جاء في قصاصة لوكالة المغرب العربي للأنباء أن الوزير المكلف بحقوق الإنسان حلّ يوم الثلاثاء الماضي(31/10/00) بباماكو(عاصمة دولة مالي) لتمثيل المغرب في المنتدى الدولي حول الممارسات الديمقراطية وحقوق الإنسان والحريات العامة في الفضاء الفرنكفوني

 Symposium international sur les pratiques démocratiques, les droits de l”homme et les libertés publiques dans l”espace francophone

الذي ستدوم أشغاله من فاتح نونبر إلى الرابع منه.

ويسأل المرء العارف بحقيقة أوضاع حقوق الإنسان بالمغرب عند قراءة هذا الخبر: ماذا سيقول هذا الوزير في هذا الملتقى؟

لقد ذهب السيد محمد أوجار إلى باماكو وليس في حقيبته إلا الدعايةُ للنظام المخزني في عهده الجديد، والعملُ من أجل تبييض الصفحات السوداء التي طبعت عهده السابق في مجال الحريات وحقوق الإنسان.

لقد استحدث الملك الراحل هذه الوزارة تحت الضغط، وخاصة بعد أن تكشفت للرأي العام الدولي فظاعات جرائم معتقلات تازمامرت وقلعة مكونة وغيرهما من معتقلات النظام السرية والعلنية، ولم يعد هناك سبيل لحجب الشمس بالغربال. وقد أراد مهندس هذه الوزارة أن تكون مهمتها محصورة في المدح والتبييض، والتبشير في المنتديات المحلية والدولية بأن فجر الحريات وإقرار الحقوق قد طلع على المغرب وأن ليل ظلامات تازمامرت قد ولّى. وما تزال هذه الوزارة منذ تأسيسها تسعى بكل السبل لتجميل وجهٍ طارت شهرة قبحه في كل الأرجاء.

ويكفي لدحض هذا الخطاب الدعائي التبييضي التبشيري أن وزارة الداخلية بسلطاتها القمعية الواسعة ما تزال فوق كل الوزارات، وما تزال التعليمات والأوامر باختطاف المواطنين وتعذيبهم وإهانتهم، واعتقالهم بغير حق، وتلفيق التهم ضدهم وتقديمهم لمحاكمات مفبركة، وسجنهم ظلما وعدوانا، وحرمان المواطنين من حقوقهم وانتهاك حرياتهم- ما يزال كل هذا وغيره من المظالم قائما. ما تزال الأسباب التي أدت إلى مآسي تازمامرت نشيطة في الواقع رغم كل الشعارات والإشارات والتلفيقات التي يراد بها إيهام الرأي العام بأن هناك مبادرات جدية للقطيعة مع عقلية العهد الماضي. ومهما اجتهدت الآلة الإعلامية المخزنية لتجعلنا نعيش خارج التاريخ، فإن ذاكرة الشعوب ستبقى حية ولن تنسى أبدا.

ماذا سيقول وزير حقوق الإنسان المغربي للمجتمعين في باماكو عن القمع الشرس الذي يتعرض له الطلبة في هذه الأيام بسبب آرائهم وأفكارهم واختياراتهم النقابية؟

فما يزال العمل النقابي الطلابي في الجامعات المغربية، وفي طليعة قيادته طلبة العدل والإحسان، يواجه منذ مطلع السنة الجامعية الحالية هجمة قمعية مخزنية شرسة يزكيها سكوت إعلامي وحزبي شبه مطلق ينبئ عن تحالف ضمني بين المؤسسة المخزنية وخدّامها الجدد من أصحاب الامتيازات في حكومة التناوب الممنوح. تحالف على استئصال الصوت الحر الذي باتت تمثله دعوة العدل والإحسان في الساحة السياسية المغربية، وإن كان ذلك على حساب أبسط مبادئ حقوق الإنسان وقوانين الحريات العامة.

إن الطلبة يعانون في هذه الأيام الأمرّين على يد سلطات القمع التي أصبحت هي الآمر والناهي في الفضاء الجامعي من خلال موظفي وزارة الداخلية الذين يديرون الأحياء الجامعية ويعسكرون داخل الكليات في صورة ما يسمى “الحرس الجامعي” وفي صورة مخبرين سريين، فضلا عن القوات المرابطة في مداخل المؤسسات الجامعية وهي على أهبة التدخل في أي وقت.

لقد فاق عدد الطلبة المتابعين حاليا أمام القضاء رقم المائة، منهم من هو في حالة اعتقال وأغلبهم في حالة سراح، من غير احتساب الذين تعرضوا للضرب والإهانة والإرهاب والاستنطاق ثم أفرج عنهم من غير أن يقدموا للمحكمة.

أين هي حقوق الإنسان في هذه المخازي المخزنية يا وزير حقوق الإنسان؟

أين هي كرامة الطالب المغربي وحريته يا من يمثل المغرب في المنتديات الدولية الخاصة بحقوق الإنسان؟

أين هو احترام القانون ومئات الطلبة يضربون ويعتقلون ويعذبون وتلفق عليهم التهم الباطلة خارج القانون، وفي بعض الأحيان بالتحايل على القانون وليّ أعناق نصوصه لتكييف التهم ضد أبرياء ليس لهم من ذنب سوى أنهم اختاروا طريقا في الفكر والتربية والتنظيم والعمل السياسي لا يرضى عنه المخزن؟

العالم يعرف اليوم أن همّ الدولة المخزنية في المغرب هو استئصال جماعة العدل والإحسان؟

والعالم يعرف، والوقائع اليومية تؤكد، والتجارب بيّنت أن دعوة العدل والإحسان دعوة راسخة في الأمة لن ينال منها الإرهاب المخزني الجبان مهما بلغ جبروته، وأن طالبي اجتثاث شجرة هذه الدعوة المباركة إنما مثلهم كمثل الحارث في الماء، ثم ليس لهم بعد ذلك إلا الهزيمة والهوان وفي الآخرة خزي عظيم.

يا وزير حقوق الإنسان، ماذا ستقول للمجتمعين في ندوة باماكو الحقوقية العالمية عن الخروقات القانونية والانتهاكات الحقوقية والممارسات القمعية الإرهابية الاستئصالية اليومية التي ترتكب في حق جماعة العدل والإحسان، في ظل العهد الجديد الذي ليس في حقيبتك الفارغة إلا التبشير به والدعاية له، وفي ظل حكومة “التوافق” التي يرأسها عبد الرحمن اليوسفي الذي ما تزال بعض الجهات تتغنى بمآثر ماضيه النضالي الحقوقي العتيد؟

لقد بلغتك، أنت وبعض زملائك في الحكومة، الوثائقُ والأوراق والبيانات التي توثق تلك الخروقات والانتهاكات، وكذلك وصلتك شكايات ورسائل تظلمية في الموضوع، لكنك لم تنبس ببنت شفة، وظللت، كما أريد لك، بوقا متنقلا في المحافل الوطنية والدولية لا يفتر عن مدح النظام المخزني.

ماذا سيكون موقفك غدا، يوم تسقط الأقنعة وتظهر الوجوه على حقيقتها؟

ماذا سيكون جوابك أمام الله يوم تبيضّ وجوه وتسودّ وجوه؟

ماذا ستقول للشعب يوم يعرف-وهو عارف اليوم قبل غد- أنك رضيت، عن اقتناع واختيار، أن تحمل حقيبة وزارية فارغة إلا من المدح الكاذب، والتبييض المزوّر، والدعاية المخزنية الصفيقة، وأن تطوف بها في اللقاءات الدولية ساكتا عن الحق متكلما بالباطل؟

اتق الله يا وزير حقوق الإنسان، واعلم أن اليوم عمل ولا حساب، وغدا حساب ولا عمل، والكيس من فكر في آخرته وعمل لما بعد الموت. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.