قال الله تعالى: “وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا يعبدونني لا يشركون بي شيئا ومن كفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون”.

عقد من الزمن انصرم والأستاذ عبد السلام ياسين وراء سدود الجبر والحصار، وخلف أسوار الجور والطغيان.

عشر سنوات كاملة مضت على آخر فصل من فصول الاستبداد المسطر خلال ثلاثين سنة على الصفحات المخزنية المسودة بمداد الدم والقهر والعنف والتضييق والإقصاء في حق الأستاذ عبد السلام ياسين وجماعة العدل والإحسان.

إننا ما فتئنا نندد -ومعنا الكثير من ذوي المروءة والفضل- بهذه الجريمة النكراء المقترفة في حق شعبنا وأمتنا بمنعنا من التواصل والاسترشاد برجل فذ من رجالات المغرب ومفخرة من مفاخر الأمة، رجل بذل حياته وجهده ووقته وكل ما في وسعه لصياغة مشروع ضخم شامل ومتكامل ليساهم به بقوة وأمانة في إنقاذ البلد والأمة من الأهوال المحدقة بها من كل جانب وعلى كل صعيد، ولاقى في سبيل ذلك ما يعلمه الجميع.

ورغم شدة المعاناة فإننا نأبى الانكفاء على الذات، وتضخيم المأساة، بل نعتبر الأمر جزءا غير منفصل من عنت الأمة الشديد. وحصار رجالها الأفذاذ وعلمائها الأجلة لا ينفك بحال عن الحصار الشامل والحر ب الكلية التي تشن عليها في الداخل والخارج، في الماضي البعيد والقريب، وفي الحاضر الكئيب، وما يعد من الآن لمستقبل رهيب. والله خير حفظا.

ولا يسع المرء إلا أن يتساءل: من المسؤول عن بقاء هذا الحصار إلى الآن، إذا كان الجميع -وزراء ومفكرين وأحزابا ونقابات ومنظمات حقوقية- مجمعا على وجوب إنهاء هذا الوضع اللاقانوني واللاشرعي؟ ولصالح من يستمر حصار الأستاذ عبد السلام ياسين إذا كانت إرادة الحاكمين متجهة بالإشارة والعبارة إلى القطيعة مع السنوات الكالحة لعهد يراد له أن يصبح “قديما” وفي عهد بديل ينعت “بالجديد”؟

هل هي منزلة بين منزلة تجفيف الينابيع سيئة الذكر، وبين منزلة القبول وعدم تجاهل الموقع الحاصم والأساسي للحركة الإسلامية في الساحة السياسية؟

إننا نرجو من أعماقنا ونسأل العليم القدير سبحانه أن يجنب هذا البلد الأمين شرور المحن، ومدلهمات الفتن. وإن التاريخ ليشهد، ويشهد المنصفون، وكفى بالله شهيدا، أن الأستاذ عبد السلام ياسين حفظه الله كان -ولا يزال- في مقدمة من لم يذخر وسعا ولم يأل جهدا لتجنيب الأمة منزلق الفتنة والدماء والعنف.

فحتى متى يستمر تجاهل الحكام لمطالب جماعة العدل والإحسان التي تقدمت بها مرارا كحد أدنى يقتضي أولا الإفراج عن المعتقلين الإسلاميين وعلى رأسهم إخوتنا الإثنا عشر المحكومون بعشرين سنة ظلما وبهتانا والخمسة المحكومون غيابيا بالمؤبد؟ ثم رفع يد الجور الإداري والبوليسي عن جوازاتنا، وحقنا في التحرك داخل المغرب وخارجه، خاصة وأن العديد من أعضاء الجماعة يمنعون قهرا من أداء فريضة الحج؟

وإلى متى يستمرون في ارتكاب جريمة الحصار والحيلولة دون سماعن الشعب كلمة صادقة صادعة لا يتعرف التواء ولا مداهنة؟ في وقت تشتد فيه حاجة هذا البلد إلى جهود كل المخلصين الأمناء -ويقيننا والحمد لله أنهم كثيرون- لإيقاف مسلسل الهول المتصاع والمهدد لمستقبل المغرب أخطر تهديد سياسيا واقتصاديا واجتماعيا وتربويا، بل الذي يهدد الأجيال المقبلة -لا قدر الله- في أعز ما تملكه: إسلامها، بفعل السباحة ضد التيار التي يمارسها بعض من صارت في أيديهم خيوط من زمام الأمور، وأصبحوا لا يتورعون و لا يرعوون عن الجهر بالتجرؤ على شرع الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، بفعل الجهل أو التجاهل بأن هذا الشعب الأبي المسلم الذي قاوم -باللطيف والأيادي العزلاء- منذ سبعين سنة الظهير الاستعماري النابذ للشريعة، قادر على الدفاع عن دينه وعرضه، ومقاومة مخططات الاستعمار الجديد، وخطط الصهيونية العالمية.

نعم إننا ندرك -كما يدرك الجميع- أن الشعب يعيش في وضع مهترئ جدا أطفالا وشبابا ورجالا ونساء، والنساء في أسفل سلم الاستضعاف والامتهان، بين مطرقة التغريب والانسلاخ والتمييع، وسندان التقاليد المنحطة والجهل بالدين والأمية.

وإننا ما فتئنا نذكر ونلح على أن بداية العلاج الحاسم، ومنطلق الإنقاذ لا يتمان إلا بالتشبت بدين الأمة ومنهاج نبيها صلى الله عليه وسلم، وهو شرطنا الوحيد للتفاهم والتبادل والحوار.

هذا الحوار الذي ظل الأستاذ عبد السلام ياسين ينادي به ولا يزال في كل ما كتب ويكتب منذ ثلاثة عقود مع كل الفاعلين والمنصتين لنبض الشعب المقهور. بدءا “بالإسلام أو الطوفان” في أواسط السبعينات، ومرورا “بحوار إسلامي مع النخب المغربة” بالفرنسية في بداية الثمانينات، وانتهاء بسلسلة الكتب الحوارية خلال التسعينات سنوات الحصار، مؤكدا بذلك كما أورد في العدد الثالث من مجلة الجماعة سنة ثمانين أن “غلق الأبواب والتزمت أسلوب غير إسلامي” العدد 3، ص 135.

وفي مقدمة من كان يتوجه إليهم ولا يزال: العلماء. يقول في الرسالة التاريخية ” الإسلام أو الطوفان”: “إنكم سادتي العلماء ملح هذه الأمة وذخرها إن طرحتم عنكم كبرياءكم وشحكم وتكالبكم على الدنيا (؟) إن العلماء حين يجالسون ويؤاكلون الطغاة يندمجون فيهم ويتدجنون وينسون الحق، ويسيرون في ركاب الباطل، فلا قيمة لرجل لم يسع ليحمل الطغاة على الحق حملا، سيما إن كان ينتسب للعلم وينتسب للمتقين (؟) سادتي العلماء إنكم والله أحب الناس إلي وأعظمهم في عيني (؟) وإيمانكم لا أشك فيه ولا في قدرتكم على تغيير وجه المغرب لو أخلصتم لله ووجهتم إليه وجوهكم”.

ويستمر في نفس الحوار بعد خروجه من معتقل السنوات الثلاث والنصف في نهاية السبعينات، فيوجه نداءا عاما للعلماء وكافة فئات المجتمع ومكوناته. وكان الاشتراكيون آنذاك من بين النخب التي فتح معها الحوار. يقول الأستاذ عبد السلام ياسين في العدد الأول من مجلة الجماعة الصادر في أوائل 79: “إننا يا معشر الاشتراكيين نود أن نقرأ معكم كتاب العالم ونتعاون معكم على فهم مشكلات أمتنا، ونود ألا تذهب الطاقات التي تمثلونهان وعيا وتقنية، هدرا فتفوت على الأمة فرصة استعمال أبنائها القادرين، شرط واحد لذلك أن تقرؤوا معنا كتاب الله بقلوب أيقظوها إن كان خمد فيها الإيمان أو ضمر” ص: 42.

ويستمر المبدأ نفسه في كل أعداد مجلة الجماعة، وما صاحبها وتلاها من كتب آنذاك داعية إلى مد “جسور من أجل الحوار” (عنوان فصل من كتاب “مقدمات في المنهاج”، 1989).

وعلى رأس الأهداف الداعية إلى مد هذه الجسور منع أعداء الأمة من الخوض في ماء الفتنة العكر، والنزغ بين مكونات الشعب. يقول يقول الأستاذ عبد السلام ياسين في كتاب “الإسلام والحداثة” تحت عنوان (“الجبهة” الداخلية) من الفصل الثامن: “أضع لفظة “الجبهة” بين مزدوجتين حتى أبدد كل أمل في أن يرانا عدونا نرتكب يوما ما الخطأ السياسي الذي نعتبره خطيئة أخلاقية وخرقا لالتزامنا بمبدأ اللاعنف، خطأ التمكين لحرب أهلية شبيهة بتلك التي تأتي على الأخضر واليابس في الجزائر” ص297.

كما أن المقصد الأسمى لهذا الحوار نابع من إرادة خير الدنيا والآخرة لهؤلاء النخب، ونشدان انعتاق الأمة بهمن إن شاء الله، من درك التخلف الذي تردت فيه، بعيدا عن المصالح الشخصية الأنانية، والمصالح الحزبية الضيقة. فالحوار إذن دعوة إلى التوبة إلى الله لإنقاذ الأمة انطلاقا من شرع الله، فما يسطيع تغيير ما بالأمة من ليس منها عقلا وقلبا وهما. يقول يقول الأستاذ عبد السلام ياسين: “نخاطب من وراء واجهات الأحزاب والمنظمات والنقابات كل ذوي المروءات والذمم أن يتوبوا إلى الله” مجلة الجماعة، ع 1، ص: 8.

ويقول: “وأنتم جزء لا يتجزأ من الأمة والفقز على حضوركم كأنكم وهم لا يساور عقولنا، فلا مناص من التعامل بيننا”. “الشورى والديمقراطية” ص 270.

وهو نفس الاهتمام الذي أبداه يقول الأستاذ عبد السلام ياسين منذ مدة غير قصيرة. يقول في “الإسلام والقومية العلمانية”: “هذا التهمم الفطري الذي يجرد الإنسان الجاد في الحياة من الاعتبارات القشرية ليطلب الحق بحركة من أعماقه هو ما نأمل أن يستيقظ في نفوس من نحاورهم من موقع شعورنا بأهمية ما يمثلونه من كسب ثمين لأمتهم إن صبروا على الطلب وصدقوا” ص: 103.

ونطلق يقول الأستاذ عبد السلام ياسين في كل ذلك من وجوب التحرر من السدود التاريخية التي جعلت من المسلمين طوائف متدابرة، وفرقا متنافرة، وأحزابا متصارعة. يقول في كتابه الأخير المعنون ب “العدل” : “فقه القطيعة هذا يخيم على العقل الإسلامي وينبغي أن نتحرر من هذا الفقه التاريخي” ص:623.

ونذكر بأن اقتراحنا الدائم للتحرر من فقه القطيعة وفتنتها هو “الميثاق الإسلامي” المتعالي على مهاوي المناورات على ظهر الشعب.

إننا ندعو إلى أن نجعل من يوم 30 دجنبر يوما وطنيا للحوار، نتخذه مناسبة للنظر إلى مستقبل أمتنا وشعبنا بما تتطلبه المرحلة من يقظة ةتسام وسعة أفق.

كان من قدر الله سبحانه أن يتزامن انقضاء هذا العقد من عمر الحصار بحدث طبيعي دخل بالمغرب مرحلة قد تكون غير عادية، ونقصد بذلك وفاة الملك الراحل، ووصول ملك جديد إلى سدة الحكم. وهو تحول يفرض تعاملا خاصا، ونظرا عميقا. وهذا -ونقولها بتجرد كامل- ما عودنا عليه يقول الأستاذ المجاهد عبد السلام ياسين. فها نحن اليوم نقدم إليكم وثيقة تاريخية بقلم يقول الأستاذ عبد السلام ياسين:

” Mémorandum à qui de droit ” – “مذكرة إلى من يهمه الأمر”

وإننا لنرجو من خلال التجرد والإخلاص والوضوح الذي تتسم به هذه المذكرة/النصيحة، والنصيحة دين، و”الدين النصيحة” كما صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أن يمن المولى سبحانه على هذا البلد الأمين بالانعتاق، وبصناعة جديدة لتاريخه، صناعة تخرجنا من ظلمات الوهن والوهم، إلى نور الإرادة والعزم، بما يكفل إن شاء الله لهذا الشعب سعادة الدنيا والآخرة، وبما ييسر له أن يكون قدوة حسنة لباقي شعوب الأمة الإسلامية وحكامها. آمين.

والحمد لله رب العالمين. وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين.

الجمعة 21 شوال 1420-28 يناير 2000.