مكافأته على تكثيف أنشطته..

 ألف الأستاذ كتاب «La Révolution à l’heure de l’Islam» وطبع في فرنسا بعد معاناة كبيرة، حكى بعض أطوارها الأستاذ زكي مبارك، حيث قال: “كُلفتُ بطبع كتاب «La Révolution à l’heure de l’Islam»  خارج المغرب، نظرا للحصار المضروب على الأستاذ رحمه الله ومن معه، وقد عملت إبان إقامتي بالديار الفرنسية على ربط الاتصال بدار النشر، ليحضر الناشر إلى الرباط ويلتقي بالأستاذ فيتفقا على شروط النشر، وقد تسلم الناشر مبلغا من المال في شكل تسبيق، كما أنه لم يُخفِ تخوّفه مما قد يجره عليه هذا الكتاب بعد ذلك. وكذلك كان، ففي 16 نونبر 1981م وجّه الناشر رسالة إلى الأستاذ على يد صديقه زكي مبارك يشكو فيها ما تعرض له من عراقيل إدارية ومالية واستجوابات على يد أجهزة الأمن الفرنسي، وكيف تحمّل كل ذلك تقديرا لمكانة الأستاذ رحمه الله عنده، ولما يربطه بي من صداقة. وفي 14 دجنبر 1981م وجّه الأستاذ رحمه الله للناشر رسالة شكر على مجهوداته الحميدة، في أعقاب طبع الكتاب ونشره” 1.

الأستاذ في محاضرة “Pour un dialogue Islamique avec l’élite occidentalisée” بدار الثقافة بالرباط.

من أنشطة الأستاذ ياسين آنذاك محاضرته بدار الثقافة بالرباط يوم 27 يونيو 1980م، وقد كان من المقرر أن يشارك معه في هذه الندوة كل من المفكر السوسيولوجي رشدي فكار رحمه الله (ت2000م)، والطبيب الفيلسوف المهدي بنعبود رحمه الله (ت1999م)، لكنهما اعتذرا لحظة انطلاق الندوة (بسبب ضغوط خارجة عن إرادتهما)، فتحولت الندوة إلى محاضرة سيَّرها المؤرخ زكي مبارك رحمه الله، وقد ألقى الأستاذ محاضرته الشهيرة الموجهة إلى مثقفي العاصمة باللغة الفرنسية تحت عنوان (Pour un dialogue Islamique avec l’élite occidentalisée,1980) 2، يدعوهم فيها إلى الوفاء لروح الإسلام ومُثله العليا وعدم الانجرار وراء الإديولوجيات الفلسفية الوافدة، كما تحدث أيضا عن معالم نظريته في التغيير المجتمعي الذي ينشده 3.

طالع أيضا  ليلة القدر: فضلها وعمل المؤمن والمؤمنة فيها

ولا يخفى أن سنة 1981م أيضا هي السنة التي “صُنعت فيها الجماعة”، أي هي سنة تأسيس أسرة الجماعة (نواة الجماعة)، وكتابة “المنهاج النبوي تربية وتنظيما وزحفا”، بالإضافة إلى الرد على رسالة الملك بمقال “قول وفعل” الذي نشر في العدد العاشر من مجلة الجماعة، ليصرح الأستاذ فيما بعد بأنه علِم من مصادر مطلعة ومن خلال الاستنطاقات البوليسية بأن سبب التهمة هو ما جاء في ذلك المقال من نقد شامل للتدبير السياسي الرسمي. وقد كان مما سُئل عنه أثناء التحقيق: من تقصد بـ”هُم” في شعار جريدة الصبح وافتتاحية عددها الوحيد {إن موعدَهم الصبح أليس الصبح بقريب} (هود:81)؟ (انظر صورة الجريدة).

ويذكر الأستاذ أبو بكر بن الحسن بن الصديق وقد حضر المحاكمة أن القاضي رئيس الجلسة سأل الأستاذ قائلا: “عنونتَ الجريدة بالصبح، وأضفت: “إن موعدُهم (مرفوعة) الصبح، أليس الصبح بقريب”، فقاطعه الأستاذ قائلا: “إن موعدَهم الصبح، هذا قرآن ولا يجوز أن نغلط فيه” 4، هذه واحدة من وظائف الأستاذ؛ تصحيح أخطاء اللحن في اللغة، في كل مجلس وبكل مناسبة، وقد كان رحمه الله صاحب تكوين عال في علوم اللغة العربية.

ونظرا لأن “أفضل من يتحدث عن ياسين هو ياسين نفسه”، كما قال الشاعر المراكشي أحمد الشرقاوي إقبال رحمه الله، ندع الأستاذ يحدثنا عن هذه الواقعة: “كان اعتقال سنة 1983م فيما ظهر للناس يومئذ على إثر ظهور جريدة الصبح 5، فقيل إن فلانا أصدر جريدة وتعرض فيها لانتقاد الحكومة، وكانت المحاكمة على هذا الأساس على كل حال. وإنما كانت هذه الأشياء ذرا للرماد في العيون، فإن ما كتبناه في جريدة “الصبح”، باستثناء أننا كتبنا عن الجهاد وكتبنا كلمات هي محرمة في عرف النظام، باستثناء هذا فإن تعرضنا لوزير الأوقاف أو لوزير الصحة أو إلى بعض أعضاء الحكومة، لم يكن هذا ليُثير حفيظة الحكومة لولا أنه كانت ثمة حسابات سابقة كانوا يتربصون لتصفيتها فرصة ملائمة. أُخبرتُ فيما بعد، من مصادر مطلعة عما يجري وراء الستائر، أن السبب الحقيقي لاعتقالي يومئذ هو ما كنتُ كتبته في مجلة الجماعة بعنوان “قول وفعل” وتعرضت في هذه المقالة لنقد شامل كامل للإسلام الرسمي” 6.

طالع أيضا  في أسباب رفض التطبيع مع كيان غير طبيعي.. (2)

[1] من حوار الكاتب مع الأستاذ زكي مبارك في بيته، منشور بموقع (yassine.net)، بعنوان “يمثل الإمام ياسين مدرسة جديدة في الكتابة التاريخية” يوم 5 مارس 2019م، وشوهد في 12 ماي 2020م.
[2] المحاضرة مترجمة إلى اللغة العربية، ومنشورة في العدد السابع من مجلة الجماعة، مطبعة الساحل، الرباط، ط1، 1400ه/1980م، من ص 30 إلى ص 56، والعدد قابل للقراءة والتحميل بموقع سراج (siraj.net).
[3] انظر قراءة محمد ضريف للمحاضرة في: ضريف، محمد. جماعة العدل والإحسان قراءة في المسارات، منشورات المجلة المغربية لعلم الاجتماع السياسي، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، ط 1، 1995م، ص 39-42.
[4] من حوار الكاتب مع الأستاذ أبي بكر بن الصديق.
[5] أنشأت جريدة الصبح، وهي صحيفة أسبوعية، في نفس السنة التي أنشأت فيها جريدة الاتحاد الاشتراكي بعدما تم توقيف جريدة المحرر.
[6] ياسين، عبد السلام. حوار شامل، مرجع سابق، ص 45.