ما هو تقييمكم لمسيرة مارس؟

أظن أن المسيرة غنية عن التقييم أو التقويم. وهي بالنسبة لي مسيرة شعب وكل من له ضمير ويحترم نفسه وله نزاهة فكرية إلا ويرى أن الدعم الشعبي لمسيرة الدار البيضاء بات واضحا جدا. وبلغني أنه رغم التعتيمات ورغم محاولات التمويه التي قامت به عناصر الصحافة الوطنية، فإن المغاربة فهموا كل شيء من خلال الصورة التي بثتها القناة الأولى، فهموا من الصورتين البسيطتين وقارنوا بين العدد الذي مر في شوارع الدار البيضاء وشوارع الرباط، واستنتجوا بوضوح ما يمكن استنتاجه، وهذا دليل على أن الشعب المغربي، رغم ما يحاول البعض أن يفعل به، شعب واع وذكي جدا.

وماهو ردكم على الاتهامات التي وجهت لمسيرة الدار البيضاء معتبرة أنها رد فعل على مسيرة الرباط؟

إن أجبتكم فسأجيبكم باسم القطاع النسائي لجماعة العدل والإحسان، ولا أدري ماهي الدوافع التي كانت وراء قرار بعض الأخوات للنزول إلى الشارع. إن مشاركة العدل والإحسان لم تكن لتضاد مسيرة الرباط، ولا لتندد بشكل خاص بخطة إدماج المرأة في التنمية. فهي تعتبرها نقطة وسط بحر من الاعتداءات الثقافية. ولم ننزل لنقول إن المدونة نص مقدس لا يحتمل التصويب ولا المراجعة، بل شاركنا لنفهم النخبة المغربة أنها تسير ضد التيار الشعبي الحقيقي، وإنها تعيش قطيعة خطيرة وخطيرة جدا مع باقي مكونات الشعب المغربي، إذن نزلنا لدعوة النخبة إلى الانضمام إن كانت فعلا ديمقراطية وتنشد الديمقراطية وتخضع لإرادة الشعب. وإذا كنا نرغب في التغيير فلابد أن يتم هذا انطلاقا من هويتنا ومن إرادة شعبنا الذي يعد أولا وقبل كل شيء شعبا مسلما . هذا ما أردنا أن نمرره خلال نزولنا إلى شوارع الدار البيضاء. وأظن أن النخبة فهمت أنه لا جدوى من المسيرات المفتعلة. وإن كانوا يريدون المسيرة كأداة سياسية، فنحن من يمتلك هذه الأداة باعتبارنا قوة فعالة تستطيع تحريك المبادرات الشعبية بالسهولة المعترف بها. وهنا نسجل التعتيم الإعلامي، الذي كان منتظرا وليس بجديد على النخب الحاكمة في المغرب. فمنذ 40 سنة وهم يعيشون على المغالطات وعلى التمويه ويوهمون الشعب بهذه المغالطات، ولكنهم علموا جيدا يوم الأحد 12 مارس لمن الأغلبية.

لكن يلاحظ منذ الإعلان عن خطة إدماج المرأة في التنمية شبه صمت لجماعة العدل والإحسان وعدم إبداء رأي واضح في المسألة، ما سبب هذا التغيير؟

كما قلت، نرى أن الحوار والجدال الذي تم في هذا الإطار هو جدال ثنائي الأقطاب، لا للخطة، نعم للمدونة. نحن لا نعتقد أن المدونة شيء مقدس، وهذا ما قاله الوالد في نظرات في “الفقه والتاريخ” وإن لم يصرح به، ولكن فكرة الكتاب تعبر عن ذلك، نحن بصدد تقديم لا أقول بديلا، ولكن مشروعا مجتمعيا يرى الحل في الإسلام وضرورة الرجوع إلى الأصل، أي إلى الكتاب والسنة النبوية، فهما يشكلان المنبع. ونرى أن بعض المدارس الفقهية كانت فعالة في وقتها، أو بالأحرى بعض علماء الأمة اجتهدوا وأصابوا أنذاك. ولكن الاجتهاد جائز لجميع الأمة وفي جميع العصور، فلماذا نقف عند الإمام فلان أو علان؟ ولماذا لا نقتدي بشجاعتهم وبعلمهم وبقوتهم في ميدان الاستنباط والاجتهاد، حتى نجد حلولا لما تعانيه المرأة المغربية في ظل مدونة الأحوال الشخصية؟ في البلاد الإسلامية، يجب الاعتراف أن هذه السياسة تشبه سياسة النعامة تخفي رأسها في التراب ونقول ليس هناك مشاكل، وكل شيء على ما يرام. ونحن كقراءة غيبية للخطة نرى أنها بمثابة صفعة القدر، صفعت المسلمين ودفعتهم للتفكير بجدية في هذا الاقتراح الذي نادينا به منذ سنوات. لابد أن نعود لفتح باب الاجتهاد، لنجد حلولا فعلية، ونقوم بما يطلق عليه علماء الأصول، تحقيق المناط أي إنزال الشريعة على أرض الواقع. فنحن الآن نعيش نوعا من الازدواجية بين الواقعية والشريعة، التي تبقى في الكتب وعلى الرفوف، ونقتدي بمدارس فقهية لم تجد لنا الحلول لأنها وليدة عصور غير هذا العصر وهذا إشكال لابد أن يكون فيه أخذ ورد وأن لا نجزم ونقول نحن ضد الخطة ومع المدونة لسبب بسيط يتمثل في كون الخطة نابعة عن المواثيق الدولية والتي نعتبرها خططا دسيسة لا يمكن أن تحمل لنا التنمية بصفة مطلقة.

إذن ماهي النقط التي تتفقون معها في الخطة؟

نحن لا نريد أن نناقش من خلال ما تقترحه الخطة يكفي أن أفتح الصفحة الأولى لأجد أن البنك الدولي وراءها. هذه المؤسسة التي أثبتت في كثير من الأحيان عداءها للشعوب المستضعفة وأثبتت ذلك بالفعل في المغرب عند اقتراحها لبرنامج التقويم الهيكلي الذي قضى على تعليمنا، وعلى قطاع الصحة العمومية، وجعل منا شعبا يسير نحو التخلف عوض مساعدته للنهوض بوضعيته الاقتصادية والاجتماعية. إذن منذ أن توصلت أن البنك الدولي وراء هذه الخطة المقترحة، كان أول رد فعل أن أرمي بهذه الخطة في سلة المهملات أو عرض الحائط، لكنني صبرت والزمت نفسي بقراءتها إذا بي وجدت المدخل بكامله يغلب عليه هاجس المدة الزمنية، أي الخوف المرضي من فوات الوقت على المدة المحددة من طرف المواثيق الدولية. وهذا الهاجس ربطته بما يقع في العراق. بيد أننا إذا لم نستجب لهذه المواثيق ربما سيصل بنا الأمر لما تعيشه المرأة العراقية، والجميع يعلم أيضا أن الضربات الأمريكية في العراق ليس سببها الكويت فقط ولكن أيضا أن العراق تريد أن تصبح لها هويتها مستقلة ولديها الآلاف من المهندسين الذين يخططون للبلاد انطلاقا من الهوية العربية والاسلامية مما أقلق وأزعج الامبريالية الدولية.

لكن هناك نقطا أساسية فجرت هذا الخلاف بين واضعي الخطة وغيرهم ما هو رأيكم؟

شخصيا إن كنت أريد الوقوف عند النقط في الخطة، وأنا لا أحبذ هذا، أعترف أني لم أتحمل ما فيها جملة وتفصيلا، وأعتبر أن أخطر ما جاءت به هي “فلسفة الجندر” ومحاولة التمويه من خلال المقررات أو البرامج المدرسية معنى هذا أن الغزو الثقافي منظم وحينما أقرأ ثقافة الجندر أربطها مباشرة بما يجري في فرنسا، إذ تعلق الأمر بالدفاع عن الأسرة ذات المكونات المبنية على الجندر أي من الجنس الواحد، ويريدون أن نتطبع مع هذه الفكرة الدخيلة، فهذه إذن من أخطر الأمور المقترحة في الخطة، أما القضايا المتعلقة بالمدونة، فلا أرى فيها خطورة، وإن رجعنا إلى الأصل أي إلى الشريعة، نجد عدة حلول في الفقه الإسلامي ربما تكون أكثر ثورية من تلك المقترحة في الخطة، وكنت أتصفح كتابا في فقه النوازل في منطقة سوس وإذا بي أجد في الفقه الإسلامي البربري مصطلح “التغراد” هو حق المرأة في نصف ثروة زوجها التي كونها بعد الزواج. معنى هذا إن في فقهنا الإسلامي وفي ديننا الحنيف نجد حلولا للمرأة دون أن نرتمي في أحضان المخططات التي من شأنها هدم مبادئ الأسرة التي تجعل هذا المجتمع متماسكا.

إلى جانب ما قلتم كموقف ا تجاه الخطة، لماذا لم تنسقوا مع باقي المكونات المناهضة للخطة؟

لأن هذا يرجع إلى موقفنا العام، نحن دائما اخترنا البقاء خارج اللعبة السياسية، ونرى في كل الأحوال أن الخوض في هذه النقط لا يجدي، كما أن الكلام والجدال ليس من مبادئنا، ولكن عندما يحين وقت المواقف، نبرهن ونساند جميع الحركات الإسلامية في المغرب، ولدينا منطلق واحد، وكلما دعت الضرورة لقول “لا” فإننا لن نتأخر أبدا. أما أن نخوض في الجدال غير المجدي فهذا ليس من اختياراتنا السياسية.

بمعنى أن الخطوات التي قامت بها بعض الجهات كانت دون جدوى؟

لا، بالعكس ما قام به خاصة الإخوة في حزب العدالة والتنمية كان أحسن ما يمكن فعله في طريقة العمل التي اختاروها، فموقفهم بات جد سليم. وأكثر من ذلك، كنا نشجع المنتمين إلى جماعة العدل والإحسان على المساهمة في هذا الرفض والتعبئة المضادة ولكن ليس باسم الجماعة. فالموقف إذن كان سياسيا ولم يكن موقفا مبدئيا.

وبماذا يفسر حضوركم في مسيرة الدار البيضاء؟

حضورنا دليل على أننا عند الوقت المناسب نتوحد مع جميع القوى الإسلامية في المغرب وقلت لعدة منابر إعلامية أننا لم ننزل إلى شوارع الدار البيضاء ضد الخطة ولكن ضد العدوان الثقافي الذي تعد الخطة نقطة في بحره، فكان موقفا ولم يكن جدالا.

أمام هذا، ما هو بديلكم للنهوض بوضعية المرأة المغربية وإشراكها في التنمية؟

لم ننتظر خطة إدماج المرأة في التنمية حتى نقترح بديلا، والبديل طرحناه منذ السبعينات. وآخر ما اقترحه الوالد على هذه النخبة المغربة التي تحكم البلاد ما يسمى “بالميثاق الإسلامي” نحن لا نريد أن ننزل ميثاقا يلزم الآخر ويمضي عليه، فنحن ضد الإقصاء، ونظن جادين أن الحوار الوطني يجب أن يشمل جميع مكونات المجتمع المدني وجميع المكونات السياسية الأخرى ونجلس على طاولة الحوار. وأيضا، يجب أن نتخذ منطلقا يوحدنا ولا يفرقنا. فإن اعتمدنا مثلا القبلية فلن نتوحد، وإن اعتمدنا القناعات السياسية فلن نتوحد، معناه أنه حينما يقترح الوالد “الميثاق الإسلامي” فإنه لا يريد إقصاء الآخر ولكن يطمح أن نجتمع على عنصر واحد مشترك، وعلى أرضية موحدة، وإذا كانت جميع الأطراف تعتبر نفسها مسلمة، فلتجتمع على الإسلام لنجد حلولا حقيقية ليست للمرأة المغربية وحدها ولكن، أن نجعل التنمية الحقيقية تشمل الرجل والمرأة معا، وتبدأ بعدة إصلاحات جذرية وتنتهي بمدونة الأحوال الشخصية.

تلي في آخر المسيرة بيان ختامي، ما موقفكم منه؟

نحن متفقون مع كل ما جاء في البيان لسبب بسيط، هو أن كتابته تمت بتوافق بين الأطراف وكنا حاضرين أثناء صياغته. وبعد نقاش وتعديل ما يمكن تعديله توصلنا إلى بيان وسط تفادى عدة أمور لم نكن متفقين عليها، إذن البيان الختامي عصارة عمل جماعي.

بمعنى هل دخلتم مرحلة جديدة مع باقي أطراف الحركة الإسلامية؟

ربما من المبكر جدا التحدث عن وجود تنسيق مستمر في العمل. لكننا مستعدون، إن كنا متفقين على مسألة محددة، أن نتحد مرة أخرى. فالخلاف بيننا سياسي ومتعلق بالدرجة الاولى بموقفنا من الحكم في المغرب ومن فلسفته العامة. إذن من الصعب جدا الحديث عن تجاوز الخلافات وأننا سنعمل منذ الآن يدا في يد، في بعض الأحيان المسألة تكون واضحة لكننا سنبقى مسلمين، نتوحد كلما دعت الضرورة ونحمد الله أن بيننا علاقات أخوية طيبة لا يمكنها التأثر، لا بالظروف السياسية، ولا الاجتماعية. وعلى العموم خلاف الأمة فيه رحمة، ونرجو من الله أن يوحدنا ويوحد الأمة الإسلامية جمعاء.

موقفكم من المناظرة الوطنية التي دعا إليها الوزير الأول للوصول إلى صيغة توافقية بين الأطراف؟

إنه بالتأكيد، لم يعن جماعة العدل والإحسان، واسألوه هو إن كان مستعدا لدمجنا في هذه المناظرة.

رأيكم في التحكيم الملكي للفصل في هذه القضية؟

لم يرد هذا في تصورنا، حينما نزلنا إلى الشارع في 12 مارس الماضي في مدينة الدار اليبضاء، نحن ندعو إلى تحكيم كتاب الله وسنة رسوله، دون الوقوف عند أية مدرسة فقهية، وآن الأوان لعلماء الأمة، المجتهدين، أن يتصالحوا مع المنبع الصافي المتمثل في نهج سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم. المشكلة، مشكلة اجتهاد لا مشكلة تحكيم.