ثلاث وثائق..

لا أحب أن أثقل هذا الكتاب بمضامين الرسالة التي يكفي أنها انتقدت خطابا ملكيا بجرأة ومسؤولية، يُمنع رسميا مناقشته بله الاعتراض عليه! وإن كانت في الحقيقة قد تناولت بالتحليل والنقد ثلاث وثائق سياسية لها أهميتها القصوى آنذاك:

الوثيقة الأولى هي وثيقة سرية صدرت عن لجنة تابعة للاستخبارات المصرية سميت بــ”لجنة مكافحة التطرف الإسلامي” وُجهت إلى الرئيس المصري الأسبق أنور السادات(ت1981م)، ونشرتها جريدة “العرب” اللندنية بتاريخ 6 أبريل 1979م، بعدما تم “عرض التقرير النهائي(…) على مساعد الرئيس بيغن وعلى خبير الشؤون الإسلامية بالسفارة الأمريكية” 1، والهدف منها هو التضييق على العلماء ومنع الجمعيات الإسلامية، وخاصة “الإخوان المسلمون”، بالتركيز على ثلاثة مخططات:

1-            محو فكرة الوصل بين الدين والسياسة، والاستعانة في ذلك بالأقباط؛

2-            تشويه الدعاة والعلماء والرموز الدينية و”الآباء الروحيين”، واغتيالهم عند الضرورة؛

3-            تغيير مناهج التعليم خاصة مناهج التاريخ “مع إبراز مفاسد الخلافة” 2.

والوثيقة الثانية هي رسالة الملك الحسن الثاني، التي تحدثنا عنها سابقا، فبعد مقارنة مضامين خطابها مع الواقع الذي يعيشه الناس، كشف الأستاذ بأسلوب تحليلي نقدي الحالة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والحقوقية والثقافية للمغرب الحقيقي، مبينا فيها ازدواجية خطاب السلطة التي تدعي نظريا أنها تحفظ الحقوق وتضمن الحريات العامة والخاصة، وتشجع الدعوة الإسلامية، وهي في الواقع تمارس العكس، فتمنع الحريات منعا وتُنكل بالمعارضين، سواء كانوا من الإسلاميين أو من اليساريين. وفي خضم نقده السياسي ذلك تقدم بمجموعة مطالب عاجلة إلى الملك ليختبر صدقه، حيث قال:

“فهاكم يا أيها القادة والزعماء، وبالتعيين حكام المغرب، ما نقترح أن يعاد لنا من حريات أعطاها إيانا الله وسلبتموها.

1. حقنا في التجمع.

2. حقنا في تكوين أحزاب وجمعيات سياسية؛

3. حقنا وحريتنا في إعلان رأينا؛

طالع أيضا  اليوم المشهود عرفة

4. حقنا في لحانا وحجاب بناتنا: حقنا في رموزنا وسنة نبينا؛

5. حقنا في المساجد. حقا من عند الله لا هوادة فيه، وأظلم الظالمين من يمنع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه ويسعى في خرابها؛

6. حقنا في التحرك والسفر داخل المغرب وخارجه. فإننا نمنع من التحرك في البوادي، ونمنع من التجول للدعوة، ونمنع من جواز السفر؛

7. رفع الحصار الإداري عن حوائجنا التي تعرقل، والحصار السياسي والبوليسي عن أشخاصنا حتى لا يمارس علينا الإرهاب النفسي والجسدي وحتى لا تشوه سمعتنا ولا تهضم حقوقنا؛

أعطونا مجرد حرمة المواطنة التي تتيح لغيرنا ما تقرأونه من كفريات المجلات، وتفتح لغيرنا دواليب الدولة ومناصب الجامعة حيث يعشش الفكر الاستعماري، وتحاك الدسائس لاغتيال الإسلام؛

8. إطلاق سراح إخوتنا المظلومين المعتقلين.

ولو كانت الفرص متكافئة وكان الإسلام هو الحاكم لطالبنا بكل اقتناع وعزيمة أن يطلق سراح كل المعتقلين السياسيين. لأن ديننا سياسة وسياستنا دين. ومن الدين ألا يكره أحد على عقيدة” 3.

والوثيقة الثالثة، هي وثيقة نشرت بمجلة “النهار العربي والدولي” وهي عبارة عن تحليل صحفي متحامل على الإسلاميين، محرضا السلطة من أجل مساعدة ودعم العلمانيين لقطع الطريق على المعارضة الإسلامية.

كان في الرسالة ما كان من بيان وبلاغ وحجاج في الخطاب، وبسبب ذلك الوضوح تم اعتقال الأستاذ والزج به في السجن هذه المرة -وليس مصحة الأمراض الصدرية أو مع المجانين كما سبق- وهو سجن من أخطر سجون المغرب؛ “سجن لعلو” 4 الذي تقاسم بشاعته وظلامه ورطوبته اليسار والإسلاميون معا، وخاصة في ثمانينيات القرن الماضي.


[1] ياسين، عبد السلام. رسالة القرن الملكية في ميزان الإسلام، ص 9
[2] المرجع نفسه، ص 11
[3] المرجع نفسه، ص 26-27
[4] سجن لعلو من أخطر سجون المغرب، كان يوجد بالمدينة القديمة بالعاصمة الإدارية للمغرب (الرباط)، وقد تم إقفاله سنة 1989م.