عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:” الظلم ظلمات يوم القيامة”. هذا الحديث أخرجه الإمام البخاري في “كتاب المظالم” وترجم له بقوله تعالى:”ولا تحسبن الله غافلا عما يعمل الظالمون، إنما يؤخرهم ليوم تشخص فيه الأبصار، مهطعين مقنعي رؤوسهم”.

ونقل ابن حجر عن ابن الجوزي في شرح هذا الحديث أن الظلم يشتمل على معصيتين، فإضافة إلى كونه مبارزة لله بالمخالفة والعصيان، فهو اعتداء على الغير وطغيان. “والمعصية فيه (أي في الظلم) أشد من غيرها، لأنه لا يقع غالبا إلا بالضعيف الذي لا يقدر على الانتصار”. فتح الباري5/127. ولهذا كان العقاب فيه مضاعفا ومشددا في الدنيا والآخرة. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن رب العزة سبحانه:”اشتد غضبي على من ظلم من لا يجد له ناصرا غيري.” أخرجه الطبراني في الصغير.

وكان أتقياء هذه الأمة وصالحوها مستحضرين لهذا النذير، هيّابين من مس حرم الغير، في العرض أو الدم أو المال، قال زيد بن حكيم:”ما هبت أحدا قط هيبتي رجلا ظلمته، وأنا أعلم أنه لا ناصر له إلا الله. يقول حسبي الله بيني وبينك.”

ولما كان الظلم ناشئا عن تكبر النفس وتجبرها، وطغيان الهوى وتألهه، كان جزاء المتكبرين المتجبرين، الطاغين المتألهين، أشد وأعظم، وكان صغارهم وهوانهم وذلهم يوم القيامة على مرأى ومسمع من الأشهاد، من جنس ترفعهم في أنفسهم وعلى غيرهم في الدنيا، كما كانت الظلمات التي يتخبط فيها الظالم في الآخرة من جنس ظلمة قلبه في دنياه.”وإنما ينشأ الظلم عن ظلمة القلب لأنه لو استنار بنور الهدى لاعتبر، فإذا سعى المتقون بنورهم الذي حصل لهم بسبب التقوى اكتنفت ظلمات الظلم الظالم حيث لا يغني عنه ظلمه شيئا.” فتح الباري 5/127.

وإن أكبر الظلم ظلم من استولى على رقاب الناس يسومهم ألوان العذاب بما توفر له من أسباب العنف والإرهاب. أخرج الإمام أحمد عن أبي أمامة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:”ما من رجل يلي أمر عشرة فما فوق ذلك إلا أتى الله مغلولا يده إلى عنقه، فكَّه ِبّرُه، أو أوبقه إثمه. أولها ملامة، وأوسطها ندامة، وآخرها خزي يوم القيامة.”

ولهذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يبالغ في نصح من يستعملهم في شؤون الناس. لما بعث صلى الله عليه وسلم معاذا إلى اليمن أوصاه بقوله:”اتق دعوة المظلوم فإنها ليس بينها وبين الله حجاب.” متفق عليه.

إن استجابة المولى النصير لعباده المستضعفين المقهورين حق لا مرية فيه، ونصره سبحانه لهم لا ريب فيه، وإن توهم الظالمون أن الإمهال إهمال. ففي الصحيحين عن أبي موسى الأشعري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:”إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته.” ثم قرأ:” وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة إن أخذه أليم شديد.”

قال الحريص على دينه، المشفق على آخرته:

لا تظلمن إذا ما كنت مقتدرا , فالظلمُ مرجـعُ عقباه إلى الندم

تنام عينــاك والمظلوم , منتبهٌ يدعو عليك وعينُ الله لمْ تَنَـم