كان شهر نوفمبر الماضي مناسبة للذكرى التاسعة لاعتقال طلبة العدل والإحسان الاثني عشر من جامعة محمد الأول بوجدة. تسع سنوات مضت مليئة بالأحداث والمعاناة وحافلة أيضا بالإنجازات الهامة من طرف هؤلاء المعتقلين الذين لم يدعوا هاته الفرصة تمر دون أن يستفيدوا منها، استفادة شخصية وجماعية، لذواتهم ولجماعتهم ولدعوة الله تعالى بصفة عامة.

هذه الذكرى محطة مهمة نستخلص منها الدروس والعبر، نتذكر فيها جميعا بعض الأحداث التاريخية والأسباب الحقيقية للاعتقال وخلفياته السياسية في عجالة(1) لنستنطق ما ميز هذه المدة وبعض آثارها الطبية، وكذا بعض ما شابها وعلق بها من سيئات.

تذكير:

يقتضي السياق التاريخي للاعتقال الحديث عن سيطرة الفصائل اليسارية والقاعدية بوجه خاص على الساحة الجامعية، وانسجاما مع مبادئها الداعية إلى استعمال العنف الثوري في وجه كل من خالفها أو حاول الإفلات من قبضتها فقد استنفرت هذه الشرذمة الغريبة عن الطلبة المسلمين وسعها في قمع خصومها أواخر العقد الثامن ليكون الطلبة الإسلاميون عام 1987 أول من شملتهم هذه الهمجية التي لم يسلم منها حتى أقرب الناس إليها وهم فصيل منشق عنهم يدعى بالكراس لتندلع بينهم أحداث دامية عام 1988 في مدينة وجدة.

ومع صمود فصيل العدل والإحسان في الساحة الجامعية وبداية تغلغله في بعض الجامعات المهمة كجامعات البيضاء والرباط ومراكش وتطوان، كان الغضب القاعدي قد بلغ أوجه مع حرق المصحف والاعتداء على المحجبات وعلى رموز الفصيل في موسم 91/90 في كل من وجدة وفاس والقنيطرة. وقد توج ذلك بتواطئهم المكشوف مع أجهزة المخزن والإدارة للقضاء على هذا الفصيل الفتي، فأقدموا في بداية الموسم اللاحق على محاكمة أحد الطلبة الإسلاميين بجامعة وجدة والاعتداء الشنيع على الطالبات المحجبات بنزع حجابهن وحرمان نشطاء الفصيل ورموزه من ولوج الحرم الجامعي وحتى من اجتياز الامتحانات، فكانت الأحداث التي اندلعت في أكتوبر من نفس السنة.

هذه الأحداث لها أسباب رئيسية منها المباشر وغير المباشر.

فغير المباشر منها مرتبط بطبيعة الصراع العقدي والمبدئي والتاريخي بين التيارين الإسلامي والشيوعي. فقد ظلت الجامعة لأمد غير قصير وكرا للإلحاد والمس بالمقدسات الإسلامية واستفزاز مشاعر الطلبة المسلمين والاستهزاء بهم، وسب الله تعالى ورسوله الكريم صلى الله عليه وسلم من على منابر الحلقيات والأسابيع الثقافية وتنجيس المساجد وحرق المصاحف والتبول عليها وتمزيقها.

ونتيجة لهذا الشق غير المباشر تظهر الأسباب المباشرة مرتدية رداء “”العنف الثوري”” سلوكا عمليا بعد أن اعتنقته عقيدة ومبدأ. فكان شعار المرحلة “”تحرير الجامعة من القوى الرجعية الظلامية””. فتجلى التطبيق العملي لهذا الشعار في تلك الهجمات العنيفة التي قاموا بها خلال السنة الجامعية 91/90، ليستمر بوتيرة أعنف في الموسم اللاحق.

وحتى لا نحصر أسباب الاعتقال داخل الجامعة فقط، فإن هناك خلفيات سياسية أخرى تمتد إلى خارج الأسوار، مرتبطة أساسا بطبيعة التدافع بين الدعوة والدولة، وكذا الصراع القائم بين الاستضعاف والاستكبار سواء على المستوى العالمي أو الإقليمي أو المحلي.

فالحملة الدولية التي تتزعمها أمريكا ضد التيار الإسلامي المتصاعد في العالم العربي والإسلامي والذي ترى فيه تهديدا لمصالحها الحيوية القائمة على الاستغلال البشع، هذه الحملة لم يكن المغرب في منأى عنها، فتخندق حكامه هو الآخر لمقاومة هذا التيار والتنسيق المخابراتي ضده.

كما شكلت التوترات الإقليمية التي عرفتعا المنطقة خاصة في كل من الجزائر وتونس ومصر حافزا أساسيا لتشكيل لجان إقليمية بمشاركة دول البحر الأبيض المتوسط وبمباركة أمريكية للنظر في شأن هذا التيار الإسلامي واتخاذ إجراءات عملية لمقاومته.

أما على المستوى المحلي فقد شكل تنامي جماعة العدل والإحسان على مر العقدين الأخيرين مصدر قلق بالنسبة للنظام المغربي، فكان أسلوبه متباينا في التعامل مع هذه الجماعة الفتية. فقد حاول أول الأمر نهج أسلوب الاعتقال والقمع، فلما لم يجن من ورائه سوى المزيد من الثبات والعزم والإصرار على الاستمرار حاول جاهدا احتواءها بأسلوب ترغيب قيادتها في فتات من الدنيا زائل فعرض عليها في مساومات خسيسة عام 1990 عروضا مغرية. إلا أنه فشل مرة أخرى في مسعاه فعاد إلى استعمال الترهيب والاعتقال والحصار. فكان طلبة وجدة ضحية هذا الأسلوب الهمجي فمكر بهم مكر الثعالب ولفقت لهم تهم واهية على إثر الأحداث المفتعلة والمحبوكة بتواطؤ بين النظام واليسار، ليزج بهم في ظلمات السجن بأحكام قاسية.

آثار الاعتقال: ثمار طيبة وفضل من الله

وقد شاءت إرادة الله تعالى أن يكون هذا الابتلاء -مع كل ما تقتضيه الكلمة من صنوف الامتحان والأذى- سببا في تحصيل وجني ثمار طيبة خالصة من عنده سبحانه لينقلب بذلك السحر على الساحر الذي أراد أن ينكل بهؤلاء الشباب ويزج بهم في غيابات السجن إمعانا في الحرمان من فرص التعليم والدعوة والمشاركة الحية في بناء المشروع الإسلامي المنتظر وكذا تنكيلا بمن بعدهم وتلقينا لدروس احترام المخزن وهيبته والخضوع لإرادته.

فكانت -بفضل الله- مدة الاعتقال هاته موسما لجني الثمار الطيبة. في مقدمة الثمار حفظ كتاب الله تعالى والتفرغ لذكره تعالى. قد يعتبرها البعض شأنا خاصا يميل إلى الدروشة والتساكن في المساجد مع طلبة القرآن أو في مواسم الخرافات أو عند رؤوس الأموات. لكن الأمر على خلاف ذلك تماما، إذ هو نعمة من نعم الله تعالى على من يشاء من عباده فوفقه لحمل رسالته إلى العالمين بين جنبات صدره فكأنه أشرب النبوة كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، فضلا عن الدرجات العلا التي يحصل عليها حامل القرآن يوم يقال له اقرأ وارق.

ومن هذا المنطلق اعتكف هؤلاء الشباب على كتاب الله فحفظه منهم من حفظ حفظا تاما متقنا ويسعى البعض الآخر جاهدا نحو ذلك. فكان سجنهم خلوة لتلاوة القرآن وحفظه ولذكر الله تعالى لا مستنقعا لوساوس الشيطان الذي يلعب بعقول أمثالهم فينقلبوا على أعقابهم خاسرين بين مدمن لأصناف المخدر وممعن في تحصيل فرص العفو والإفراج الذليل.

انشغلوا بالعظائم من الأمور وارتفعت هممهم عن سفاسفها.

وشواهد علمية كانت هي الأخرى من ثمار هذا الابتلاء حيث حرص هؤلاء الشباب منذ أن وطئت أقدامهم أرض هذا السجن على متابعة دراستهم الجامعية والتفوق فيها فكان بإذن الله حصادهم مباركا وشواهد عالية، خمسة منهم طلبة باحثون في ميدان الدراسات الإسلامية، وخمسة آخرون يستعدون لنيل شهادة الدراسات العليا المعمقة DESA والباقي في السنة الأولى من السلك الثالث. ولم يكتفوا بذلك بل أضافوا إلى هاته الشواهد العليا شواهد أخرى في تخصصات متنوعة كل حسب ميولاته، كالقانون بشقيه العام والخاص وعلم الاجتماع والاقتصاد واللغات…

ولم يشغلهم ذلك عن التكوين الشخصي حيث لم يكتفوا بتلك الشواهد فانفتحوا على مصادر معرفة أخرى كتعميق البحث في العلوم الشرعية أو الانفتاح على لغات أجنبية ومعلوميات واهتمامات أخرى.

ومن آثار هذا الابتلاء أيضا معرفتهم عن قرب بجماعتهم وبرجالها، إذ معرفة الرجال لا تتأتى إلا عند نزول البلاء.

فما أكثر الإخوان حين تعدهم

لكنهم في النائبات قليل

فبحمد الله استطاعت هذه الجماعة أن تثبت للخاص والعام أنها لم تجمعها مصالح حزبية ضيقة أو أغراض دنيوية محضة، بل مبادئ وأصول هي من صميم الدين لا مجال للمزايدة فيها، فكانت سندا قويا -بعد الله تعالى- لهؤلاء الفتية معنويا وماديا على ضعف الإمكانات. ولم تتخل عنهم ولو لحظة، فكانت بحق أبا عطوفا وأما حنونا، ووجدوا فيها المثل القوي والحي لمعنى حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم “”مثل المومنين في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر””.

ومن آثار هذا السجن أيضا ثبات هؤلاء الشباب على مواقفهم ومبادئهم التي اكتسبوها من هذه الجماعة المباركة ومن تعاقب التجارب بداية من الجامعة وما عرفته من تدافع مرورا بالاعتقال والتعذيب داخل الكوميسارية ومكر المخزن وخسته، وكذا ظروف السجن وتقلب السجان وأساليبه الماكرة للقضاء على هوية المعتقل السياسي والتنكيل به. كل ذلك جعلهم يعرفون حق المعرفة قيمة ما يؤمنون به وما يحملونه من شعارات ومبادئ ويثبتون عليها، أسوة بمن سبقهم من السلف الصالح وبإخوة لهم في أقطار إسلامية أخرى نكل بهم وعذبوا عذابا شديدا وما بدلوا وما غيروا لكن صمدوا وثبتوا فكان النصر حليفهم.

ونتاجا لكل ما سلف فقد اكتسب هؤلاء الشباب تجربة فريدة وغنية من خلال هذه المدة الطويلة التي قضوها وراء القضبان، سواء من حيث إغناء رصيدهم التربوي الإيماني أو من حيث تعاملهم مع مختلف أصناف الناس، فيما بينهم أولا وخبرتهم بأساليب المعاشرة والاحتكاك ثم بالإدارة السجنية وأساليبها في التعامل مع السجناء السياسيين ،كذا الحراس السجنيين والجمعيات والمنظمات الحقوقية والإنسانية والجرائد والأحزاب من خلال مواقفها تجاههم وتجاه قضية الاعتقال بصفة عامة.

الآثار السلبية: [لن يضروكم إلا أذى]

جرت سنة الله في خلقه أن يبتلي عباده المومنين حتى يعلم الصادق منهم في دعواه من الكاذب المدعي. قال الله تعالى: [ألم أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون…] وقد زكى رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه السنة في الحديث الشريف: “”أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل””.

فهذا الابتلاء هو معيار التفضيل والتمحيص ولولاه لادعى كل مدع درجات الإيمان بل والإحسان، لكن الله تعالى خلق هذه السنة ودعا عباده للصبر عند نزول البلاء.

وأصناف وأنواع البلاء كثيرة ومتنوعة تختلف باختلاف إيمان الأشخاص ومكانتهم الدينية والعلمية والسياسية والاجتماعية. ومنها الاعتقال وهو من بين الأصناف الأشد إيلاما وإيذاء.

والله تعالى حين وصف كيد أعداء المومنين قال: [لن يضروكم إلا أذى]. فالأذى في حقيقة الأمر ليس ضرا لأنه لا يقع على أهم شيء يملكه المؤمن وهو دينه وإيمانه، بل يقتصر على البدن والنفس والمال وما دون ذلك، من إذاية باللسان أو طعن في العرض أو تعذيب أو حرمان من مصدر رزق…

فالمؤمن حينما يصاب بأذى كيفما كان نوعه يواجهه بالصبر والثبات مادام دينه لم يصب بأذى ويسلي نفسه مخاطبا دينه: كل مصاب بعدك جلل.

فما نوع الأذى الذي لاقاه هؤلاء الفتية من بركات أذى الجلاد، عند اقتحام جحافل السيمي وقوات القمع المدججين بشتى أنواع الهراوات والعصي والسلاسل لتنهال على رؤوسهم كالصواعق دون مراعاة للأعضاء الخطيرة ولا الحساسة. فكان لذلك آثار بليغة، من رعب وجروح خطيرة رافقتهم طيلة الشهور الأولى من الاعتقال ولا يزال البعض يعاني من آثارها إلى يومنا هذا.

ثم تلت تلك المحطة ضيافة الحجاج بالكوميسارية المركزية بوجدة حيث قضوا أياما طويلة عريضة بدقائقها تحت سياط الجلاد وتنكيله وسبابه وما يستحي المرء ذكره. ثم تأتي بعد ذلك تلك الصاعقة التي نطق بها فاه المحكمة الكريه: عشرون سنة سجنا نافذا، فكانت صدمة قوية على نفوس عائلاتهم التي أغني على البعض منها في حينه.

أسر وعائلات، آباء وأمهات، كانت تأمل أن يكون لفلذات أكبادها مستقبل زاهر وهم طلبة جامعيون يؤمل منهم أن يكونوا دكاترة المستقبل، فإذا بالأيادي الماكرة النجسة تختطفهم من قعر الجامعة ومن داخل بيوتهم ليقتادوا إلى غياهب السجون المظلمة. إنها لحظة عصيبة، لا زالت أمهاتنا تتذكرها بمرارة.

وكانت تلك اللحظة فاتحة لسلسلة من اللحظات الحرجة والصعبة، واجهوا خلالها عناد السجان وإمعانه في التنكيل بهذا الشباب الطاهر. كانت معركة الهوية المتميزة التي لا يعترف بها الجلاد، ويريد أن يحشر كل من يرد عليه من “”الباب الأعظم”” مرتديا زيا جنائيا وأصفاد في زنازن مظلمة مكتظة دون مراعاة لخصوصيات أحد ولو كانت دينية. فيحشر الطاهر المتوضئ مع النجس من المجرمين الذين لم تطأ جباههم أرضا قط بسجود. وهكذا دواليك إلى أن نسنتزف كل القوى في معارك هامشية قبل أن تبدأ المعركة.

واستمرت المعاناة حين انتقالهم إلى سجن القنيطرة المركزي حيث وجدوا أنفسهم في مواجهة صعوبات شتى؛ إدارية حيث المخزن كعادته الهمجية، والوضعية المزرية التي انعدمت فيها أبسط الحقوق بدءا بالتغذية والسكن والتطبيب والتعليم والزيارة…، ثم ظروف السجن القاهرة التي تتميز بفرط الرطوبة والبرودة الناجمة عن قدم البنايات التي تعود إلى العقد الثالث إبان الاستعمار ثم عن جغرافيته المحاطة بالوادي والبحر والغابة، وتلوث البيئة بفعل معمل الورق القريب منه.

فكانت النتيجة إصابتهم بأمراض مزمنة كآلام الظهر المخلفة عن عهد الكوميسارية وآلام عدق النسا والحساسية والأمراض الجلدية وبعض الأمراض الباطنية والبصرية.

ورغم كل هذا وذاك فهم لا يزالون صامدين ثابتين على ما اعتقلوا من أجله مسترشدين بسنة نبي الله يوسف عليه السلام القائل [رب السجن أحب إلي مما يدعونني إليه]، مدركين تمام الإدراك للأسباب التي من أجلها اعتقلوا [وما نقموا منهم إلا أن يومنوا بالله العزيز الحكيم]، مستبشرين بوعد الله تعالى [ولبنصرن الله من ينصره]، مستأنسين بتوجيهات مرشدهم الحبيب “”إنكم في موكب واحد مع شهداء فلسطين وأبطال البوسنة والهرسك، والمجاهدين من المؤمنين والمؤمنات في أطراف دار الإسلام””.

[وسيعلم الله الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون]

و[إن تسخروا منا فإنا نسخر منكم كما تسخرون فسوف تعلمون]

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين