دخل المغرب عهدا جديدا مع الملك محمد السادس، هل تعقدون في جماعة العدل والإحسان آمالا وطموحات على هذا العهد؟

كلمة العهد الجديد أو هذا الشعار الذي يرفع، ينبغي أن نحدد أولا أبعاده، إذا كان المقصود مجيء شخص جديد فهو عهد جديد فعلا، ولكن على مستوى الممارسة، وأتحدث فيما يتعلق بجماعة “العدل والإحسان” فحتى الآن لم نلمس أي جديد. فوضعية الجماعة هي نفس الوضعية كما كانت في العهد السابق، مازال المرشد العام محاصرا، وإخواننا ما يزالون في السجن والممنوعون من أداء شعيرة الحج ومن جوازات السفر مازال وضعهم على ما هوعليه، ومازالت بيوتنا وهواتفنا مراقبة وتحركاتنا مضايقة، فمقولة العهد الجديد على إطلاقها لدينا عليها بعض التحفظ، إذ إلى الآن لم نلمس عمليا شيئا جديدا.

على ذكر الإشارات فقد أعطى العهد الجديد بعض الإشارات فيما يخص ملف حقوق الإنسان مثلا، كعودة الشيوعي إبراهام السرفاتي وعائلة المهدي بن بركة، لكن كيف تنظرون إلى هذا الفصل بين قضية السرفاتي وقضية حصار المرشد، في الوقت الذي كان الارتباط بينهما حاضرا في المحطات السابقة؟

لايخفى أن الملفين ليسا متشابهين، ملف السرفاتي ملف شخص، أما ملف الأستاذ عبد السلام ياسين، فهو ملف جماعة وتكتل وقوة سياسية، إذن التعاطي مع المسألتين بالمقاييس نفسها ليس صحيحا، فهناك فرق.

سمعنا مؤخرا أن هناك اتصالات تمت بين شخصيات مقربة من الوزير الأول عبد الرحمن اليوسفي والشيخ ياسين، وكانت هناك شروط . إلى أين وصلت هذه الاتصالات؟

أؤكد أن أي زيارة من طرف اليوسفي أو من طرف الحكومة لم تتم إلى الآن، وأنا أجزم بهذا، لم يكن هناك اتصال باستثناء عبد الصمد بلكبير “عضو ديوان الوزير الأول” الذي أعلن أكثر من مرة أن زيارته زيارة شخصية وأنا مع الأسف، أتفاجأ في الصحف التابعة للحكومة أن هذه الزيارة كانت في إطار كذا وكذا، وأن الأستاذ عبد السلام ياسين مازال متشبتا بكذا، فهذه مجرد إشاعات لا غير، فهذا كلام فيه تعميم وتوهيم للناس بأن هناك أشياء تجري، فمن طرف الحكومة لم يكن هناك أي اتصال، حتى الاتصالات السابقة التي تمت لا نمنحها وزنا طالما لم تسفر عن نتائج ملموسة طيلة هذه المدة، هناك بعض الاتصالات من هنا وهناك، ولكن العبرة بالنتائج، وإلى الآن يبدو لي أن الأمور لم تسر في الطريق الذي يجب أن تسير فيه، فـ “العدل والإحسان” إما أن يتعامل مع ملفها على أساس أنها قوة سياسية موجودة، فإذن يجب أن تمنح لها الحقوق التي تعطى للقوى السياسية بغير قيد ولا شرط، أو أنها سيتعامل مع ملفها بالتجزئ، أي مشكلة الحصار ومشكلة المعتقلين أو غير ذلك، وسيبقى المشكل قائما، فهي قضية واحدة، قضية هذا التكتل والتنظيم أو “الرقم” كما يصطلح عليه السياسيون، هل الدولة الآن مقتنعة بأن هذا الرقم يجب أن يساهم كما يساهم الجميع بدون قيود أو شروط مسبقة فتعطيه الحرية، أو تتعامل معه بالمنطق الأمني الذي أدى إلى هذا المنغلق الذي وصلنا إليه.

هل صحيح أن سبب تأخر رفع الحصار عن الأستاذ عبد السلام ياسين مرده إلى ربط الجماعة بين ملفها هي كجماعة وتنظيم وبين ملف الحصار، بينما السلطات المسؤولة ترفض مثل هذا الربط؟

هما في الواقع ملف واحد، وربما تتذكرون عنوان الكتاب الذي أصدرته بعنوان: “عبد السلام ياسين، حصار رجل أم حصار دعوة؟” فالأستاذ عبد السلام ياسين لم يحاصر باعتباره عبد السلام ياسين ، بل باعتباره رمزا لهذه الحركة. ولم يحاصر لذاته، والمشكلة ليست في أن يخرج أو يدخل، فهذا تقزيم للمسألة إذا تعاملنا معها بهذه الكيفية، قضية الأستاذ عبد السلام ياسين هي قضية العدل والإحسان.

النظام يتهم الجماعة بالعنف والتطرف، ويستدل على ذلك بأنه عندما رفع الحصار عن الأستاذ عبد السلام ياسين قبل أربع سنوات ذهب إلى المسجد وألقى كلمة فيه، فأعيد الحصار بمبرر التحريض، وكرر الوزير المكلف بحقوق الإنسان مؤخرا هذا الاتهام؟

أولا النظام لا يتهمنا بالعنف، هذا اتهام لا أساس له من الصحة، وتصريحات وزير الداخلية نفسه تؤكد ذلك إذ صرح عدة مرات أن الحركة الإسلامية بالمغرب لا تتبنى العنف، وتصريح الملك الراحل نفسه يؤكد بدوره هذه المسألة، فإذن هذه الاتهامات لا أساس لها من الصحة بشهادة النظام نفسه. مسألة خروج الأستاذ عبد السلام ياسين وإلقائه كلمة في المسجد، هذه مغالطة محضة، لماذا؟ لأن الحصار رجع قبل أن يخرج الأستاذ عبد السلام ياسين إلى المسجد، بدليل أنه قال في كلمة المسجد: “لقد أخبرنا بأن الحصار رجع”، والسلطة حينما تتورط تحاول أن تبحث عن مبررات لتبرير قراراتها، مسلسل العملية كما تمت هو أننا يوم الأربعاء فوجئنا بزيارة مجموعة من المحامين للأستاذ عبد السلام ياسين أخبرونا بأن الحصار قد رفع، مضى يوم الخميس ،ويوم الجمعة حينما ظهر أن الحصار رفع خرج الأستاذ لأداء الصلاة.قبل الجمعة، اتصل بي المدير العام الإقليمي للأمن بسلا وأخبرني بألا أساس للخبر الذي سمعته وأن الحصار مازال قائما، وانه ينبغي أن أطلب إلى الأستاذ عبد السلام ياسين أن يرجع إلى بيته، وأن تعود الأمور إلى ما كانت عليه، أخبرت الأستاذ عبد السلام ياسين بأن الحصار مازال قائما، وفي الكلمة التي ألقاها في المسجد أشار إلى هذه النقطة، وقال:” إن السلطة أرجعت الحصار” ، فإذن ليس الخروج إلى المسجد هو السبب، أو التصريح الذي أدلى به ، بدليل الخطبة التي هي منشورة وموزعة، وشاهدة ، هذا حدث يوم الجمعة، وفي يوم السبت اتصل بي مدير الشؤون العامة بالولاية وأخبرني بأن والي الرباط يريد أن يلتقي مجلس الإرشاد، والتقينا به في اليوم نفسه بحضور عامل سلا ومدير الشؤون العامة للرباط وسلا والوكيل العام للملك وناظر وزارة الأوقاف، وأخبرنا الوالي وقتها (بنشمسي) بأنه يجتمع بنا باسم الحكومة، وأن مجموعة من الوزراء ينتظرونه، وأنه جاء لكي يخبرنا بأن الحصار رفع. وقع هذا بعد يوم من خروج الأستاذ عبد السلام ياسين إلى المسجد، وقال لنا: “إن ما حدث كان نوعا من الارتباك وأن الحصار الآن رفع”، وطلب إلينا مع الحاضرين أن ننتقل إلى بيت الأستاذ عبد السلام ياسين، ونخبره بأن الحصار رفع حتى نعود إلى الوالي ونؤكد له أن الأستاذ قد بلغه الخبر فيبلغ اللجنة الوزارية. ولكن نفاجأ يوم الأحد التالي بالسلطة تمنعنا مرة أخرى، فهذا يبين الارتباك والاضطراب داخل الحكومة. أما مبررات الخروج إلى المسجد وإلقاء كلمة فيه وغيرها فهذه مبررات واهية، ثم ماذا حدث يوم الجمعة حتى يكون ذلك هو المبرر؟ كل ما حدث هو أن الأستاذ عبد السلام ياسين ألقى في الناس خطبة منشورة لم يحرض فيها على العنف ولم يسب فيها أحدا، بل فسر بعض سور القرآن الكريم وتكلم بصفة عامة، ولم يخرق النظام أو يقترف شيئا يمكن أن يكون سببا لإعادة الحصار.

هل يمكن أن أقول إن إعفاء وزير الداخلية من مهامه إعلان عن بدء انفراج ملف الجماعة وزوال الهاجس الأمني؟

المشكلة ليست مع وزارة الداخلية، وزير الداخلية هو جزء من القضية، نعم، ولكن المشكلة مشكلة عقلية تسيير البلاد، أما أن نعلق المشكلة على مشجب وزير الداخلية، فهذا غير سليم.

أشاعت بعض الجهات الإعلامية الغربية أن مرشد جماعة العدل والإحسان يفكر في بعث رسالة إلى الملك الجديد شبيهة برسالة “الإسلام أو الطوفان” التي بعثها إلى الحسن الثاني في منتصف السبعينات هل هذا صحيح؟

الرسالة التي كان قد بعثها إلى الملك السابق باقية وصالحة لأنها ليست مقيدة بزمان معين، فهي تطرح اقتراحا عمليا للخروج من الأزمة.

ألا تفكر جماعتكم في القيام بمبادرة معينة لرفع الحصار الآن، كالقيام باعتصام أو مسيرة أو غير ذلك؟

أسلوب المظاهرات ليس أسلوبنا، الجماعة كانت تشتغل قبل الحصار، وعندما جاء الحصار بقيت تشتغل، وسيرفع الحصار وتبقى تشتغل .لقد استطاعت الجماعة بحمد الله أن تضع لكل وضعية أساليب الدعوة التي تصلح لها، الحصار يقيد حركتنا إلى حد ما، لكننا نشتغل ولسنا في مأزق، ولا يمكن أن نقوم بمظاهرات مثلا، فقضية الحصار هي الآن في الواجهة كما يقولون ومعروفة لدى الرأي العام، ولسنا في حاجة إلى إشهارها والتعريف بها، وهي تسبب إحراجا كبيرا للحكومة لأنها قضيتها ويجب أن تفكر هي في كيفية الخروج منها.

صرح وزير السكنى والتعمير محمد اليازغي قبل أشهر بان الجماعة غير راغبة في رفع الحصار عن مرشدها العام لأنها تستفيد منه في دعم شعبيتها، إلى أي حد شكل الحصار رصيدا شعبيا وسياسيا للجماعة؟

الواقع أن بعض التصريحات تثير الضحك، حينما كانت الحكومة الحالية في المعارضة كانت تعتبر أن الحصار حالة انتهاك لحقوق الإنسان وحريته، وأنه قرار إداري لا يتطلب أي ميزانية، بل هو مسألة قرار يجب أن يصدر وتحل المشكلة، وكانوا يقولون: إن قضية حصار الأستاذ عبد السلام ياسين ستحل منذ اليوم الأول لحكومة التناوب، وهذا تصريح سمعته من أحد قادة الأحزاب الموجودة في الكتلة الديمقراطية مباشرة، ووقتها قلنا لهم إن القضية ليست بأيديهم، والآن عندما وصلوا إلى الحكومة ظهر فعلا أنهم لا يملكون هذا الملف، فبدأوا يبحثون عن أجوبة مضحكة مبكية.

الوزير المكلف بحقوق الإنسان صرح قبل رحيل الملك الحسن أن الشهور المقبلة ستشهد حلا لمشكلة حصار مرشد الجماعة بقرار ملكي، هل كان لديكم علم بذلك وهل كان سيتم فعلا حل هذا الملف؟

الحكومة هي التي يجب أن تتخذ القرار، وان تحل هذا الوضع الذي هي مسؤولة عنه، لكن الآن نجد الوزراء أنفسهم وكأنهم مثل عامة الشعب، هم أيضا يسمعون، فالوزير يصرح بأنه سمع أن هناك حلا في الطريق، وقال أكثر من تصريح، في البداية قال سوف أزف بشرى قريبا، ثم قال: إن هناك شرطا هو التوقف عن العنف وغير ذلك.

المرحلة المقبلة تتطلب تضافر الجهود كلها

بعد نحو عامين من حكومة التناوب، ما تقييمكم لحصيلتها وهل لمستم تغيرات في التعاطي مع قضايا الشأن العام؟

لا أعتقد، وهذا تصريح الحكومة نفسها، وانطلاقا من احتكاكي ببعض أعضاء الأحزاب الحاكمة الآن يظهر أن هناك تذمرا كبيرا داخل صفوف الحكومة، وهناك خطاب داخلي بينهم يتناقض مع التصريحات التي يعطونها للرأي العام، فهم داخليا متأكدون من أنهم لم يستطيعوا أن يفعلوا شيئا وأن ما يقدمونه هو مجرد وعود، ولم نكن ننتظر من الحكومة أن تحقق شيئا، وهذا قلناه في البداية، لأن الشروط التي تعمل فيها الحكومة والتي ستعمل فيها أي حكومة إذا بقيت قائمة لا تسمح لها بأن تفعل شيئا.

عاد مؤخرا اسم حركة الشبية الإسلامية إلى الظهور بعد سلسلة من البيانات التي صدرت عن قيادتها بالخارج، وراجت أنباء عن وجود اتصالات بين زعيمها عبد الكريم مطيع في الخارج وبين وزارة الداخلية قد تقود إلى عودته للبلاد، ألا ترى جماعة العدل والإحسان أن هذه العودة قد تشكل منافسة قوية لمشروعيتها؟

نحن لا نمارس السياسة من أجل السياسة، نحن نرحب بالمنافسين في المشروع الإسلامي، لأننا في حاجة إلى من يساعدنا في ذلك، ونعتقد في جماعة العدل والإحسان أن الوضعية في المغرب تتطلب تضافر الجهود بين الإسلاميين وكل الغيورين للخروج من الوضعية الراهنة، فليس المشكل مشكل المعارضة أو الحكومة، الذي يكون في المقعد المريح هو الموجود في موقع المعارضة، نحن نعتقد أن المرحلة المقبلة تتطلب جهود جميع الغيورين من إسلاميين وغير إسلاميين، فكل من أراد الخير لهذا البلد نرحب به لينافسنا في الخير، “وفي ذلك فليتنافس المتنافسون” (المطففين/26).

سبق أن طرحت الجماعة في 1994م على لسان مرشدها مشروعا للحوار مع كل الاتجاهات السياسية في المغرب، هل فشل هذا المشروع اليوم خصوصا مع وصول أحزاب اليسار والمعارضة للحكومة؟

اعتقد أن هذه النداءات التي صدرت من الجماعة من اجل الحوار، والتي جاءت في كتاب: “حوار مع الفضلاء الديمقراطيين” بل قبل ذلك كان هناك كتاب صدر بالفرنسية في الثمانينيات عنوانه: “حوار مع النخبة المغربة” لكن في عام 1994 اتخذ الحوار نفسا جديدا تجلى في سلسلة من الكتب: “حوار مع الفضلاء الديمقراطيين”

و” حوار الماضي والمستقبل” و “حوار مع صديق أمازيغي” و”الشورى والديمقراطية” ثم كانت هناك لقاءات عقدتها الجماعة مع فعاليات إسلامية وغير إسلامية في مناسبات متعددة ودشنت الجماعة هذا الحوار، لكن هل أعطى هذا الحوار نتائجه أم لا؟ اعتقد أنه أعطى بعض النتائج لأنه عرف بهذا المكون أي الجماعة وأن عنده ما يطرحه للآخرين، أما هل حقق ذلك ما كان يرجى منه فأعتقد أنه إلى الآن لم يحقق ما كنا نصبو إليه، ظهرت بعض النتائج، ولكنها دون ما كان مرجوا ومأمولا، نعتقد أن ما طرحته الجماعة ستظهر قيمته في مستقبل الأيام، لأن ما يحدث الآن هو أننا نسير في الطريق المسدود، فاليسار انشغل بالحكم، بل نرى أن جميع المكونات الموجودة في الساحة كلها تتعامل مع الحاضر القريب جدا ولا تنظر إلى الأمام ولا تطرح بديلا لهذا الطريق المسدود الذي نسير فيه ، واعتقد أن الجماعة طرحت البديل لهذه المرحلة، وطرحت مجموعة أفكار في إطار هذا الحوار، والكتاب الأخير للأستاذ عبد السلام ياسين بالفرنسية “الإسلام والحداثة” يتحدث عن هذا المستقبل القادم بكل وضوح.

أنت تتحدث عن فراغ، ولكن الحكومة الحالية تتحدث عن فراغ ستملؤه الحركات الإسلامية فقد صرح الوزير الأول اليوسفي قبل أشهر أن فشل الحكومة الحالية سيؤدي إلى بروز التطرف الإسلامي بقوة.؟

أنا أفهم من هذا التصريح شيئا واحدا، وهو أن الوزير الأول يعلن عجزه عن إخراج البلاد من هذا التردي، ويستنجد بالآخرين، ولكي يقدم لهم مبررا للتدخل والمساعدة يخوفهم من الإسلاميين ليعينوه على الخروج من الغرق الذي وقع فيه، فهذا اعتراف بالعجز بطريقة ملتوية.

تهمة العنف

مارأيكم في الاتهامات التي تكال للإسلاميين كالعنف والتطرف والإرهاب والتي أصبحت عملة رائجة؟

اعتقد أن هذا الطرح تجاوزه الزمن والأحداث، والآن يظهر الحديث عن إسلاميين معتدلين وآخرين متطرفين، وفي المغرب وبشهادة الجميع الحركة الإسلامية بعيدة عن العنف وتريد المشاركة، والذين يطرحون قضية العنف يحاولون أن يلبسوا الإسلاميين أشياء لا علاقة لهم بها، إذا تكلمنا عن العنف فإننا لن نجده في صفوف الإسلاميين فقط بل في جميع الحركات الموجودة في العالم كله، ومعنى ذلك أن العالم كله يوجد فيه التطرف، لكننا يجب أن نتعامل مع القاعدة لا مع الاستثناء، إذا نظرنا إلى الأحزاب اليسارية مثلا نجد أن العنف موجود في عقيدتها وليس فقط في ممارستها، والآن عقلاء العالم الذي احتكوا بالإسلاميين لا يرون هذا الرأي، فصفة العنف يحاول أعداء الإسلام إلصاقها بالإسلاميين كبعض الجهات الغربية لتقطع الطريق على هذا القادم الجديد الذي يجد تجاوبا داخل الشعوب العربية والإسلامية بشهادة الجميع، فهم يعلمون أن الشعوب إذا أعطي لها حق الاختيار فستختار الإسلاميين، ومن غير المنطقي أن تختار الشعوب من يمارس عليها العنف والإرهاب.

تهمة أخرى توجه إلى الإسلاميين، أنهم يفتقرون إلى برامج سياسية، هل الحركة الإسلامية في رأيكم قادرة على تقديم البديل؟

الآن أصبحت هذه المسألة متجاوزة حتى لدى الذين يطرحونها أنفسهم، لأن وجود برنامج بدون أن تكون في يدك السلطة وبحوزتك الملفات والإحصائيات الحقيقية سيكون برنامجا فارغا تم تحضيره في القضاء وليس انطلاقا من الواقع. لنأخذ المغرب نموذجا، فالمعارضة السابقة الموجودة الآن في الحكم كلها كانت لديها برامج ، ولكن عندما دخلت الحكم وجدت معطيات بعيدة كل البعد عما كان مسطرا عندهم، واضطروا أن يضعوا برنامجا انطلاقا من الواقع الحقيقي، فالذي بإمكانه أن يضع برنامجا ناجحا هو الذي يمتلك المعطيات، والمعطيات بيد الدولة وليست بيد الأحزاب. أما إذا كنت تتحدث عن برنامج كما هو على شاكلة ما لدى الأحزاب فأعتقد أن هذه قضية بسيطة جدا.

إن المشكلة ليست مشكلة البرنامج، وإنما مشكلة العقلية التي تشرف على التطبيق، فالإنسان هو الأساس، إذا أخذنا مثلا البرامج التي قدمتها الأحزاب المغربية نجد أن جلها مهم جدا بغض النظر عن التلوينات السياسية، لكن المشكلة هذا الإنسان الذي سيقوم بالتطبيق.

نحن نأخذ جوهر التصوف وحقيقته

توجه إلى جماعة العدل والإحسان تهمة التصوف، مارأيكم في هذا الاتهام، إن صح أن يكون التصوف تهمة؟

التصوف إذا كان بمعنى الخرافة، فهو شيء مخالف للدين والشريعة، لكن إذا كان التصوف بمعنى التزكية وتقوية العلاقة بالله سبحانه وتعالى وذكر الله والعمل على أن يصبح للعبادات معنى، فهذا هو التصوف الحقيقي المطلوب، والآن نجد أن قواعد الحركة الإسلامية تشكو من هذا الفراغ الروحي، تصلي ولكن صلاتها بلا معنى، ليس فيها حلاوة الإيمان، وكذلك ذكر الله، لأن من صفات المنافقين أنهم “لا يذكرون الله إلا قليلا” وحضور القلب في الذكر، وإذا كان الرسول صلى الله عليه وسلم يقول ما معناه أن ما يكتب للرجل من صلاته ما كان فيها حاضرا، فإن كل واحد ينبغي أن يطرح على نفسه هذا السؤال: كم صلاة أكون حاضرا فيها؟ فإذا كان معنى التصوف أن يجعلني حاضرا مع الله تعالى خاشعا في صلاتي فهذا هو المراد. نسمع ونقرأ عن الصحابة رضي الله عنهم أنهم كانوا يخشعون في صلاتهم، ونقرأ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يسمع في صدره أجيج كأجيج المرجل، وأن أعين الصحابة كانت تفيض من الدمع، وكانوا بكائين قوامين صوامين. أما الحركة الإسلامية الآن فتشكو من غياب هذا كله، والمشكلة في المصطلح، لكن نحن نأخذ جوهر ولب هذا المفهوم بالأساس، إذا كان هذا هو التصوف فنحن متشبثون به، أن يكون لصلاتي معنى وأن تكون علاقتي مع الله حقيقة، وأن نشعر بذكر الله وحلاوة الإيمان، والصيام وقراءة القرآن، أما إذا كان المقصود من التصوف هو الدربلة “الدروشة” والخرافة أو الشعوذة وغير ذلك فنحن نكفر به كفرا بواحا، وعلى كل حال هذا موضوع يصعب الحديث فيه في مقابلة صحافية قصيرة، ونحيل إلى كتاب الأستاذ عبد السلام ياسين الأخير “الإحسان” فقد تطرق إلى هذه النقطة وهو كتاب من مجلدين فيه اكثر من ألف صفحة.

مع الأسف مصطلح التصوف علقت به معان ليست منه، مثل الشعوذة والدروشة وغيرها، فلابد أن نميزه .ونجد في التاريخ أن علماء الأمة كلهم، كما كان لدى كل واحد منهم شيخ يعلمه اللغة أو الفقه والحديث، كان لديه أيضا شيخ مرب يتلقى عنه هذه المعاني، فلم يكن المصطلح شكلا، ولكن علقت به فيما بعد مجموعة من الخرافات والطقوس فشوهت سمعته، لكن العقلاء من الناس لا تؤثر فيهم هذه الخزعبلات اللاصقة بالمصطلح، وإنما المهم هو اللب والجوهر، والله سبحانه أعطانا العقل لنميز بين ما هو صحيح في السنة وما هو خرافة.

قبل صدور كتاب “الإحسان” كان الكثيرون يقولون إنه سيكون بداية حدوث نوع من الانشقاق داخل الجماعة، خصوصا بعد أن تحدث أحد رموز الجماعة الذي فقد علاقته بها عن الكتاب قبل خروجه للناس، ماذا كانت أصداء هذا الكتاب داخل الجماعة؟

حرصنا على إخراج الكتاب على عكس ما تقول، وقلنا إن هذا الكتاب سيجمع شمل الجماعة ولن يفرق وسيوضح تصورنا، فالكتاب على العكس وحد تصورنا ودفع عنا الشبهات.

وما رأيكم فيما يقال من أن أعضاء الجماعة يرفعون شخص مرشدها العام إلى مقامات سامية ويضفون عليه نوعا من القداسة، وتحدث البعض عن أن الجماعة سائرة نحو التحول إلى “زاوية ياسينية” بكون الشيخ المرشد هو قطبها الروحي، ألا يؤثر ذلك بالتالي على الجماعة، إذ يذوب أفرادها في شخصية الزعيم الفرد؟

من السهل أن يطلق الإنسان اتهامات معينة على شخص، وأنا أطلب دليلا على ما يقال، خذ بعين الاعتبار أعضاء الجماعة، من هم هؤلاء الأعضاء؟ هل هم الأميون أم هم الأطر والمثقفون وأساتذة الكليات؟ وهل يمكن أن يكون للجماعة هذا الصيت وهي ترتكز على الخرافة؟ على الناس أن يحاسبوننا على ما كتبنا، وعلى ما نفعل وليس على أساس القيل والقال. المشكلة أننا جماعة غير مرخص لها، أن الدولة ترفضنا وتلاحقنا، لذلك فإن كيفية اتخاذ القرار داخل الجماعة، والمؤسسات، هذه أشياء لا يمكن أن نكشف عنها إلا حين نصبح معترفا بنا مثل الآخرين، فعندما يرتفع عنا كابوس الدولة سنتكلم، ولذلك الآن يبدو للآخرين أننا لا نتخذ القرارات من داخل المؤسسات، وأن القرارات فردية، فكيف يمكن أن يسير شخص واحد كل شيء علما بأنه تحت الحصار؟ الدولة نفسها تعرف أن هناك مؤسسات وتنظيمات وتربية وانضباطا، الأمر الذي لاينهض به حتى عشرون شخصا مثلا.

لكن المراقبين يقولون إن مهمة التنظير والتأليف داخل الجماعة ينفرد بها المرشد العام وحده؟

إذا قمنا بمقارنة بين الجماعة وبين حركات أخرى فإننا سنجد الجماعة الأكثر إنتاجا، فقد أصدرت أنا ثلاثة كتب، وأصدر آخرون كتبا أخرى، لكن الناس مع الأسف لا يطلعون، ثم ينبغي التمييز بين أمرين، بين منظر، وبين الكتابات التي هي أدوات عمل، وفي تاريخ الأفكار في العالم لا يوجد إلا منظر واحد على رأس كل نظرية أو فلسفة، فهناك فقط ماركس واحد مثلا، فالأستاذ عبد السلام ياسين منظر وليس كاتبا يريد أن يعبر عن نفسه، لديه نظرية متكاملة طرحها في المنهاج النبوي ثم فصلها في الكتب التالية، ونظر في المسألة السياسية والتربوية، وفي قضية المرأة والحكم والشورى، فهل نلام إذا كانت لدينا نظرية متكاملة؟ أضف إلى ذلك أن الجماعة لديها عدة كتب غير مطبوعة، ولكن العائق هو الحصار المفروض عليها، الأمر الذي يجعلنا لا نقوم إلا بنشر ما هو ذو أولوية الآن، وهناك كتب عمرها خمسة عشر عاما لم تخرج للعلن.

غايتنا الدعوة والسياسة جزء

بعد ثلاثين عاما تقريبا من وضع المنهاج النبوي، ألا تفكر الجماعة الآن في إعادة كتابته على ضوء المستجدات الفكرية والسياسية خصوصا وأنه جاء في سياق مرحلة المد الشيوعي والقطبية الثنائية الدولية؟

“المنهاج” هو نظرية تنظيمية وتصورية لبناء الجماعة، ولا علاقة له بمشكلات وقعت ثم زالت، وتطرح علينا أسئلة ليس فقط من قبيل تغيير المنهاج، بل هناك من يقول لنا إن العالم تغير فلماذا لا تغير الجماعة من أسلوبها وطريقة عملها، لكن الذي يغير هو الذي يرى أن ما وضعه لم يعد صالحا، أو لم يكن يتوقع مجموعة من المعطيات التي لم يشر إليها عندما كان يحضر برنامجه، أما بالنسبة لنا نحن فلم يكن ما يقع اليوم مفاجئا لنا، لذلك لا نجد أي مبرر للتغيير، يمكن أن نغير من طريقة تعاملنا، نعم، ولكن التصور والخط ثابتان.

يرى البعض أن الخطاب السياسي لجماعة العدل والإحسان غامض، بحيث إنها تطرح مفهوم القومة كأداة للتغير، وفي الوقت نفسه تضع أرضية للحوار والالتقاء مع المخالفين، وتطرح شروطا سياسية محددة لدخول العمل السياسي، لكنها في الوقت ذاته تقول إنها ليست حزبا سياسيا بل جماعة دعوية، هل هذه محطات قطعتها الجماعة في تعاطيها مع المجتمع مجيبة عن كل محطة بما يلزمها، أم ماذا؟

اعتقد أن الإشكالية مع الأسف أن الناس لا يقرؤون لنا على الرغم من أن كتاباتنا تتجاوز العشرة آلاف صفحة وفيها أجوبة واضحة عن كل القضايا، واعتقد أن ما طرحته موجود في كتب الحوار “حوار مع الفضلاء الديمقراطيين”، “حوار الماضي والمستقبل”، وعلى الأخص الكتاب الأخير الذي تحدث بوضوح عن موقفنا من النظام والتصور الذي تحمله الجماعة، ولكننا نفاجأ بأسئلة كثيرة على الرغم من ذلك، وكوننا نقول إننا لسنا حزبا سياسيا، بل جماعة دعوة، لأن السياسة هي جزء من عملنا، وهذا بالنسبة لجميع الإسلاميين، أما بالنسبة للأحزاب فما تقوم به هو العمل السياسي فقط، أي التعامل مع الحدث ومنطق الربح والخسارة، فنحن نهتم بالشأن العام ومصير الناس، لكن غايتنا الدعوة، والتذكير بالآخرة والمصير، فالأحزاب الموجودة مثلا في الحكم حاليا بعد أربعين سنة من المعارضة، غايتها تطبيق برامجها، ولا هم لها غير ذلك، فإذا قضت حياتها دون أن تصل إلى الحكم لكي تطبق برامجها تعتبر نفسها فشلت، لأنها تربط عملها بالدنيا، أما نحن فحينما ندخل عامل الدعوة فلأننا لا نربط أجرنا بالدنيا، بل بالآخرة، فنحن حينما ندعو إلى الخلافة الراشدة ندعو إلى تغيير الأمة ككل، وتغيير الأمة ليس مرتبطا بمدى زمني معين.

ما يقع في الجزائر جولة أخرى من الجولات السابقة

بعد وصول عبد العزيز بوتفليقة إلى الحكم في الجزائر طرح مشروع الوئام المدني، هل تعتقدون أن هذا المشروع كفيل بإخراج الجزائر الشقيقة من أزمتها ووضع حل سياسي للأزمة؟

لا اعتقد ذلك، ولا يعتقده أحد من المراقبين، فهذه جولة أخرى فقط من جولات المؤسسة العسكرية، لأن الأطراف المعنية مازالت مغيبة، فإذا لم تكن هناك شجاعة قوية في التعامل مع جميع الأطراف وطرح المشكلة بكل وضوح ومصداقية ستبقى الأزمة في الجزائر، وما طرحه عبد العزيز بوتفيلقة في الحقيقة ليس استفتاء على الوئام المدني ولكنه استفتاء على نفسه ليكسب شيئا من المصداقية، وما يحدث الآن في الجزائر من عنف يؤكد هذه المسألة.

بعد كل هذه الجولات لتحقيق السلام في الشرق الأوسط نرى أن الأمور ما زالت تراوح مكانها، هل سيقود ذلك في الأخير إلى تسوية؟

ما يقع في الواقع ليس سلاما، وإلا فإننا نكذب على أنفسنا، أو مفاوضات، لأن المفاوضات تكون بين ندين أو قوتين متكافئتين، تبحثان عن صيغة وسط، أما ما يحدث في الشرق الأوسط فليس سلاما ولا مفاوضات، بل قوة مستكبرة هي الولاية الواحدة والخمسون الولايات المتحدة تطرح شروطها، واليهود لا يقبلون أن يعطوا شيئا، فهم يعطون باليمين ما يأخذونه بالشمال، فهناك شروط الأقوى فقط.

بينت الحروب التي وقعت في كوسوفا وتيمور الشرقية والبوسنة الهرسك بالأمس، واليوم في الشيشان أن العولمة ليس لها فقط بعد عسكري، بل لها كذلك دوافع سياسية لإيقاف المد الإسلامي، ما هي الأخطار التي تمثلها العولمة بالنسبة للشعوب الإسلامية وللحركات الإسلامية؟

الشعوب الإسلامية اليوم مغيبة، والغاية من العولمة فتح أسواق العالم الثالث أو عالم الجنوب على مصراعيها للقوى المستكبرة، كي تفعل فينا ما تريد، ولا اعتقد أن الشعوب الإسلامية قادرة على مواجهة هذه العولمة لا اقتصاديا ولا سياسيا، لأن القرار ليس بيدها، وحتى ما يصطلح عليه بالتعاون بين الشمال والجنوب هو خضوع وركوع يعطى اسما مهذبا، فهناك قوة وحيدة مستكبرة ونحن مجرد تابعين، لكن سنة الله في الكون سائرة في نهجها، فمن كان يتنبأ مثلا بسقوط الاتحاد السوفييتي؟ إن الحضارة الغربية سائرة نحو الزوال بشهادة أصحابها، لأن الإنسان نفسه وليس التطور العلمي والتكنولوجي، هو الذي يعيش فراغا روحيا ودمارا وبأسا.

في رأيكم ماهي التحديات المطروحة على الإسلاميين في هذه الظرفية العالمية التي نعيشها؟

المطروح على الحركات الإسلامية هو النظرة البعيدة، ألا ترهن عملها كله بالظرفية العابرة، لأنها البديل القادم، ومهمتها ليست بسيطة مثل دور المعارضة مثلا، بل تغيير الأمة، وتغيير الأمة يتطلب وقتا ومصابرة،لذلك ينبغي النظر إلى الكليات لا إلى الجزئيات.