أيها الإخوة والأخوات، صفوة هذا الشعب المسلم الكريم، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد؛ إليكم جميعا، بعد الله تعالى، وإلى أصحاب الضمائر الحية، وإلى الأحرار في كل مكان، نرفع هذا البيان التنديدي، وليس في وسعنا الآن أن نفعل غير ذلك، لنفضح بعض ما يمارس علينا وعلى مرشدنا وعلى جماعتنا من ظلم وتضييق وإرهاب مقنن منظم، تحت ظل شعار مضلل يحمل زورا وكذبا اسم “دولة الحق والقانون”.

وكم من الشعارات والإطلاقات والأسماء في بلدنا تؤدي عكس معناها، وتفضي إلى نقيض مرماها، فتصور الحق باطلا والباطل حقا، والظالم مظلوما والمظلوم ظالم. ولكن صرخة المظلوم المكلوم في وجه الظالم المتعنت، مجلجلة مدوية، تزلزل كيانه، وإن تصنع الاستخفاف وتظاهر بعدم المبالاة. “ولاتحسبن الله غافلا عما يعمل الظالمون”.

عانينا، ولا نزال نعاني -وتلك ضريبة الإيمان وثمن العدل والإحسان- من جبروت السلطة المسلطة على الأتقياء والغيورين على هذا الدين وعلى نصرة المستضعفين في بلدنا المسكين.

منعنا، بالظاهر والمستتر من الوسائل القمعية، من الاتصال بهذا الشعب المجهل، لنفتح أعيننا على حقيقة ما يفعل به وبنا، ونحن وإياه ضحايا سياسة التخويف والبطش، وما يحاك لنا جميعا من مكائد ودسائس، ولنتعلم معه أصول ديننا الحنيف، وفي مقدمتها أن العبودية الله وحده، وأن الخوف من غير الله جبن وذلة، وأن الأخوة في الله عقيدة ووسيلة وغاية، وأن الموت في سيبل الله أمنية عزيزة، وأن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده، وأن العاقبة للمتقين، وأن الاستضعاف في الأرض بعده عز وتمكين، مصداقا لقول أصدق القائلين : (و نريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين).

سجنا حين أبينا أن نركع، وروع إخواننا وعذبوا وحكم عليهم بالرمي في السجن لمدد طويلة حين نابوا عنا وعن المسلمين في الدفاع عن مقدسات الإسلام في وجه الكفرة الملاحدة. شمل “العفو الشامل” أعدادا من المعتقلين وبعض مجرمي الحق العام، واستثني إخواننا حين عضوا على كرامتهم بالنواجذ، وآثروا السجن الشريف على السراح الوضيع.

وإفراج عنا بعد إتمامنا للمدة التي حكم بها علينا، فانتقلنا من رقابة الحراس في السجن إلى رقابة عيون السلطة وجواسيسها في حياتنا اليومية تحصى علينا حركاتنا وسكناتنا. وانهالت علينا استدعاءات من مصالح الشرطة بأقسامها وفروعها، العامة منها والخاصة. فنحن عندهم متهمون على الدوام. وإذا كان الأصل البراءة في الشرع والقانون، فنحن مطالبون بإثبات براءتنا من كل ما يمس النظام من قريب أو بعيد.

منعنا من حقوقنا الوطنية ومن جوازات السفر، وحرم إخوة لنا من أداء فريضة الحج خامس أركان الإسلام، لأن السلطة لم تنظر إليهم بعين الرضى، أو لكونهم، في نظرها، خارجين عن عموم المسلمين. وحرمنا من وظائفنا زيادة في التضييق علينا في الرزق، لعلنا نتراجع عن مواقفنا، فاستمددنا من الله العون وتوكلنا عليه، فلم نضعف ولم نستكن. وعرض علينا من المغريات ما لا يحلم بمثله غيرنا، فلم نقبل المساومة لأن معتقدنا ومنهاجنا غير قابلين لذلك.

وظلت ملفات المتابعة مفتوحة منذ 1992 كي يؤاخذ الأبرياء من إخوتنا بجرائم لم يرتكبوها، ولا صلة لهم بها. وما زال ظهير 35 أو “كل ما من شأنه أن&#124” الذي قيل إنه قد دفن، يتعقبنا، حيث توبع به أخونا عبد الله خضران في وجدة، وهدد به كثير من إخواتنا الذين أفلتوا من شباك المحاكمة. والشرطة القضائية لا تعوزها التهم، ومخيلتها حافلة بها. فمن أفلت من تهمة بالأمس توبع بها أو بمثلها اليوم، فالمحاكم مفتوحة والسجون معدة للاستقبال.

حصار الأستاذ عبد السلام ياسين جرم لا يقره شرع ولا قانون. فالعلماء المخلصون الصادقون، ورثة الأنبياء وأئمة الهدى، تحبهم جماهير المسلمين ويحبونها، وتقدرهم وتطمئن إلىآرائهم، وتحيي جهادهم، وتبارك ثباتهم ونصرهم للحق، ودفاعهم عن المحرومين والمعذبين والمقهورين لتكون كلمة الله هي العليا وكلمة الذين كفروا السفلى. وإذا حال الخوف وعصا المخزن الغليظة بين المغاربة وبين التعبير عن حبهم لهذه الجماعة المسلمة المباركة ولمرشدها، فإن قلوبهم مفعمة بهذا الحب الأخوي ما تزال، متربصة أن يأذن الله بذلك اليوم الذي يفرج فيه عنه فتفرج عن مخزونها من العواطف الطاهرة النبيلة، وذلك يوم يخشى المخزن قدومه ويماطل في إعلانه، ولكنه آت، لا محالة، بحول الله.

حصار الأستاذ ياسين لا يقره قانون. فالعالم المتحضر، والمسؤولون المغاربة يزعمون أنهم متحضرون ديمقراطية، لا يفرض حصارا على رجل لأنه أبى أن يكون هو وإخوانه ببغاوات تسبح بحمد النظام وتلهج بذكره. وقد تغضب الطيور أن تجبر على التقليد فتلزم الصمت انتصارا لكرامتها، ولكن الببغاوات الآدمية الآلية من عديمي الكرامة ومسلوبي الشخصية لا يأبون ولا يغضبون (إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل). وجريمة الأستاذ ياسين وصحبه أنهم ترفعوا عن الانحدار مع المنحدرين والانحناء مع المنحنين.

حصار الأستاذ ياسين سبة في جبين الديمقراطية المغربية ووصمة عار، وورطة أوقع المسؤولون أنفسهم فيها أن يبحثوا عن الخلاص منها. والدليل على تورط الدولة في هذا الحصار المخزني أن السلطات المسؤولة تتنصل من المسؤولية عنه، كأن الحراس المرابطين أمام البيت تابعون لجهاز أمن دولة أجنبية..

استنفذ الحصار قوته أن يكون وسيلة للضغط فانقلب أثره على أصحابه، وإن لها من المكاسب ما يوفره الله لعباده المومنين من النعم في طيات النقم. وعزاؤنا في قول ربنا، عز وجل (ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمأ ولا نصب ولا مخمصة في سبيل الله ولا يطأون موطئا يغيظ الكفار ولا ينالون من عدو نيلا إلا كتب لهم به عمل صالح. إن الله لا يضيع أجر المحسنين). وقوله تقدست أسماؤه : (وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم. وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم. والله يعلم وأنتم لا تعلمون).

(دجنبر 1994)

جماعة العدل والإحسان