تسعة أعوام هي عمر الفصل الأخير من الجور المسلط على الأستاذ الجليل عبد السلام ياسين منذ ثلاثة عقود.

تسعة أعوام أراد المكر المتجبر وبإصرار شيطاني أن يحول بين الأمة وبين عظيم فذ من عظمائها، رجل وهب كل شيء، حياته وفكره وحريته. جبل لم تثنه عواطف الظلم والظلام -وما أكثرها حياته- عن غايته العظمى الدعوة إلى الله والاجتهاد المثابر للخروج بأمة رسول الله صلى الله عليه وسلم من الدرك الذي تردت فيه.

فما فتئنا نؤكد أن الحصار الظالم الجائر المفروض على الأستاذ عبد السلام ياسين أكبر من أن يكون حصار شخص إنه حصار دعوة أبت أن تستجيب لغير الله وان تدور مع غير سلطانه. دعوة أسمى مقاصدها إرجاع عباد الله إلى الله، والإسهام القوي الأمين في إنقاذ الشعب والأمة، خاصة وأن خطورة وضع البلاد وسوء أحوال العباد بلغت مستوى فظيعا لم تعد حملات التضليل والتعتيم الإعلامي قادرة على حجبه والتستر عليه.

كما أننا أكدنا مرارا وفي كل مناسبة أن أمر الحصار ليس شأنا من شؤون “سلطاتنا” الثلاث، بل الأمر أكبر من هذه الهيئات وأكبر من القائمين عليها جميعا. وليس هذا عذرا لأحد. فرغم تأكيدنا المستمر أن الحكومة والقضاء لا يملكان شيئا من أمرهما وأمر هذا الخرق الأخرق، فإن ذلك لا يعفيهما من المسؤولية، ولا يجعلهما بمعزل عن تحمل عواقب هذه الجريمة النكراء في حق الدعوة والأمة.

إن أدنى درجات الوضوح والمسؤولية والصدق مع النفس والناس كانت كافية لدفع مسؤولي اليوم لإعلان عجزهم في هذه “المعضلة”، ولفضح هذا الواقع وموقعيه وإظهاره على حقيقة مهما كانت مرارة هذه الحقيقة، بدل حملات تضليل الرأي العام، عبر سلسلة من التصريحات والدعاوي لا رابط بينها إلا الكذب الصراح الرامي إلى تمييع قضية الحصار والتشويش عليها خلال ما يقرب من السنة.

والأنكى والأمر أن وضعا كهذا استمر وسط خطاب ينادي بمشاركة الجميع، ويدعو إلى تعاون الكل من أجل تحقيق الحلم، وإمساك السراب، وبلوغ الوهم، حلم التغيير ووهم التغيير،” فلو صدقوا الله لكان خيرا لهم”.

إن أزمة البلد أصبحت واضحة جلية لمن يملك أدنى شعور بالغيرة والمروءة، إنها أزمة قيادة، قيادة موصلة بالله، متواصلة مع عباد الله ساعية حقا وصدقا، علما وعملا، قوة وأمانة، وسط الشعب إلىأكبر عملية إنقاذ هو في أمس الحاجة والاضطرار إليها.

وإن الحقائق المرة للواقع المؤلم لا ترتفع إلا بكمال الصدق والمسؤولية في معالجة معضلات بادية للجميع. فلا الإرهاب ولا القمع يقومان بديلا عن تلك المعالجة، ولا التمثيل ولا المسرح يكفي لإلهاء الناس عن مواجعهم. لقد جربت أساليب التهريج، كما استعملت وسائل الترهيب، فلم تفلح في حل مشاكلنا العويصة من فقر وعطالة بل تفقير وتعطيل، وأنفقت الأموال والأيام لتلمس النور في شتى ميادين حياتنا البئيسة وبدون جدوى.

لم يعد خافيا على كل ذي لب أن أزمتنا الاجتماعية والاقتصادية لا حل لها إلا بإرادة سياسية قوية قاطعة مع ماضي الجور والعلو بغير حق، وهي إرادة أبانت السنوات الطويلة عن افتقار الحاكمين المزمن إليها.

إن غياب هذه الإرادة، بل انعدامها، هو السبب الأساسي الذي يرجع إليه كل مانرزح تحت كلكله مآس خطيرة تزداد بشكل مخيف يوما بعد يوم. فالهوة الفاصلة بين ترف المترفين وفقر المقهورين لا تزداد إلا شساعة وفظاعة، يزيدها فظاعة عدم استعداد أولئك المترفين سواء منهم القدامى أوالمحدثين لأدنى تنازل عن “امتيازاتهم”، حتى أصبحت شعارات التضامن المرفوعة على مسرح الملهاة/المأساة تبعث على السخرية المريرة.

هذا في الوقت الذي يتنادى الجميع ويتغنى بشعار”تخليق” الحياة السياسية بما يكفل لهذه الحياة روح المسؤولية والمصداقية، وهي عملة لم يعد زيفها ينطلي على بسطاء الشعب المراد تضليله، فأصبح الإجماع الشعبي غير المعلن هو الاستنكاف عن خوض الخائضين.

إن تخليق الحياة السياسية لا يمكن مطلقا أن يتم إلا بالانطلاق بدين الأمة وشرع ربها سبحانه ومنهاج نبيها عليه الصلاة والسلام.

فلقد جربنا كل المناهج وما جرت علينا إلا بؤسا الله وحده يعلم خطورته وعاقبته. وهي خطورة لن يقلل منها وعاقبة لن يؤجلها ما يمارس في حق الأمة، أطفالا وشبابا ورجالا ونساء، من تمييع وتفسخ أصبح لنا فيهما المنزلة المعلومة في الداخل والخارج، حتى باتت التجربة المغربية في محاربة التزمت تصدر إلى البلدان التي تعاني المشكل المؤرق: الأصولية والإرهابية، وحتى بات المغرب مضرب المثل وسط العالم الإسلامي بل بين الدول “المتقدمة” في كل الموبقات وأنواع الفجور.

وإن السرعة التي تعمل بها آلة التمييع المخزنية، واجتياحها لكل الميادين وعلى رأسها ميدان التعليم بكل أسلاكه، ينبئ بخراب لا نشك لحظة أن لعنته ستنزل أولا وأخيرا على من خانوا الأمانة وأحبوا أن تشيع الفاحشة في بنات المسلمين وأبنائهم (يمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين).

إن حقائق قرآنية من هذا القبيل لا تستسيغها بل لا تستطيع سماعها آذان ألقت الإنصات إلى كل من يجهر بعدائه للغة القرآن وبيان القرآن. ولكن الصادقين من أبناء هذه الأمة وبناتها -ويقيننا جازم بأنهم كثيرون- يعلمون، ويزدادون علما، بأن لا خلاص ولا خروج من الأزمة المحيطة بنا إلا بانطلاقة جديدة غايتها الله ومبدأها شرع الله، وهي انطلاقة وإن تمالأ الحاكمون والمترفون على تعويقها وتأخيرها، فلن يستطيعوا إيقافها وإعدامها. وإن مع اليوم غدا.

&#124إن هذه الانطلاقة التي ما برح يدعو إليها الأستاذ الجليل عبد السلام ياسين ومنذ عشرين سنة على الأقل، أساسها المكين “ميثاق إسلامي” يصاغ على مرأى ومسمع من الشعب ومع الشعب وباسم الشعب، تجاوزا لمرحلة أقصى فيها الكثير الكثير من أبناء الأمة من دعاة وعلماء ومفكرين من أجل أن “تنوب” عن الجميع نخبة لا يربط معظمها بالأمة أي رابط.

وحتى يطمئن الذين يضجرون من هذا “الميثاق” الذي طالما دعا إليه الأستاذ المرشد عبد السلام ياسين في كثير مما كتب، وحتى يعلم الصادقون في هذا البلد أن كلمة الحق لا تموت، نشير إلى أن هذا الأمر معروض على غد قريب إن شاء الله يحق الله فيه الحق ويجرف فيه الباطل. أما اليوم فليهنأ كل من أراد أن يهنأ باستطابة الأوهام والرتع في فضاء الأحلام.

(قل الله ثم درهم في خوضهم يلعبون)! (وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون).

السبت 21 رمضان 1419 الموافق لـ 9 يناير 1999