– نستهل هذا الحوار بالتوجه إلى الله تعالى سائلينه عز وجل أن يمن عليكم بالصبر والثبات، وأن يفرج عن هؤلاء الأبطال المعتقلين ظلما وعدوانا في القريب العاجل.

نود في البداية أن نعرف القراء الكرام بنفسك ومحيطك العائلي وابنك المعتقل.

– بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على حبيبنا رسول الله.

أشكركم على اهتمامكم هذا بأبنائنا المعتقلين الصامدين، وهو اهتمام لمسناه منذ أن زج بابني في المعتقل، فالحمد لله.

اسمي محمد حيداوي من مواليد 1940 بكلميمة إقليم الراشيدية، أب لأربعة أولاد، أكبرهم ابني علي المعتقل، انتقلت سنة 1984 إلى تاهلة بإقليم تازة، وما زلت أقطن بها إلى الآن، أما ابني علي فقد ولد بكلميمة، ونشأ على الاستقامة، وتميز بأخلاق حميدة منذ طفولته ، وكان يحافظ على الصلوات، ويجد في دراسته، ومن الأمور التي رسخت في ذهني اعتناؤه الخاص بجده عبد الله رحمه الله الذي كان عمره يناهز المائة سنة.

وحين انتقاله إلى الجامعة بوجدة سنة 1988 ظل ينشط مع جماعة العدل والإحسان، وكان يخفي عني انتماءه مراعاة لمشاعري، فقد كنت أرفض ذلك وأستثقل الإخوان.

– لماذا كنت تنفر من الإخوان وتمنع ابنك من الانتساب إليهم؟

– لا أخفي عليكم أن السبب الرئيسي هو الخوف من السلطة، فالرائج آنذاك أن كل من اتبع الإخوان سيكون الابتلاء حليفهُ، ثم الصورة المشوهة للإخوان، حيث قرن اسمهم دائما بالتشدد والتعصب إلخ، ولم أكن إذاك أفرق بين الحركات الإسلامية والسلفيين وغيرهم.

– نعود بك إلى سنة 1991، تاريخ الاعتقال، كيف تلقيتم خبر هذا الاعتقال؟

– كان الاعتقال مفاجأة كبيرة، لم يخطر على بالنا قط، بكينا كثيرا، وخاصة أمه، فكل ما كنا نعرفه هو أنه يدرس بالجامعة، ونوصيه دائما بالاجتهاد، فكنا ننتظر أن نتوصل بخبر يبشرنا بنجاحه وتفوقه، فإذا بنا نتلقى خبر الاعتقال، لقد كان وقعه علينا قاسيا جدا جدا، خاصة وأن معاني كثيرة لم أستوعبها إلا بعد أن مرت سنوات عن الاعتقال.

– أصدرت المحكمة بعد ذلك أحكاما في حق أزيد من 60طالبا من العدل والإحسان بجامعة وجدة، تجاوزت في مجموعها ثلاثة قرون و5 مؤبدات غيابيا، وكان حظ ابنكم منها 20 سنة سجنا نافذا.

هل كنتم تتوقعون مثل هذا الحكم القاسي؟

– قبل إصدار الحكم كان رجال الدرك والأمن السري والقائد والشيخ يزورونني يوميا، يسألوني عن ابني المعتقل وهو موجود عندهم في السجن، هل كان يلتقي مع أصحابه في البيت؟ من هم؟ إلخ… كانت هذه الزيارات مكثفة في الأسابيع الأولى، ثم خفت فيما بعد وبقيت موسمية لمدة سنوات، وآخر مرة زارني فيها رجال الأمن كانت سنة 1998.

ولم أكن أنتظر هذا الحكم القاسي، لأن بعض المحامين طمأنوني وأكدوا لي أن التهم التي لفقت لهم غير مبنية على أساس، وهناك احتمال كبير أن يفرج عنهم أو قد يبقوهم في السجن بضعة شهور، لكن قيل لي فيما بعد أن التعليمات هي التي حكمت عليهم بهذا الحكم الذي كان صدمة كبيرة بالنسبة لنا، حقيقة لم نتحملها في البداية، وقد لطف الله بنا وخفف عنا، والفضل يرجع إلى الله، وإلى الإخوة من العدل والإحسان الذين زاروني في الأيام التي تلت الحكم، فقد خففوا عني كثيرا، فجزاهم الله خيرا، والطريف في الأمر أن السلطة كانت تزورني عقب زيارة كل أخ وتطلب مني اسمه وعنوانه، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

– هل خفت حدة هذه المعاناة فيما بعد؟

– عانينا كثيرا في البداية، فقد كنا نجد صعوبة في زيارة أبنائنا، كانت تُفَتَّش أمتعتنا ويُعبث بها، ولم يسمحوا لنا بتزويد أبنائنا حتى ببعض الأغطية والملابس باعتبارها ممنوعة، كما حرمنا من زيارتهم مباشرة ولا نراهم إلا عبر شباكين سميكين، ثم سمحوا لنا بعد خوض أبنائنا لإضرابات عن الطعام… بمصافحتهم فقط ثم بمجالستهم لمدة يسيرة تحت مراقبة مشددة، واليوم خفت هذه المعاناة وتحسنت أوضاعهم مقارنة مع السنوات الأولى.

وحين حلول المناسبات كالأعياد والأفراح العائلية نستشعر كأي عائلة لها حس إنساني فقدان هذا الابن البار، والظلم المسلط علينا، وقد نبكي دون أن نشعر، وخاصة أمه التي أُثَبّتها بتذكيرها بالله وبقدر الله، وترتاح وتطمئن بمجرد زيارته ورؤيته.

فقبل معرفتي لجماعة العدل والإحسان كانت معاناتنا شديدة، أحيانا لا ننام، كنا نفكر في مصير ابننا، فعشرون سنة سجنا نافذا ليست سهلة، يحيى فيها أقوام ويموت آخرون، لكن بعد احتكاكي بالجماعة، أحببت أهلها، وبث الله في قلبي معاني لم تكن لدي من قبل، ونزل الله علي السكينة والطمأنينة بإذن الله.

– استثني معتقلوا العدل والإحسان ومنهم ابنك سي علي من العفو العام عامي 94 و98، هل كانت لديك فكرة عن هذا العفو، وهل كنت تنتظر أن يعتنق ابنك الحرية مثله مثل باقي المعتقلين السياسيين؟

– نعم كانت لدي فكرة حول هذا العفو، لأنه سبقته ضجة إعلامية، ثم أن البوليس السري كان قد اتصل بي وطلب مني أن ألتمس من ابني “”علي”” كتابة رسالة العفو، إلا أن معتقلي العدل والإحسان استثنوا من هذا العفو، وأحسست بالظلم حينها.

– مر على هذا الظلم والاعتقال تسع سنوات كاملة، ماذا استفدت خلال هذه الفترة الطويلة؟

– أنا وكذا جميع الآباء الذين أعرفهم وألتقي بهم، كنا لا نعرف شيئا، وها نحن تربينا في صفوف هذه الجماعة، جماعة العدل والإحسان، فمن أثر هذا الابتلاء أن انضم جميع أولادي الثلاثة إلى هذه الجماعة المباركة، وقد ربينا أولادنا ولله الحمد على طريق مولانا عز وجل.

لقد تعرفنا على العدل والإحسان عن قرب، ساندونا طيلة هذه الفترة، بزياراتهم المتكررة في المناسبات وغيرها، وتثبيتهم لنا، وتولوا أبناءنا المعتقلين بالعناية التامة معنويا وماديا، وهذا الوقوف إلى جنبهم ومساندتهم بهذا الشكل وهذه القوة يكشف عن معدن رجال هذه الجماعة الذين قل نظيرهم، فهذه جماعة ربانية، جماعة الخير، وتريد الخير لكل الشعب، لكل من يشهد أن لا إله إلا الله، تريد نصرة الحق، ولا تريد الظلم، ونحن ندعو معهم بالنصر والرضا، فهم مجاهدون وعلى حق، ويجب على المسلمين جميعا مساندتهم.

– تزور هؤلاء الصامدين بسجن القنيطرة من حين لآخر، هل لك أن تصف لنا أجواء هذه الزيارات؟

– أزورهم وأجلس معهم جميعا، وأحوالهم تفرح ولله الحمد، أحوالهم الصحية لا بأس بها، هم متحابين فيما بينهم. يدرسون ويجتهدون ويذكرون الله، ترى في وجوههم نور يطمئن القلب، ويبعث على السرور، وهم يوصونني دائما بالصبر والصلاة والدين والثبات، فهم رجال والحمد لله، قد تكون لديهم أحيانا مشاكل مع إدارة السجن لكن الله تعالى يتولى أمرهم.

– أتيحت لك فرصة زرت فيها رفقة آباء المعتقلين الأستاذ عبد السلام ياسين المرشد العام لجماعة العدل والإحسان، أريد أن تحدثنا عن هذه الزيارة التي قلت لي قبل بدء الحوار أنها خلفت في نفسك آثارا طيبة؟

– أحببت سيدي عبد السلام ياسين قبل رؤيته، فهو ولي لله ورجل رباني، وكنت دائما أطلب الله عز وجل أن ييسر لي زيارته، إلا أن البوليس كانوا يحاصرون بيته ليل نهار، فحرمت من ذلك، وشاء الله تعالى أن يستجيب لرجائي، وكنت أخال أنه شيخ مسن، دخلنا إلى بيته فاستقبلنا استقبالا، وفرح بنا، وطرنا فرحا، كلامه كله نور، أحسسنا برحمة تغمرنا، والمفاجأة الكبرى أنني وجدت سيدي عبد السلام في غير الصورة التي رسمتها لنفسي، وجدته شابا كله حيوية ونشاط، ولله في خلقه شؤون. سألنا عن الاعتقال وأحوال أبنائنا، فعبرت له عن مشاعري ومما أتذكره من أقوالي هم مجاهدون ورجال على حق، ففرح بصبرنا وثباتنا، وأوصانا بالدين وذكرنا بالآخرة وأن الحياة الدنيا ساعة والآخرة دار القرار، وغيرها من النصائح، لقد كانت الجلسة قصيرة لكن أثرها ما زال قائما لحد الآن، فذاك رجل أنصح الناس وكل الناس بزيارته والاستفادة منه، وسيرون بأعينهم خيرا كثيرا.

– الاعتقالات التي شملت ابنك سنة 1991 في إطار اضطهاد أبناء جماعة العدل والإحسان مازالت مستمرة، وخاصة في صفوف الطلبة حيث وصل عدد المعتقلين خلال بداية هذا الموسم الدراسي فقط أزيد من مائة طالب، كيف تنظر إلى هذه الجرائم التي يرتكبها المخزن بدون تستر ولا حياء؟

– أتأسف كثيرا حين سماعي لهذه الاعتقالات، وأستحضر ذوي المعتقلين وأدعو لهم بالصبر، لأنني أعرف قدر وقيمة مثل هذه المعاناة، وآثارها على الوالدين، خاصة في اللحظات الأولى، فأنا أوصي آباء وأمهات هؤلاء بالصبر، وعليهم أن يقتدوا بنا، فنحن صبرنا وفتح الله علينا فيما بعد، وتغيرت نظرتنا إلى الدنيا وقيمتها والحياة ككل…

فجماعة العدل والإحسان ما زالت في حصار، ليس لها حق ولا حرية، وهو شيء محزن للغاية، لأنه فيه حصار للأخلاق ومنع انتشار الفضيلة، فالشعب الذي يعيش الضياع والتيه هو الذي يحرم من هذا الخير، وقد رأيت هذا الحصار في ما حدث هذا العام في الشواطئ، والطلبة ما زالوا يعذبون، بل بلغني أن بعضهم حرم من الامتحان فقط لأنه من العدل والإحسان، فهذا منكر، هذا منكر.

– حضرت هذه الليلة حفل تأبين السيد البقالي الذي استشهد من أجل الأقصى مباشرة بعد زيارتك السجن المركزي بالقنيطرة، والمرشد العام لجماعة العدل والإحسان الأستاذ عبد السلام ياسين كان قد بعث سنة 1994 برسالة إلى المعتقلين السياسيين الإسلاميين أوصاهم فيها أن يعتبروا أنفسهم في موكب واحد مع شهداء فلسطين، هل لك أن تفسر لنا هذا الربط انطلاقا مما ينتابك هذه اللحظة من مشاعر وأنت تجمع بين أمرين زيارة السجن وحضور التأبين؟

– الربط هو أن المعتقل في سبيل الله، والشهيد في فلسطين كلاهما يريدان وجه الله، ويعملان للتمكين لدين الله، وسيدي عبد السلام أوصاهم بهذا كي لا يلتفتوا إلى الدنيا فينتابهم الضيق بالحرص عليها، وأنا أتألم لما يقع الآن في فلسطين، شاهدت صورا مرعبة في التلفزيون، فاليهود مجرمون بكل ما تعنيه الكلمة من معنى، وأقول لك والله لو كان في جناح لطرت إلى فلسطين للجهاد في سبيل الله، فاليهود هناك يقتلون ويشردون الناس، وفي المغرب ابتعدنا عن الله، فلو كنا على الطريق الصحيح، طريق الله، في المغرب وفي كل بلدان المسلمين لخاف اليهود منا ولما تجرأ أي واحد منهم على ارتكاب ما يرتكب الآن من جرائم، أما وقد عرفونا حق المعرفة، عرفوا أننا جبناء، نحرص على الدنيا كل الحرص، فهم يرتكبون جرائمهم باطمئنان.

ووالد هذا الشهيد الذي حضرت حفل تأبين ابنه يظهر لي من خلال كلامه أنه راض عن ولده، وتمنى أن يموت في سبيل الله مثل ولده، ونال إعجابه هذا الحفل وشكر الإخوة الذين نظموه.

وأنا أحسست حين كان يتكلم أنه لو كان ابني المعتقل أو أحد أولادي هو الذي استشهد في فلسطين لغمرتني فرحة كبرى، كيف لا وشهيد واحد يشفع ويدخل معه الجنة سبعون فردا، فالدنيا فانية بما فيها، فمن الأحسن “”يموت حلال ما يموت حرام””.

– بماذا توصي آباء وأمهات الطلبة المعتقلين وكل من يقع ضحية وفريسة في فم هذا المخزن الذي ابتلانا الله به؟

– على هؤلاء الذين يعتدون على الناس أن يستحيوا من الله، ومن العباد، فالدنيا فانية، وسيحاسب كل واحد على أعماله، أما آباء المعتقلين والضحايا فأنصحهم بالصبر، وهو طريق الفرج، وأنا هنا أتكلم بالتجربة، و””سول المجرب لا تسول الطبيب””.

هؤلاء المعتقلون والضحايا هم على طريق مولانا عز وجل، يعتقلونهم ليحدوا من دعوة الله، وهم على خطأ، لأن الله هو الذي يبلغ دعوته، ولا أحد يستطيع أن يرد مراد الله.

– كلمة أخيرة توجهها للناس ولأبنائك الاثنا عشر بالسجن المركزي ولإخوانهم الطلبة المعتقلين الجدد!

– أقول لهؤلاء جميعا، يا أبنائي إنكم رجال المستقبل، وقد جمعكم الله في هذه السجون لحكمة قد لا ندركها نحن الآن، ولكن ستتضح بعد حين، فتحابوا فيما بينكم، واستغلوا سجنكم في عبادة الله، والدراسة والقرآن، فالله أراد أن يهيئكم للمستقبل، فالابتلاء يصنع الرجال.

أما عامة الناس فأنصحهم بالرجوع إلى طريق وشرع الله، وأسأل الله الهداية للجميع