أُسمّي الفرضية الدروينية “مسلمة دوابية” انطلاقا من التعبير القرآني الوارد مرتين في سورة واحدة:”إن شر الدواب عند الله الصم البكم الذين لا يعقلون”(الأنفال/22) و”إن شر الدواب عند الله الذين كفروا فهم لا يؤمنون”(الأنفال/55).

وفي آيات أخر، يذكر القرآن عشر مرات الصم البكم العمي الذين يغلقون المنافذ إلى قلوبهم حتى لا يبلغهم صوت التساؤل الداخلي الذي يعرضه الوحي على لسان أنبياء الله عليهم الصلاة والسلام.

ففي سنة1830، نشر تشارلز داروين كتابه “أصل الأنواع” عارضا فرضياته القائلة بأن الإنسان ليس سوى حيوان متطور لم يخلقه أي إله من عدم.

وسَرَّعتْ هذه الفرضية “العلمية”خطواتها مغتنمة فرصة التقدم العلمي في القرن التاسع عشر المذهل. منذ ذلك الحين ـ أي أكثر من 160سنة ـ وصوت الدروينية يعلو ويعلن أن الإنسان خلق ذاته وأنه نتج عن فعله أي أنه غير مُمْتَنًّ بوجوده لأحد.

هذه الفرضية، مهما بلغت عبثيتها، تأتي في سياق الانتقام من الكنيسة ومن إله الكنيسة. ففي سنة1517، أي حوالي ثلاثة قرون قبل صدور كتاب داروين، نشر مارتان لوثرـ الراهب الألماني المخلص الذي غاضه فساد رجال الكنيسة ـ أطروحاته الخمسة والتسعين ضد الكنيسة الكاثوليكية، فكانت الثورة التي انتشرت في صفوف المسيحيين على”صكوك الغفران” الممنوحة للمؤمن النصراني المذنب مقابل “ندامة” من الذهب الرَنَّان تسقط في خزانة الكنيسة.

ثم طالب لوثر بأمور أخرى أهمها إلغاء” صكوك الغفران” ذاتها لتنتهي معركة الراهب الورع بالانفصال عن البابوية وميلاد الكنيسة البروتستانتية.

بعد ثلاثة قرون ـ أي أربعين سنة بعد الثورة الفرنسية التي انتقمت بأسلوب دموي من الملكية والكنيسةـ تضاعف بغض النخبة الأوربية المثقفة للكنيسة، وتجلى ذلك في عدة ظواهر أهمها الظاهرة الداروينية:عودة إلى الداروينية تصحبها عودة إلى الوثنية الإغريقية الرومانية، ورفض أطروحة الإله البشر التي تدعو إليها الكنيسة، وتعويضها بالمجمع المأهول بالآلهة وأنصاف الآلهة والأبطال الذين تمتزج في عروقهم دماء الآلهة والبشر.

هكذا ثار الإنسان على الإله كما فعل البطل الخرافي اليوناني برومثيوس من قبل حين سرق النار المقدسة من آلهة جبل أولمب، ليصبح رمزا لتحرير الإنسان من وصاية الآلهة. أصبح الإنسان إله نفسه، خالق نفسه. وتلك هي الكرامة التي أرادها داروين للإنسان. لِمَ لا والكنيسة تعبد بشرا والجذور التاريخية لأوربا وحضارتها زاخرة بالآلهة المتنوعة؟ لم لا والإنسان والإله وجهان لعملة واحدة في عقيدة أوربا النصرانية؟

لم لا وداروين يعتبر الطبيعة مطلقا يعوض الإله الخالق الذي لم يكتشفه العلم في أي مكان ليصبح الإنسان صانع ذاته؟ وتزْعُم المسلمة التي تجعل الصدفة خالقة للأشياء أنها حقيقة”علمية” أفرزتها الملاحظات التي جناها الرائد الإنجليزي من رحلاته ــ خاصة تلك التي قام بها إلى جزر الغالا باغوس ـ المتحف الحي الزاخر بالحيوانات الفريدة.

وكانت الخلاصة النهائية الغبية أن الإنسان قرد عار؛ مسلمة دوابية هشة عمل أتباع داروين من بعده على إرسائها على وقائع علمية من خلال أبحاثهم المتواصلة.

وكانت حجج الداروينيين الجدد أن الحيوانات التي تستطيع البقاء على قيد الحياة هي تلك التي تحسن التكيف مع الوسط الطبيعي والتي تقدر أكثر من غيرها على اجتياز العراقيل والفوز في صراع الأدغال. هكذا استطاع جد الإنسان، القرد الذكي الحاذق، أن يوسع جمجمته، وينمي حجم دماغه قبل أن ينزل من الشجر ليمشي فرحا على قائمتيه الخلفيتين ويصبح سيد المملكة الحيوانية التي ينتسب إليها.

استطاع هذا الكائن الداب على قدمين، القادم من بعيد، المتجه نحو مستقبل كوني أن يحكم الأرض. هذا الكائن المنحدر من جد قديم، من سمكة عجيبة غادرت البحر، طور حضارة الطاقة النووية وغزو الفضاء والإنسان الآلي، وعلم الوراثة والاستنساخ الذي سيطبق غدا على الإنسان لتتم الحلقة بصنع الإنسان نفسه مباشرة وبسرعة دون الحاجة إلى انتظار ملايين السنين. لأنه قادر حين يريد !

لكن علماء الإحاثة لم يترددوا في تفحص المسلمة البليدة مطالبين الداروينيين الجدد بعرض “الحلقة الناقصة” التي ما تزال مفقودة. ألم يعترف داروين نفسه بأن عدد الوسطاء المزعومين بين الحيوان والإنسان”غير قابل للتقدير”؟ ألم يتحقق الجيولوجيون بعد استنطاق أحفورياتهم واكتشافهم عشرات الأنواع المجهولة التي لا يمكن تصنيفها حسب لائحة الأنواع المتداولة أيام داروين أن فرضيته لا تستحق إلا السخرية؟ أما “القائلون بالخلق” من النصارى المعاصرين فيناضلون في أمريكا لتخليص النظام التربوي من قبضة الداروينيين. لكن الأساطير التوراتية التي يبنون عليها استدلالهم ليست أكثر معقولية من الأسطورة الداروينية. وذلك يوقع المؤمن بها في حرج شديد حين يواجهه الدارويني بالحجج العلمية التي تبرهن اعتمادا على أساليب تجاوزت بدقتها الكاربون14 أن العالم وجد منذ ملايير السنين بدلا من بضعة الآلاف التي توردها التوراة. ويبقى سحر المسلمة الدوابية مهيمنا على أوربا حيث يسود اليقين بأن القرد أبونا والسمك جدنا.

فلقد شهد القرن التاسع عشر الأوربي ازدهار مذهب الارتقاء في جميع الميادين خاصة بعد أن حملت لواءه ثلاثة أسماء لامعة: أغست كونت الفرنسي وتشارلز داروين الإنجليزي وكارل ماركس الألماني.

أما الطبيعية الداروينية فقد عرضنا أهم معالمها.

وأما الوضعية الكونطية فترى الأفكار تطورت عبر ثلاث مراحل؛ أولها المرحلة الأسطورية، ثم المرحلة الميتافيزيقية، ثم المرحلة الوضعية. ما هو أساس وضعية هذه المادية الفرنسية؟ وقائع فقط ! الوقائع المُحَسَّة الخاضعة للتجربة العلمية. المُحَسّ فقط. فقط.

بقي ثالث الفرسان: كارل ماركس، الإيديولوجي، الفيلسوف، الاقتصادي، الاجتماعي، المؤرخ، السياسي. الرجل الذي نظر لتاريخ المجتمعات البشرية واعتبره صيرورة مستمرة من الصراعات بين الطبقات. هذه الماركسية إن هي إلا داروينية اجتماعية اقتصادية لقيت مصيرها المعروف، وكذبت الممارسة السياسية الاقتصادية النظرية لتصبح التجربة درسا حيا ينبغي تأمله. الغريب في الأمر أن داروين لم يكن مقتنعا بالأطروحات الماركسية إذ رفض إجابة ماركس إلى طلبه كتابة مقدمة لكتابه “رأس المال” رغم استلهامه الظاهر من نظرية الألماني.

تبقى الخلاصة أن التضامن الذي نلاحظه أحيانا بين وحوش الأدغال الطبيعية ينعدم بين إيديولوجيي أدغال النظريات الدوابية…فكل واحد مهتم بنفسه فقط، والكل منكر لله عز وجل.