه، وروجت له وسائل الإعلام الرسمية دون أن تفسح المجال لأي رأي مخالف، وسخرت له السلطة كل إمكانياتها بما في ذلك ردع المخالفين والحيلولة بينهم وبين التعبير عن آرائهم. ولهذا فهو دستور تم إقراره بطريقة غير شعبية، ولا يترجم إلا تصور السلطة للحكم.

2- الفصل الوهمي للسلط: فالدستور المغربي لا يعرف فصلا للسلط، حيث هناك تركيز لها في يد سلطة واحدة، هي منبع السلطة القضائية والتشريعية والتنفيذية. ولا نريد الإطالة في هذا الباب لأن النصوص الدستورية شاهدة على ذلك ولا يمكن إنكارها؛ ثم إن الممارسة السياسية تؤكد ذلك، حيث يتم بين الفينة والأخرى إحداث لجان تستحوذ على اختصاصات كل من الحكومة والبرلمان (التعليم، الصحراء، المرأة، الانتخابات، الاستثمار، العمل الاجتماعي…)، وتصدر تعليمات وأوامر تحدد السياسات العامة وتلزم الحكومة والبرلمان بالامتثال لها، ونورد قولتين للملك الراح تعبران عما قلناه؛ قال أثناء استقباله للنواب الأحرار في نونبر 1981: “لقد حاولنا أن نعمل على أن لا يكون على مستوانا فصل للسلط، فالمغاربة جميعا يجب أن يكونوا تحت أمير المؤمنين واللجوء إلى تحكيمه”، و قال عند افتتاح مجلس النواب في أكتوبر 1987: “ليس هناك فصل للسلط على مستوى الملك”.

إن غياب فصل السلط يجعل الانتخابات عملية غير ذات جدوى. فما فائدة انتخاب ممثلين يمكن الاستغناء عن خدماتهم في أي لحظة، وتفويض صلاحياتهم لأجهزة معينة وفق رغبة الحاكمين؟

3- ضعف الطابع المؤسساتي فيما يخص الأجهزة والمؤسسات: وهذا راجع إلى تجميد بعض المؤسسات، وعدم استقلالية بعضها، وتقزيم اختصاصات بعضها الآخر، وأهم هذه المؤسسات الحكومة والبرلمان، فالحكومة حسب النص الدستوري لا تضع السياسة العامة ولكنها تقتصر على تنفيذها (ف 61)، والأمور الأساسية تتداول في المجلس الوزاري الذي يترأسه الملك (ف 25) ولا يمكن إيداع أي مشروع قانون بمكتب أي من المجلسين (النواب أو المستشارين) قبل المداولة بشأنه في المجلس الوزاري (ف 62)؛ أما البرلمان فعمله مقيد بمجموعة من القيود، حيث يمكن للملك حله في أي وقت (ف 27)، وللملك حق طلب قراءة ثانية للنصوص التي يقرها البرلمان (ف 68)، والخطاب الملكي أمام البرلمان لا يخضع للنقاش (ف 28) فأي جدوى للانتخاب، إن كان سيفرز أجهزة لا سلطة لها.

ثم هناك شخصنة السلطة: أي أن الشخص هو السلطة وليس المؤسسة.

II/ غياب بيئة الانتخاب: يشكل الانتخاب آلية من آليات الديمقراطية، وهذه الأخيرة لا يتصور أن توجد إلا في بيئة تتوفر فيها شروط نجملها في:

1- توفر حد أدنى من ظروف العيش الكريم: وهذا أمر مهم، وضمانة أساسية ليعبر الانتخاب عن إرادة الشعب الذي لا يكون محكوما بأية إكراهات مادية قد تضطره إلى بيع إرادته مقابل مبلغ مادي يسد به رمقه، أو امتياز يحصل عليه.

إن الإحصائيات تؤكد أن قضايا الفقر في المغرب لا تزال في الواجهة حيث أن 15% من الساكنة لا يستطيعون حتى تلبية حاجياتهم الأساسية، و57% منهم لا يتوفرون على الكهرباء، و97% لا يستفيدون من العلاجات الطبية، و10 ملايين مغربي يعيشون فقرا مدقعا بأقل من عشرة دراهم يوميا، وثلاثة أرباع المغاربة العاملين لا يحصلون على الحد الأدنى من الأجور، وأحياء الصفيح صارت مسكنا طبيعيا لعدد كبير من المغاربة، والبطالة في تصاعد هائل…

2- غياب الحرية: ويتجلى ذلك:

* في المحاكمات العديدة لأصحاب الرأي المخالف.

* ابتزاز المواطنين بجعل الحصول على الوثائق الإدارية رهينا بالتصويت.

* سيطرة الهاجس الأمني على سلوك السلطات: المفروض في دولة متخلفة كالمغرب أن تكون ميزانية الوزارات ذات البعد التنموي أكثر من ميزانية الوزارات ذات البعد الأمني، لكن العكس هو الحاصل، فالداخلية تبقى دائما أم الوزارات.

* حرمان أصحاب الرأي المخالف من وسائل الإعلام.

* إجبار رجال السلطة للعديد من المواطنين على التصويت: خاصة في القرى.

3- انتشار الأمية: حيث أن أزيد من نصف السكان يعانون من الأمية، وتصل في القرى إلى 80% أحيانا، وهذا ما يجعل شريحة هامة من المواطنين عرضة للتأثر بأجواء الدعاية الرسمية.

هذه كلها عوامل تجعل المواطنين فاقدي السيادة، مستعدين لإعطاء صوتهم بأي ثمن، أو تحت الضغط، أو بسبب التغرير، وبالتالي فلا جدوى للاقتراع في هذه الظروف.

إننا نؤكد على أهمية هذه الشروط، لأن الانتخابات قد تكون نزيهة، لكنها لا تعكس إرادة الشعب الذي قد يمنح صوته بدون رضاه. والقانون مهما تطور لن يسد كل الثغرات، وهذا الكلام يزداد تأكدا في ظل اليأس من جدوى هذه العملية الانتخابية ويقين المواطنين من عدم قدرة المنتخَب على تغيير وضع مصنوع، وخريطة مطبوخة، ولذا يفضل الفوز بمبلغ مادي أو الاستفادة من امتياز…

III/ عدم حياد الإدارة: ويتجلى ذلك في كل مراحل العملية الانتخابية (التقطيع الانتخابي – التسجيل في اللوائح الانتخابية – التصويت – فرز الأصوات – الإعلان عن النتائج)، ويتخذ عدم الحياد شكلين:

– تدخل الإدارة للتأثير في النتائج.

– سكوت الإدارة عن مظاهر الفساد وغض الطرف عن المفسدين.

IV/ غياب تعددية حقيقية، وهي تعني في عمقها تعددية الأفكار وتنوع التوجهات، وعدم إقصاء أي وجهة نظر، وفتح المجال لكل الأطراف لتساهم في صنع القرار من موقعها وحسب تصورها.

إن المغرب لا يعرف -في حقيقة الأمر- سوى تعددية تنظيمية تجسدها أحزاب متعددة تتشابه في أفكارها، وطرق تدبيرها، وإن حاولت التمايز في شعاراتها ومرجعياتها (ليبرالية، اشتراكية…) لأن الأساس الذي يستند عليه للتمييز بين الأحزاب هو البرامج، والتجربة أثبتت أن الأحزاب المغربية ذات برامج متشابهة، وكلنا يتذكر تبادل التهم بين كل الأحزاب حول سرقة البرنامج الانتخابي بعدما اتضح أن نفس البرنامج يتداوله الجميع.

كما أن واقع الحال أثبت أن كل حزب تولى المهمة الحكومية يجسد الاستمرارية، ولا يتميز عن الآخر سواء من حيث الأهداف أو الطريقة.

إن فعالية العملية الانتخابية رهينة بالتنافس، والتنافس مشروط بوجود فرقاء متمايزين، ووجودهم لن يتم إلا بفتح المجال لتعددية حقيقية يسمح بموجبها لكل وجهات النظر بالتعبير والتواصل مع الشعب.

V/ ضعف الفرقاء السياسيين: حتى الأحزاب الموجودة، وعلى علاتها، غير قادرة على منح الانتخابات المصداقية والجدوى، ويمكن أن نلمس هذا من خلال عدم فعاليتها لأسباب عديدة نذكر منها:

* النخبوية: وهنا يمكن أن نتساءل عن حجم الوجود الجماهيري لهذه الأحزاب، حيث يثبت الواقع نخبويتها.

* الموسمية: وهذا مؤشر آخر يعكس مدى ابتعاد أغلب الأحزاب عن وظيفتها الأساسية، وهي تأطير المواطنين، وانقلابها إلى أحزاب انتخابية، حيث إن أنشطة الأحزاب قليلة، بل إن مقرات العديد منها لا تعرف الرواج إلا قبيل المواسم الانتخابية، بل إن أحزابا لا تُعرف لها مقرات أصلا، في بعض المناطق، إلا في موسم الانتخابات.

* ضعف الالتزام السياسي: ويمكن أن نلمس هذا من خلال:

– غياب الديمقراطية الداخلية.

– نسبة حضور المتحزبين في الأنشطة الحزبية.

– التزام الأعضاء بتوجهات الحزب: وما يعرفه البرلمان من انتقادات خير مثال، أما عن تغيير الانتماء أثناء الحملات الانتخابية فحدث ولا حرج.

VI/ ترسانة قانونية هشة: ويتجلى هذا في عدم قدرة النصوص المؤطرة للمسلسل الانتخابي على الحد من ظاهرة التزوير والغش والتلاعب بالنتائج، ونذكر بعض الثغرات على سبيل المثال:

* عدم تعميم البطاقة الوطنية، مما يجعل إثبات الهوية مدخلا للتزوير أمام احتمال الإدلاء بأوراق تعريفية أخرى.

* عدم اعتبار البطاقة الوطنية بمثابة بطاقة للناخب مما يفتح المجال للتلاعب ببطائق الناخبين.

* اعتماد أوراق تصويت متعددة، وهذا يضرب سرية الاقتراع، لأن هذا التعدد يمكن من الاطلاع على حقيقة تصويت المنتخِب. والتجربة أثبتت أن هذا الشكل يشجع على المساومات وإكراه المنتخِبين على التصويت لفائدة مرشح معين مقابل مبلغ أو امتياز أو غير ذلك من الاغراءات.

* اعتماد الألوان عوض الرموز.

* عدم اتخاذ العقوبات الزجرية اللازمة ضد مستعملي المال والمزورين، فأحيانا يصدر قرار المجلس الدستوري بأن الانتخابات زورت، ولا يتجاوز ذلك ليبحث فيمن زور، وكيف زور، وجزاء المزور، والمساعدين على التزوير ، الأمر الذي يجعل إمكانية العود واردة، وتفاقمها محتملا في غياب تحصين العملية الانتخابية.

* عدم إحداث هيئة وطنية مستقلة تشرف على الانتخابات.

* اعتماد نظام للاقتراع ثبت فشله وعدم جدواه في فرز أغلبية منسجمة.

* اعتماد تقطيع انتخابي لا يخضع لقانون أو لمعايير موضوعية، ولكنه موضوع حسب مزاج السلطة وهواها.

* عدم اعتماد المداد رغم أن التجارب أثبتت أن العديد من المواطنين يصوتون أكثر من مرة.

* ضعف أداء القضاء الدستوري حيث إن الفصل 34 من القانون التنظيمي رقم 23-29 المتعلق بالمجلس الدستوري ينص على أن المجلس لا يبث في الطعون الانتخابية إلا إذا كانت القضية جاهزة، وليس هناك وقت محدد لذلك، والتجارب أثبتت أن هناك قضايا تبقى عالقة بالمجلس لسنوات عديدة دون أن يبث فيها.

* مقابل غض الطرف عن المزورين، وعدم اتخاذ العقوبات الزجرية ضدهم، لم يفلح القانون الانتخابي إلا في تجريم دعاة مقاطعة الانتخابات. رغم أن هذا أمر لا يقبل إلا في حالة مشاركة الجميع في صناعة قواعد اللعب. أما أن يصنعها طرف يجبر الآخرين على الخضوع لها فهذا مناف لأبسط قواعد الديمقراطية، لأن هذا الطرف يحكم آنذاك على رجاحة رأيه وصحة تحليله، وهذا ادعاء باحتكار الحقيقة. وهذا أخطر شيء على البلد. لأن فيه إقرارا بأن ما يوجد هو الصحيح ومن أراد معارضته فمن الداخل فقط.

VII/ غموض قواعد اللعبة: ويتجلى ذلك في:

* تحديد تاريخ الانتخابات: فكيف يعقل أن حزبا رئيسيا في الحكومة يطالب بتحديد تاريخ الانتخابات؟ إلى من يطلب؟ ومن سيحددها؟ وما هو دور الحكومة إذن؟

* التماطل في سن التشريعات: – عدم تقديم مدونة الانتخابات إلى البرلمان.

– عدم فتح المجال لاستشارات قبلية واسعة تشمل كل الفاعلين السياسيين.

– تصريحات متذبذبة، حيث يتم التصريح أحيانا بأن هناك مشروع جاهز لا ينتظر إلا عرضه على البرلمان، وأحيانا أخرى يصرح بأن المدونة السابقة مازالت صالحة ولا ينقصها إلا تعديلات طفيفة.

– تردد في مراجعة ظهير الميثاق الجماعي (شتنبر 1976).

* الخضوع لتوازنات موضوعة سلفا: وإلا كيف يفسر التغيير الحاصل في الأصوات التي حصل عليها حزب الاستقلال في انتخابات 97، حيث هناك فرق كبير في الأصوات التي حصل عليها بين الانتخابات الجماعية والانتخابات التشريعية في نفس السنة.