سؤال: ما الذي تغير في المغرب بعد رحيل الحسن الثاني ووصول الملك الشاب محمد السادس إلى الحكم؟

جواب: لم يتغير شيء، لأن الملكية عندنا نظام وراثي، وهذا يعني أن اللاحق يكون امتدادا للسابق. وقد أكد الملك الجديد هذه الاستمرارية في أول خطاب للعرش يوم 30/07/1999. نعم، تغيرت بعض الوجوه واستبدلت شعارات بأخرى، لكن كل ذلك لا يعدو المسائل الشكلية، لأن أسس العهد القديم ما تزال قائمة، والعقلية المخزنية التي حكمت الحياة السياسية في المغرب منذ عهود ما تزال في جوهرها هي هي. فالملك بنص الدستور شخص مقدس، وبالتالي فكل ما يصدر عنه من قرارات وتوجيهات وإشارات وتعليمات مقدس لا يمكن أن ينتقد أو يراجع أو يعترض عليه. وسلطات الملك بنص الدستور أيضا سلطات مطلقة، فهي فوق السلطة التشريعية والسلطة التنفيذية والسلطة القضائية. هذا فيما يخص القانون المكتوب فقط، أما في القانون العرفي فسلطات الملك لاحدود لها. فلن يكون هناك تغيير حقيقي ما لم تتغير هذه القوانين المكتوبة والعرفية التي لا تكتفي بجعل جميع السلطات بيد الملك الذي يحكم، بل تجعل هذا الحاكم فوق أي شكل من أشكال المتابعة والمراقبة والمحاسبة.

سؤال: كيف تنظرون إلى حكومة التناوب التي تضم عدة أحزاب سياسية برئاسة عبد الرحمن اليوسفي، وما هي قراءتكم لحصيلة الأداء الحكومي؟

جواب: في البداية لا بد من التنبيه إلى مغالطة تتعلق بلفظة “التناوب” التي توصف بها حكومة اليوسفي عند بعض المحللين السياسيين؛ فهذه الحكومة بعيدة كل البعد عن التناوب السليم بمفهومه الاصطلاحي السياسي المتعارف عليه. فالقوانين المكتوبة والعرفية التي تنظم شأننا السياسي تؤكد أن عمل الحكومة في ظل النظام المغربي-مهما كانت شعارات هذه الحكومة، ومهما كانت برامج الأحزاب المكونة لها، ومهما كانت نياتُ أعضائها ورغبتُهم في الإصلاح- لا يمكن أن تكون إلا تنفيذا لقرارات المؤسسة الملكية وتوجيهاتها وتعليماتها. فعمل الحكومة مرهون دوما بإرادة الملك، وخاصة في الملفات السياسية الحساسة والقطاعات الحيوية، كالإعلام والخارجية والداخلية والأوقاف والاستثمار. ومن الأدلة الواضحة في هذا الباب وجود ما يسمّى بوزراء السيادة داخل الحكومة، أي وزراء لا يعملون تحت إمرة الوزير الأول، كوزراء الداخلية والخارجية والعدل والأوقاف وإدارة الدفاع الوطني. فالوزراء أعوان الملك كما عبّر ذات يوم الملك الراحل الحسن الثاني. فماذا يمكن أن يصنع الوزير بصلاحيات العون غيْرَ تنفيذ الأوامر والتعليمات؟

أما التناوب الذي يتحدثون عنه فهو تناوب ممنوح أصلا وفصلا، لأنه أولا لم يكن مؤسسا وفق مبادئ دستورية واضحة وقواعد سياسية ديمقراطية، وثانيا لأنه، باعتراف الجميع، لم يكن وليد انتخابات حقيقية ونزيهة، بل هو تناوب تم بإرادة الملك الراحل ووفق تصوره وشروطه، وإلا فليقل لنا السيد اليوسفي وأصحابه ما هي الشروط التي اشترطوها للقبول بهذا التناوب الممنوح، وما هي المكاسب السياسية التي حققوها من ذلك؟

أما عن حصيلة أداء هذه الحكومة فإن الخبراء يكادون يجمعون على أنها حصيلة تسير في اتجاه التدهور الذي أنتجته الحكومات السابقة. فالمعطيات التي يُمدنا بها الواقع المعيش، فضلا عن أرقام المختصين وشهادات المحللين المحايدين، تشهد بأن أوضاعنا الاقتصادية عامة في تدهور، ولن تستطيع أية حكومة في ظل ظروفنا السياسية الراهنة أن تحقق شيئا، لأن صلاحيات اتخاذ القرارات الجريئة والحاسمة في بعض الحالات، وفتح جميع الملفات ومعالجتها بكل صرامة وشجاعة ليست بيدها. إنها حكومة لا تملك صناعة القرارات المصيرية، وكل ما تملك هو تنفيذ التعليمات السامية.

سؤال: ما هو تقويمكم لوضعية حقوق الإنسان في المغرب بعد وصول محمد السادس إلى الحكم، ورفع الإقامة الإجبارية عن مرشد الجماعة، وإطلاق سراح المعتقلين السياسيين، وعودة المنفيين، وحتى دفع تعويضات إلى ضحايا العهد الماضي؟

جواب: أولا، لا بد من تصحيح بعض المعلومات الواردة في السؤال؛ نحن لا نسمي الظلم الذي كان-وما يزال-واقعا على الأستاذ المرشد عبد السلام ياسين إقامةً إجبارية، لأن الإقامة الإجبارية وضعية قانونية، وإنما نسميه حصارا، لأنه ناتج عن قرار إداري تعسفي لا أساس له من القانون. وقد أثبتت هذا التعسف الهيئة التي تولت الدفاع عن الأستاذ ياسين، لكنها لم تلق عند مؤسسة القضاء أذنا صاغية، فبقي الملف في المجلس الأعلى للقضاء محفوظا في رفوف النسيان ينتظر التعليمات. وهذا الحصار ما يزال مستمرا، والذي حصل في شهر ماي الماضي أن البوليس الذين كانوا يرابطون ببيت الأستاذ عبد السلام ياسين غيروا أماكنهم، وهم اليوم يراقبون بالليل والنهار الممرات الرئيسية المؤدية إلى بيت الأستاذ، وكذلك الأزقة المحيطة بمقر الجماعة بنفس الحي. ويمكن لأي كان أن يعاين هذا الواقع في أي وقت, لأن هؤلاء البوليس يقومون بعملهم في واضحة النهار لا يستترون، بل لقد أصبحوا منذ زمان جزءا ثابتا من جغرافية حي السلام بسلا.

أيضا، ليس صحيحا أنه لم ييق هناك معتقلون سياسيون في السجون المغربية، بل ما يزال الاعتقال السياسي قائما، وما يزال هناك معتقلون سياسيون، منهم طلبتنا الاثنا عشر في السجن المركزي بالقنيطرة المحكومون بعشرين سنة في قضية سياسية بحتة وليس في قضية جنائية كما يروج الإعلام الرسمي وخصوم العدل والإحسان.

أما مسألة دفع تعويضات لضحايا العهد القديم فما يزال الجدل حولها قائما، والآراء في شأنها مختلفة ومتضاربة، وهذا يعنى أن إغلاق ملفات الماضي لن يكون سهلا كما يتوقع بعض الناس، بل قد تتطور القضية فتكون لها امتدادات في مستقبل حياتنا السياسية ما لم تعالج بموازين العدل والإنصاف التي ترضي الجميع. إن قضية الحريات وحقوق الإنسان لم تكن في يوم من الأيام قضية شعارات تُرفع ووعود تُطلق وخطب تُقرأ. فالعهد الماضي قد حطّم الرقم القياسي في الشعارات والوعود والخطب، ومع ذاك فقد كان هو العهدَ الذي ارتكبت فيه أبشع الانتهاكات في حق المواطن المغربي وحرياته في تاريخ المغرب الحديث. ويكفي مثالا على ذلك ذكرُ فظاعات معتقل “تازمامرت” الرهيب.

وكذلك، ليست مسألة الحقوق والحريات عندنا مسألة قوانين، على أهمية وجود هذه القوانين التي تنظم ممارسة هذه الحقوق والحريات، وإنما مشكلتنا الأساس التي أبانت عنها تجاربنا المريرة تكمن في غياب المؤسسات التي تفرض تطبيق القانون وتحمي الحقوق والحريات وتصونها أن تمسها يد البطش والاستبداد.

إن الحقوق والحريات إنما تزدهر في ظل دولة الحق والقانون سلوكا في الواقع وليس وعودا في الخطب. أما في دولة التعليمات-كما هو الحال عندنا-فإن القوانينَ تصبح عارية من أية مصداقية، والمؤسساتِ التي يفترض فيها أن تحمي حقوق الناس وحرياتهم تتحول إلى هياكل فارغة تترد فيها أصداء التعليمات العليا.

إلى يومنا هذا لم نر في السياسات والممارسات والقرارات التي اتخذت، في العهد الجديد وفي ظل حكومة السيد اليوسفي-دعنا من الشعارات والخطب والوعود- ما يطمئن بأننا بالفعل بدأنا نسير نحو إقرار دولة القانون والمؤسسات المسؤولة. فما يزال المواطنون يقمعون ويُمنعون حقوقَهم بسبب أفكارهم وآرائهم واختياراتهم السياسية، وما تزال لغة التعليمات هي سيدة الميدان في حياتنا السياسية؛ فقد منعت التعليمات بعض المواطنين من السفر لأداء فريضة الحج في موسم السنة الماضية(1420). وبالتعليمات مُنعت المخيمات الإسلامية في الصيف المنصرم، ومُنعت جريدتا “العدل والإحسان” و”رسالة الفتوة” من الطبع والتوزيع، وما تزالان ممنوعتين. وبالتعليمات المخزنية الظالمة قُمع الطلبةُ-وما يزالون يُقمعون-في الجامعات واضطُهِدوا وأُرهِبُوا واعتُقِلوا ولٌفقت عليهم التهم الباطلة وصدرت في حقهم أحكام قاسية ظالمة، كان آخرها الحكم في نونبر الماضي على أربعة عشر طالبا في مدينة المحمدية بسنتين سجنا نافذا. وقد تبعتهم التعليمات الظالمة إلى داخل السجن، حيث عوملوا معاملة سيئة. وقد دخلوا اليوم 29 دجنبر2000-في يومهم السابع والعشرين من الإضراب عن الطعام احتجاجا على التعسفات التي تُقابل بها إدارة السجن مطالبهم المشروعة.

وبالتعليمات اللاقانونية دائما، وكذلك بالمذكرات والقرارات الإدارية التعسفية، ما تزال المظاهرات السلمية تواجه بالقمع الدموي، وما تزال المطبوعات تُوقف أو تُصادر، وما تزال الأنشطة الجمعوية، وخاصة الأنشطة الإسلامية، تُمنع أو تُعرقل، وما تزال بعض الهيئات السياسية والفكرية والثقافية لا تحظى باعتراف السلطات رغم شرعيتها القانونية، وما يزال بعض المواطنين محرومين من جوازات سفرهم بسبب اقتناعاتهم الفكرية والسياسية، وما تزال حرمات الأشخاص والبيوت تنتهك بغير أي موجب قانوني. وقد أبانت التدخلات القمعية العنيفة التي نفذتها السلطات يومي تاسع وعاشر دجنير الجاري وغداة إعلان الملك محمد السادس عن استحداث جائزة لحقوق الإنسان، وبمناسبة الاحتفال بالإعلان العالمي لحقوق الإنسان-أبانت هذه التدخلات عن حقيقة المستوى الذي تردت فيه أوضاع حقوق الإنسان بالبلاد. فعن أية تطورات إيجابية يتحدثون؟ وبأية حقوق وحريات يتغنى الخطاب الرسمي؟

وحتى مشروع القانون الجديد للحريات الذي أعدته الحكومة فإن التعليقات الأولى التي أدلى بها الحقوقيون في شأنه تُبيّنُ أنه قانون يكرس دولة التعليمات حيث يمكن لرجال السلطة أن يقمعوا ويمنعوا وهم في مأمن أن تصلهم يد القضاء.

وفي رأينا، فإن أوضاع الحريات وحقوق الإنسان في بلادنا ستظل في تدهور ما دام هناك مسؤولون فوق القانون، وما دامت هناك تعليمات وأوامر مقدسة تشل المؤسسات وتعطل القوانين وتلغي المسؤوليات.

سؤال: بمَ تمتاز جماعة العدل والإحسان في الساحة المغربية؟

جواب: جماعة العدل والإحسان إجمالا هي جماعة دعوة، تقترح على الناس مشروعا مجتمعيا ينطلق من منهاج تربوي تنظيمي جهادي تتصل أصوله الكبرى بالأمر والنهي الشرعيين في كتاب الله، عز وجل، وسنة رسوله، صلى الله عليه وسلم. قوام هذا المشروع المنهاج النبوي “تربية وتنظيما وزحفا”. وشعار الجماعة الدائر حول العدل والإحسان يشكل عماد فكر الجماعة واجتهاداتها في مضمار التدافع السياسي والتغيير الحضاري.

وقد خص مرشد الجماعة الأستاذ عبد السلام ياسين هذا الشعار بكتابين مستقلين امتازا بطول فصولهما وعمق تحليلاتهما، فضلا عما تضمناه من نظرات فقهية تجديدية إلى كثير من القضايا والإشكالات المطروحة اليوم على الأمة الإسلامية في شؤون الدعوة والدولة؛ الكتاب الأول بعنوان “الإحسان”، وهو في جزأين، يتضمن حوالي 1060 صفحة، والكتاب الثاني عنوانه الرئيس”العدل” مع عنوان ثانوي “الإسلاميون والحكم”، صدر سنة 2000، ويشتمل على حوالي 600 صفحة تقريبا.

وما يزال في جعبة الجماعة-والحمد لله-أفكار ومشاريع واجتهادات أخرى تسعى لتقديمها للمسلمين أجمعين تتعلق بالنهوض بأحوالهم وإصلاح شؤون معاشهم والاهتمام بأمورهم في العاجلة والآجلة. ونظرا للتضييق والحصار المستمرين علينا، فالجماعة ما تزال غارقة في معركة الوجود بالرغم من أن الحكم الصادر من المحكمة العليا يؤكد أن الجماعة قانونية. لكن جوهر المشكلة في المغرب أن القانون شيء والممارسة شيء آخر. لذا فإن مشكلة العدل والإحسان سياسية وليست قانونية. فالنظام السياسي في المغرب لا يريد أن يقتنع أن هناك تيارا سياسيا يسمى “العدل والإحسان”، وهو منتشر في أرض الواقع، وله أفكار وتصورات. فإما أن يتم الاعتراف سياسيا بوجود هذا التيار وتُعطاه حقوقه كسائر التنظيمات العاملة في الساحة السياسية المغربية، وإلا فإن حديثهم عن الديمقراطية وعن دولة الحق والقانون ما هو إلا افتراء وبهتان.

سؤال: الأستاذ أرسلان، ما هو تفسيركم للوضعية التي توجد فيها جماعتكم؟

جواب: عدم قبولنا الشروط المملاة والدخول في اللعبة السياسية سببٌ رئيس في استمرار الوضعية التي نحن فيها. وجماعة العدل والإحسان لن تقبل أبدا بالعمل في إطار “اللعبة”، لأن عملنا يتم في إطار الوضوح والصراحة وأمام الملأ وعلى أعين الشعب، ليكشف الزيف ويعرف الحق، وتختار الأمة الصادق، ويُخزى المنافق، وذلك بعيدا عن المساومة والبيع والشراء. وأَعْلم، أخي الكريم، أن هذا الخيار صعب ولا يناسب الكثير، ولكن المبدأ عندنا مقدّس، وللعمل الجاد والمسؤول ثمنه، ولا ننتظر أن تتغير الوضعية إذا استمرت نفس العقلية التي تدير الحكم؛ إنها أزمة عقلية مخزنية استبدادية ترفض التعايش مع الآخر الذي يحمل أفكارا غير أفكارها، وشعارا غير شعارها. إن المغرب يعيش “أنا” سياسية الجميعُ يتحمل المسؤولية في التصدي لها، وإلا فالحديث عن الديمقراطية وحقوق الإنسان فصل آخر من فصول الكذب على الشعب. وقد انفضح الأمر يومي التاسع والعاشر من دجنبر عام 2000، بمناسبة الاحتفال بالإعلان العالمي لحقوق الإنسان، حيث تعرض العشرات من الجمعية المغربية لحقوق الإنسان، والمئات من أعضاء جماعة العدل والإحسان للضرب الوحشي العنيف والاعتقالات التعسفية والمحاكمات السياسية المطبوخة.

سؤال: هناك حملة إعلامية مكثفة داخل المغرب تتهم الجماعة بتسببها في حدوث المصادمات الأخيرة مع قوى الأمن من خلال محاولات استعراض القوة والاستفزاز، وتحذر من خطر أعمال العنف على استقرار البلاد ومسيرة تنميتها الاقتصادية، ما هو ردّكم؟

جواب: لنصٌغْ السؤال بشكل آخر: من يمارس الاستفزاز والعنف ومن يمارَس عليه هذا الاستفزاز والعنف؟ أعضاء الجماعة وأنصارها الذين كانوا يحملون المصاحف، أم قوى المخزن المشكلة من كل الأنواع، والمدججة بمختلف أسلحة القمع وأدوات العنف والإرهاب والتي لم يسلم من أذاها حتى الشيوخ والأطفال والنساء؟

أما موقفنا من العنف، فهو مشهور ومكتوب في أدبيات الجماعة ومبادئها؛ فقد صرحنا دائما أننا ضد العنف، عنف الأشخاص والجماعات والدول، وضد التعامل مع الجهات الأجنبية، وضد السرية. فهذه مبادئ أساسية نادينا بها منذ عام 1978 حينما طالبنا بتأسيس حزب إسلامي. وحينما أسسنا الجمعية قلنا إنها ذات صبغة سياسية، وكنا نتحدث بكل وضوح ونجتمع في واضحة النهار، وما ننادي به من أفكار وتصورات ننشره في العلانية.

إذن فتهمة العنف والاستفزاز واستعراض القوة هي تهمة مجانية باطلة، يؤكد بطلانها أن الجماعة نظمت وقفات في ثماني مدن كبرى، وتدخلت قوات السلطة لمنع هذه الوقفات تدخلا امتاز بالعنف الدموي الهمجي أسفر عن إصابة المئات من المحتجين المسالمين، ومع ذلك فلم يسجل أحدٌ أن رجلا من هذه القوات أصيبت منه شعرة واحدة أو انتزع زر من أزرار بزته، وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على أن اللاعنف عند الجماعة هو اختيار استراتيجي ما تزال تتكسر على صخرته كل دعاوى الأعداء والخصوم. إننا لا نظن أن هناك جماعة سياسية في المغرب تعرضت لما تعرضنا له في جماعة العدل والإحسان من عنف الدولة وقمعها وإرهابها، ومع ذلك فإن إعلام الخصوم والأعداء لا يفتأ يلفق التهم ضدها، لأنه ليست عندنا جريدة أو وسيلة إعلامية أخرى نشرح من خلالها وجهة نظرنا وندافع فيها عن مواقفنا. وخير مثال على ذلك المنع الأخير لجريدتي “العدل والإحسان” و”رسالة الفتوة”، وقبلهما جريدتا “الصبح” و”الخطاب” ومجلة “الجماعة”. ننتظر من الله الفرج القريب.

سؤال: تدعو الجماعة إلى مشروع حواري للوصول إلى ميثاق إسلامي يتم التعاقد عليه على مرأى ومسمع من الشعب، وتعتبر أن مصداقية هذا الميثاق ستكون أكبر من التناوب التوافقي. ما هي معالم هذا المشروع؟

جواب: قبل أن أعطي توضيحا حول موضوع “الحوار والميثاق”، أشير في هذا السياق إلى أن الحركة الإسلامية في المغرب تسير، والحمد لله، من حسن إلى أحسن، وتكسب، على مر الأيام، المزيد من النضج والخبرة وبعد النظر، مما مكنها من تجاوز بعض السلبيات التي كانت تعانيها من قبل وبددت فيها الكثير من الجهود والطاقات. لكن، لا يزال الطريق أمامنا طويلا والتحديات التي تنتظرنا كبيرة لا ينبغي الاستهانة بها. لهذا نعتقد في جماعة العدل والإحسان أن الوضعية في المغرب تتطلب تظافر الجهود بين الإسلاميين وكل الغيورين للخروج من الوضعية الراهنة. فالأوضاع في البلاد صعبة جدا، والأزمة عميقة، لذلك نادينا بالحوار، ودشنت الجماعة هذا الحوار مع فعاليات إسلامية وغير إسلامية في مناسبات متعددة منذ أن صدر كتاب الأستاذ عبد السلام ياسين “حوار مح الفضلاء الديمقراطيين” عام 1994، الذي تلته سلسلة من الكتب الحوارية، ككتاب “حوار الماضي والمستقبل”، وكتاب “حوار مع صديق أمازيغي”، وكتاب “الشورى والديمقراطية”، وكتاب “أسلمة الحداثة”(بالفرنسية). ومن خاصيات هذا الحوار الذي دشنته هذه الكتب أنه حوار رفيق، جاد، بريء من المغالطات والمزايدات، يدعو الجميع إلى الابتعاد عن الكواليس وعرض ما عندهم في شفافية تامة.

إننا مستعدون للحوار مع الجميع وفي كل شيء بدون أي استثناء. ليست لدينا خطوط حمراء، وليس عندنا تحفظ على أي جهة تريد التحاور معنا. وفيما يخص الأرضية التي يمكن أن تجمعنا على مائدة الحوار، فنحن نطرح الأرضية الإسلامية، فالجميع يعلن أنه مسلم، وبالتالي فلا أرضية تجمعنا ولا بساط يسعنا إلا الإسلام. فلا الوطنية ولا المصلحة العامة ولا اللغة يمكن أن تجمع مختلف مكونات الشعب المغربي.

سؤال: ما هي حدود الاختلاف والتقارب بينكم وبين بعض التنظيمات الإسلامية في المغرب المرخص لها، ومنها حزب العدالة التنمية الممثل في البرلمان؟ ولماذا ترفضون سياسة الإصلاح من الداخل على مراحل والقبول بقواعد اللعبة السياسية والدخول فيها؟

جواب: نختصر الجواب عن هذا السؤال بتسجيل التوضيحات التالية:

1. السلطة المخزنية عندنا لم ترخص قط لأية حركة إسلامية بالعمل الإسلامي، وسبب ذلك، ببساطة، أن هذه السلطة تعتقد أن العمل السياسي الإسلامي هو حكر على الملكِ “أميرِ المؤمنين” وحده فقط. وعلى الرغم من وصول بعض أفراد “حركة التوحيد والإصلاح” إلى البرلمان من طريق حزب “العدالة والتنمية” فإن السلطة في البلاد لا تعترف بصفتهم الإسلامية، بل تعتبرهم منتخَبين ينتمون إلى حزب موجود منذ أربعين سنة، كما صرّح وزير الداخلية أحمد الميداوي في أحد الاستجوابات الصحفية، وهو يقصد حزب “الحركة الشعبية الدستورية الديمقراطية” الذي أسسه الدكتور عبد الكريم الخطيب سنة 1967. والمعروف أن السلطة كانت قد رفضت سنة 1992 بغير أي موجب قانوني الترخيصَ لحركة الإصلاح والتجديد بتأسيس حزب سياسي. وقد توحدت هذه الحركة فيما بعد مع “رابطة المستقبل الإسلامي” سنة 1996 فكونا “حركة التوحيد والإصلاح”. وقد التقت مصالح هذه الحركة مع مصالح حزب الدكتور الخطيب، فتم انضمام شرائح واسعة من قيادييها وأعضائها إلى هذا الحزب الذي أصبح يسمى “حزب العدالة والتنمية”. والمسؤولون في الدولة اليوم، وكذلك الإعلام الرسمي وبعض المنابر الحزبية والفكرية لا يعترفون لحزب العدالة والتنمية بأية خصوصية إسلامية-طبعا حسب المفهوم السياسي الاصطلاحي السائد اليوم لكلمة “إسلاميين”- بل تعدّه كسائر الأحزاب التي تحظى بتزكية النظام ورضاه. وهذا الموقف الرسمي يبين حقيقة السياسية الإقصائية التي تتبعها الدولة تجاه الظاهرة الإسلامية في المغرب عموما وتجاه الحركات الإسلامية بصفة خاصة.

2. إن الحضور في الساحة السياسية لا يسجل فقط بالمشاركة في الانتخابات والعمل داخل الحدود التي يرسمها النظام للعبة الديمقراطية برمّتها، بل قد يُسجل هذا الحضور أيضا-وقد يكون قويا-خارج القواعد الرسمية للعبة، وذلك بمعارضة هذه القواعد وتبيان نقائصها وكشف تناقضاتها والدعوة إلى قواعد جديدة تستجيب لمبادئ العدل والشورى وحقوق الإنسان. فلماذا لا يتسع صدر النظام عندنا لهذا النوع من المعارضة.؟ لماذا تقصى المعارضة العاملة خارج البيت الرسمي، وتقبل المعارضة الخاضعة لقواعد اللعبة؟

3. لقد اختار إخوتنا في “حركة التوحيد والإصلاح” المشاركةَ وفق القواعد التي يفرضها النظام، ولهم في ترجيح هذه المشاركة تفسيراتهُم السياسية وتأويلاتهُم الفقهية.إنه اختيار نحترمه ونتفهم دواعيه. ولا شك أن للسلطة حسابات ومبررات وأهدافا وراء إقصاء جماعة “العدل والإحسان” وتقريب “حركة التوحيد والإصلاح”، كما أن لهذه الحركة مبرراتِها للقبول بالمشاركة. ومما نستنتجه من تجربة مشاركة إخواننا أن النظام قد عرف كيف يستغل حضورهم في ملعبه ليعيد الاعتبار للإسلام الرسمي بطقوسه وموروثاته وأعرافه، وليشدد الخناق والحصار على دعوة العدل والإحسان، وليفرغ وجود الإسلاميين في الساحة السياسية من بعده الدعوي التجديدي الجماهيري.

4. أما ما عن الانتخابات، فيمكن تعليل إحجامنا عن المشاركة فيها بثلاثة أمور على الأقل:

1. أول هذه الأمور أن مشاركتنا ستزكي النظام السياسي العام الذي نعتقد أنه نظام قائم في أساسه على أصول وأعراف وموروثات تناقض مبادئ الحريات والحقوق الإنسانية. إن الرابح الوحيد من الانتخابات التي تجري في بلادنا بالصورة المعروفة هو النظام المخزني. فهذا النظام يحرص كل الحرص على أن تجري لعبته الديمقراطية وفق القواعد التي سطرها بيده، وفي حدود الشروط التي وضعها من عنده وفرضها على جميع المشاركين، وذلك كلُّه من أجل أن تصب نتائج اللعبة في النهاية في رصيده السياسي. إن المشاركة في هذه اللعبة بهذا الشكل هو-في اعتقادنا- مشاركةٌ-واعية أو لاواعية-في تقوية دولة المخزن والتعليمات على حساب دولة القانون والمؤسسات.

2. ثاني هذه الأمور هو أن الفائز أو الفائزين في هذه الانتخابات-إن سلمت من الغش والتزوير-سواء كانوا في البرلمان أو الحكومة أو المجالس المحلية، لن تكون بيدهم، حسب الدستور والقوانين المكتوبة والعرفية التي تحكم حياتنا السياسية، أية سلطات فعلية لتطبيق برامجهم، إن كانت لهم برامج، بل سيكونون في أحسن الأحوال منفذين للسياسات التي تحددها خطابات الملك وتوجيهاته وتعليماته. فلماذا، إذا، التنافس في الانتخابات؟ وفي أي شيء يكون إدلاء الناخبين بأصواتهم؟ بل لماذا وجود الأحزاب السياسية ابتداء؟

3. وثالث هذه الأمور أن الانتخابات عندنا، أي في ظل نظام سياسي يجعل بيد الملك مطلق السلطات والصلاحيات، وفي وسط شعب أكثر من نصفه يعاني الأمية الأبجدية فضلا عن الأمية السياسية التي تفشو في شرائح واسعة من النخب والأطر المتعلمة، وفي أجواء طالما طبعها الإرهاب المخزني الذي تجسده رموز السلطة من أسفل السلم إلى أعلاه-الانتخابات في هذه الظروف والشروط هي، بمعنى من المعاني، عبارة عن تنشيط لسوق الكذب والاحتيال بلحن القول وشراء الذمم والنعرات القبلية والحزازات الحزبية، حيث تطغى الأنانيات وتسود الأهواء وتضيع المصالح العامة. ولنا في أربعين سنة من التجربة عبرٌ إن كنا نعتبر.