مضى على الحصار الأخرق المضروب على الأستاذ المرشد عبد السلام ياسين في عقر بيته ست سنوات كاملة. وفي خلال هذه المدة وقعت وقائع وحدثت أحداث سياسية واقتصادية داخل المغرب وخارجه. ومرض أقوام وماتوا، وينتظر قوم أن يموتوا بعد أن أنهكهم المرض. وكل يلقى مصيره بحسب ما قدمت يداه. وما يزال الظلم جاثما والرجل محاصرا.

وتبرأ المتبعون من المتبعين في تحمل إثم الحصار، وكأن الحراس المرابطين مردة انشقت عنهم الأرض، أو رسل كوكب سحيق أتوا لإحصاء حركات ياسين وعد أنفاسه. ولم يفصح مسؤولو المخزن عن أسباب شططهم. بل تحاشى الوزراء المطالبون بالإجابة أن يجيبوا حين طرح بعض السادة الغيورين مشكورين عليهم السؤال مباشرة في مجلس النواب. وتملص من الجواب وزراء لم يعمروا طويلا في كراسي الوزارة، إذ سرعان ما عصفت بهم رياح التغيير. وآخرون التصقوا بكراسيهم والتصقت بهم، فصاروا جزءا منها وصارت جزءا منهم، يبقون ما بقيت، وتبقى ما كتب لهم البقاء، حتى يدفنوا معها وتدفن معهم – ومن الحب ما قتل- أو يقضي الله أمرا كان مفعولا. ولا نذيع سرا إذا قلنا إن سياسة المخزن في هذا البلد “السعيد” -وبضدها تتميز الأشياء- أن يكون المواطنون عبيدا للمخزن بالفعل قبل أن يكونوا عبيدا لله. فلا صواب إلا ما رآه المخزن صوابا، ولا حق إلا ما قبله حقا. ومن عارض أو مانع، أو قارن أو دافع ، فإن أهون ما ينتظره أن يحل به ما حل بالأستاذ ياسين. وقد قال فرعون لقومه : (ما أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد) وقد يرى المخزن في سياسته الفساد رشادا والرشاد فسادا. ألم يتحول موسى، عليه السلام، حامل رسالة التوحيد والخلاص لليهود، في منطق فرعون، إلى مفسد في الأرض يجب تطهيره منها ووقاية الناس من شره : (وقال فرعون ذروني أقتل موسى وليدع ربه إني أخاف أن يبدل دينكم وأن يظهر في الأرض الفساد).

ومن غرائب الإدارة المغربية المضطربة المتناقضة المرتبكة، أن وسائل الإعلام المرئية والمسموعة والمكتوبة أعلنت خبرا نقلته عن مصدر حكومي مسؤول يخبر عن رفع الحصار المضروب على الأستاذ عبد السلام ياسين، فاتصلنا به، واتصل به بعض الصحافيين والمحاميين، وبعض المتعاطفين طيلة يومي الأربعاء والخميس.

وكان أول خروج للأستاذ من بيته لأداء صلاة الجمعة، حيث أخبر في المسجد من طرف مسؤول الأمن الإقليمي لمدينة سلا أن آخر التعليمات التي وصلته تقول بأن الحصار لم يرفع، وأن ما وقع في اليومين السابقين من إنفراج تم التراجع عنه، وأن الأمر يجب أن يعود لما كان عليه من قبل، ومن ثم على الأستاذ أن يلزم بيته، وأن الزيارات تبقى ممنوعة.

وبعد أن أبلغ الأستاذ عبد السلام ياسين هذا الخبر لجمهور المصلين، انتقل إلى بيته، حيث حضر مجموعة من الصحافيين الذين يمثلون الصحافة الوطنية والدولية وبعض وكالات الأنباء، فمنعوا من الدخول، وعاينوا قوات الأمن المعززة بعناصر التدخل السريع وهي تمنع الزوار من الاقتراب من بيت الأستاذ المحاصر.

اللهم إنك تعلم أننا ما أردنا بأنفسنا وبالبلاد والعباد إلا خيرا، وما سلكنا يوما سبيل عنف أو ضغط أو إكراه. وما ابتغينا علوا في الأرض بغير الحق. وما حملنا أحدا على اتباع منهجنا في التغيير، لا بمكر، ولا بقوة، ولا بتحريف، ولا بمغالطة. ولم نحد في منهجنا عما نعتقد أنه الإسلام الصحيح والدين القيم، مسترشدين بكتاب ربنا وسنة نبينا، عليه أفضل الصلاة والسلام، قدر طاقتنا وحسب وسعنا.

اللهم إنك تعلم أن من تسلطوا على الأمر في هذا البلد قد نقموا منا أن نعيش إسلاما غير إسلامهم، وندعو بغير دعوتهم، ونكشف أمام الملأ ضلالاتهم وألاعيبهم وتلاعبهم بالدين. وغاظهم أن لا نقبل غطرستهم وفعلهم بنا وبهذا الشعب المسكين المجهل المستغفل الأفاعيل. جوعونا لنركع فأبينا الركوع لغير الله. وحرمونا من وظائفنا،وملفاتنا، بل ملفاتهم الإدارية، تشهد بأنا أخلصنا في أعمالنا ولم نقصر في جهد ولا نصح ولا خدمة، فطردونا كأننا كنا خدما في بيوت آبائهم. وسيرتنا تتحداهم أن يثبتوا علينا مخالفة لمعروف أو إخلالا بواجب.

اللهم إنك تعلم أننا التزمنا بقوانينهم رغم تناقضها واضطرابها، وسطرنا قانون جماعتنا الأساسي وفقها جنوحا إلى “العلنية” التي يموهون بها، والمشروعية التي يتشدقون بها، فلم يقبلوا منا صرفا ولا عدلا. علوا فوق قانونهم وسخروا قضاتهم، فأودعونا السجون ظلما. وما يزال إخوة لنا يرزحون تحت وطأة الأسر وثقل القهر. وتقرر وتأكد أن شعارات مثل “دولة القانون” أسماء لا مسميات لها وضعت للاستهلاك الخارجي، نصيبنا منها أننا محرومون من جوازات السفر ومن أداء فريضة الحج، ومن الدعوة إلى الله علنا، ومن نقد انحرافات السلطة وجبروت الدولة صراحة. وتلك بعض أدنى الحقوق المكفولة قانونا في الدولة التي تضع نفسها فوق الديمقراطية التي التزمت بها. وقد صرح “وزير داخليتنا” أن “وزارته” تمنح جواز السفر لمن تريد حين تريد! وقد شاع وذاع أن وزارة حقوق الإنسان ستنشئ الأجيال على تعلم حقوق الإنسان واحترامها. فهل كتب علينا أن ننتظر حتى يتخرج هؤلاء المتعلمون بعد عقدين من الزمان؟ أم ننتظر أن يتعلم أعوان المخزن مبادئ احترام حقوق الإنسان على مقاعد التلمذة؟ أم إن جماعة العدل والإحسان مكونة من مادة غير مادة الإنسان الذي يجب أن تحترم حقوقه؟

اللهم إنك تعلم أننا لم نترك مسلكا مسالما متمشيا مع مبادئنا ومعتقداتنا إلا وسلكناه، فلم نلق من دولة المخزن وحكومته إلا الإعراض والتجاهل: طعنا في الأحكام الظالمة التي نزلت علينا نزول الصواعق فأجبنا بعد أربع سنوات بأن طلبنا مرفوض بدون تعليل. وطلبنا الرجوع إلى وظائفنا لخدمة وطننا واستخلاص أرزاقنا وقوت أولادنا، ونعتقد أننا ما طالبنا إلا بجزء من حقنا، فلن يلتفت إلينا. وطلبنا أن يعترف بنا مثل بقية الهيئات السياسية لنشارك في هذا الوطن وحمايته من السقوط فمنعنا. وألححنا في طلب رفع الحصار عن المرشد وفك أسر إخوتنا.

وعقد السادة النقباء والمحامون، جزاهم الله خيرا، الندوات المتكررة، ورفعت الملتمسات والعرائض، واحتجت المنظمات الحقوقية الوطنية والأجنبية، وأنصار العدالة جماعات وأفرادا، فجعل المسؤولون أصابعهم في آذانهم واستغشوا ثيابهم، وأصروا واستكبروا استكبارا.

وروج المغرضون، وما السلطة عنهم ببعيد، أننا في وضع مريح نستغل فيه الحصار المضروب على المرشد للدعاية لجماعتنا واستدرار عطف الناس. ولو أبدنا عن آخرنا إلا أفرادا قلائل لقيل وقتها إن هؤلاء الناجين من الإبادة يستغلون الوضع. فنحن محسودون متهمون حتى في الشكوى من الظلم الذي أنزل بنا.

اللهم إنك تعلم أننا ما دعونا إلى سبيلك، ولن نفتأ ندعو، إلا بالحكمة والموعظة الحسنة. وما تربينا ولا ربينا إخوتنا إلا على هذا النهج القويم فأبى المخزن وأعوانه البارزون والمتلبسون إلا أن يقمعونا ويحرمونا حقنا في التعبير والتذكير والتحذير.

اللهم فاقض بيننا وبينهم بالحق، وأرنا في الظالم نقمتك فإنه لا يعجز قدرتك. (ولا تحسبن الله غافلا عما يعمل الظالمون). (وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون).

الجمعة 20 رجب 1416-15 دجنبر 1995.

جماعة العدل والإحسان