من السهولة والمؤاتاة أن تجد قائلا يقول، وعاملا يعمل، ومريدا يسعى، وقائدا يقود، وواعظا يؤثر، ومعلما يفيد، ومنظرا جلس على أريكته ويصنع للعالم في حلم يقظته كل جديد ومُنقّح ومزيد، ولكن أين من كل هؤلاء الداعية البناء الذي وفر لبنيانه، قبل بدء عملية البناء، ومعها، كل الشروط الضرورية لئلا يتداعى ما بنى فينهار، فيكون الشجرة التي اجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار.

وإذن فالدعوة إلى الله بناء، والبناء عملية مركبة معقدة، لا يستطيعها كثير من الناس؛ عملية تتطلب ما يتطلبه البناء الحسي سواء بسواء، تتطلب من جملة ما تتطلبه:

1_ ترخيصا: لتكون الدعوة إليه بإذنه، لا بهوى متطفل، أو خفة مستعجل، أو إسفاف مبتذل، أو خبط جُويْهِل، بل بهمة مُربٍّ عالم مجاهد متبع الاتباع الكامل.

2_ وتجزئة: تتيح لك طوابق الدين الثلاثة: إسلاما وإيمانا وإحسانا.

3_ ومهندسا: خبيرا بالبناء ومتعلقاته، وما ينبئُك مثل خبير. وهل يبني البناءَ الأثير غيرُ الخبير؟

4_ وتصميما: منهاجا ربانيا نبويا، أصيلا واضحا، وشموليا ومتوازنا، وفاعلا ومؤثرا ومغيرا، وكأحسن وأعمق ما يكون التغيير.

5_ وعمالا: وهل يملك أحد أن يبني وحده البناء المطلوب المنشود، إلا أن يعينه عليه متخصصون أكفاء، كل يدل بدلوه في دائرة اختصاصه، ومن موقعه وبحسب مستطاعه.

6_ ومالا: إذ المال والرجال عصب الدعوة، وهل بغير مال يتم بناء؟

7_ ووسائل: وهذه الوسائل كلما كانت منتقاة بدقة وأمانة، ومستعملة بإحسان، ضمنت للباني بنيانا مرصوصا قويا يتمنع على عوامل التصدع ومعاول الهدم.

8_ ومرافق: إن الدين عبادات ومعاملات وأعمال ونيات متعددة المقاصد، وإرادات تسطر المطالب.

9_ وتجهيزات: ولا بد لكل مرفق من هذه المرافق، من تجهيزات تمثل شعب الإيمان وتحقيق معاني الإحسان، وعملا بإتقان.

10_ تزيينا: ولا بد من سمت حسن وذوق رفيع، يجعل البنيان مغريا يسر الناظرين، ويستميل الضيوف والزائرين، ويُطمع فيه المكترين والمشترين.

إذ الدعوات والحركات، والدعاة والحركيّون، محتاجون لفقه يمكنهم من قواعد البناء وأسسه حتى يقتحموا العقبة إليه، وحتى يبنوا ما بنوا وهم مطمئنون أن الوسع قد بُذل، والمطلوب قد فُعل، وعلى الله قصد السبيل، إنه نعم المولى ونعم الوكيل.

ويزيدنا إلحاحا على ضرورة التفقه في عملية البناء كونُ الآخرين من الفرقاء المتشاكسين، المنافسين للمؤمنين على استقطاب الإنسان، ووراثة الأرض، وقيادة العالمين، كانوا ولا يزالون بنائين، يختلف بناء عن بناء، وبضدها تتميز الأشياء، ولكن الكل يبني على شاكلته، فمنهم من كُتب لبنائه الانتصار، ومنهم من كُتب له انتصار وانتشار، ومنهم من كُتب له انتصار وانتشار واستمرار، كل بمقدار. وما كان لله دام واتصل، وما كان لغير الله انقطع وانفصل، وإذا غابت التقوى سيطر الهوى وغلب الأقوى و”العاقبة للمتقين”، (والله لا يصلح عمل المفسدين).

ونظرة منا فاحصة لتاريخ البشرية كفيلة بأن تقف بنا على أهمية البناء في عملية التغيير. فإن كل حركة تغييرية بنيت على أساس مكين. نخص من هذه الحركات بالذكر ثلاثا بارزات:

– الثورة الفرنسية: بنيت على أساس من الحرية والعدالة والإخاء والمساواة.

– والاقتصاد الياباني: بني على أساس ثلاثة أصفار: صفر خطأ، صفر مرجوع، صفر خسارة.

– والمادة التي صُنع منها الأمريكيون كما أخبر مستشاران اقتصاديان أمريكيان بارزان مبنية على أساس:

1.حرية الاختيار. 2.طلب المستحيل. 3.هاجس الكثرة وزيادة. 4.هيستيريا الجديد. 5.الآنية والإجرائية. 6.الاعتراف بالخطأ. 7.قبول الارتجال.

والحركة الإسلامية منذ عهدها الأول، في القرون الفاضلة، بدءا من النبوة والرحمة، فالخلافة الراشدة، وما تلاها من قومات شاهدة بالقسط قائمة لله بالحق، إنما بنيت على أساس من ثلاث، عبر عنها بفصيح اللسان، وسحر البيان، وقوة الإيمان، الصحابي الجليل ربعي بن عامر عندما خاطب رستم بمنطق العزة الذي لا يساوم ولايقاوم: “الله ابتعثنا لنخرج العباد من عبادة العباد لعبادة الله وحده، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة”.

بعثة إلهية ملهمة مؤيدة رائدة، وإحسان العبادة لله وحده، وعدل الإسلام، وسعة الدارين وسعتهما، يا اَلله. هل ثمة أتقى و أرقى وأنقى وأبقى من هذه الدعوة المباركة وهذا الطريق اللاحب؟ بهذا الأسلوب الملهم، وهذا العزم المقتحم، وهذا الوضوح الصارخ، وهذا الإباء الباذخ، أقاموا الحجة، وبينوا المحجة، رضي الله عنهم وأرضاهم، وألحقنا بهم وبمعلمهم الحكيم الرحيم، صلى الله عليه وعلى آله الطيبين الطاهرين.

ما أعظمه من بناء، وما أجلهم من بناة! كيف لا وهم من صنع الله الذي أعطى، وصناعة رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي قسم، جعلنا الله وإياكم على الأثر، وأعاد بناء ما انتقض من عرى الإسلام، وما هدم من بنائه طيلة قرون العض والجبر، وإنها لعقبات جسيمة، وتحديات كبيرة، والله أكبر.

على أننا سنكون واهمين، ونظل حالمين إذا اعتقدنا أن العقلية المنبهرة بتاريخ المسلمين، والمنتظرة غيرها أن يؤدي عنها ضريبة غربة الإسلام الثانية، من أجل بناء الخلافة الثانية على أساس المنهاج النبوي تربية وتنظيما وزحفا، هي متاح هذا الزمان وممكنه، وغاية القصد ومأمنه. لا والله، وكل ما من الله ورسوله يدعونا إلى البناء.

من هنا لزم أن نتحدث بما يحقق المراد، ويضعنا على جادة البناء، والبناء جهاد، عن البناء الرباني النبوي، في سلسلة، نسأل الله أن تكون محكمة البناء متصلة الحلقات كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضا، نبدأها بالحلقة الأولى، نفردها لتأصيل عملية البناء من كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم نتبعها بالحلقة الثانية، نخصصها للحديث عن الدعاة البناة، صناع التاريخ والموت والحياة، ثم نختم هذه المقدمات بالحديث عن أحد الدعاة البناة، بين يدي لبنات تحصي غيضا من فيض أقواله وأحواله، وآرائه ومواقفه، وأفعاله راجين من الله أن يكون في هذه اللبنات ما يفيد، وما يقوي الإيمان، ويعلم النافع المنشئ للعمل الصالح، فنستكثر من الخير ونستزيد، ووجه الله نريد.

والحمد لله رب العالمين.