من أسمى الغايات التي تأسست من أجلها الدولة عبر التاريخ تحقيق ”العدالة“، باعتبارها الفضيلة القمينة بضمان المساواة في الحقوق والواجبات بين كل المواطنين حكاما ومحكومين.

فالدولة ككيان معنوي ملزمة أن تتخلق بخلق العدالة، وأن تجعلها روحَ دستورها وأُسَّ قوانينها؛ وعليه فإن أي دولة تَعدِمُ قيمة العدالة تُعَدُّ فاقدة لأخلاقها ومنحرفة عن الغاية التي وجدت من أجلها.

إن تساوي المواطنين أمام عدالة الدولة يشعر الجميع بصورتها وأهميها، بل إن المواطن يرهن وجوده وأمنه واستقراره ببقاء هذه الدولة. غير أن الواقع في مغربنا الحبيب مخالف تماما للقيم والشعارات المنصوص عليها في الدستور والقوانين المنظمة له، ذلك أن ديباجة هذا الدستور تقر بالمساواة بين كل المواطنين، كما أن دستور 2011 تضمن حق الطفل في الحماية وجعله حقا دستوريا، إذ نص في الفصل 32 على أن الدولة تسعى لـ «توفير الحماية القانونية، والاعتبار الاجتماعي والمعنوي لجميع الأطفال، بكيفية متساوية، بصرف النظر عن وضعيتهم العائلية». وهنا أؤكد على عبارة « بكيفية متساوية بصرف النظر عن وضعيتهم العائلية»، والسؤال، لماذا في كل سنة يتم منع أطفال من حقهم في الاصطياف على غرار باقي الأطفال، لا لشيء إلا لكون آباءهم ينتمون لجماعة العدل والإحسان، فهل قمة قانون ينص على مشروعية هذا الإجراء أم أن السلطات في المغرب فوق الدستور والقانون ولا تعترف بهما؟ ثم هل القضاء لا يحمي هؤلاء الأطفال من هذا الشطط المتتالي في استعمال السلطة؟ علاوة على ذلك، لماذا تقحم الدولة أطفالا مغاربة أبرياء في تصفية حسابات سياسية مع معارضيها؟ ألا تؤمن السلطة في المغرب بقوله تعالى: «ألا تزر وازرة وزر أخرى» أم ترى أن السلطات بهذه الممارسة قد تجردت من أخلاقيتها عبر التخلي عن فضيلة العدالة؟ ألا يعد منع أطفال من التخييم وترك آخرين ضربا من ضروب العنصرية والتمييز بين المواطنين؟ فضلا عن كل ذلك، ألا تغرس الدولة من خلال هذا الشطط في نفوس الأطفال الممنوعين من التخييم، قيم الكراهية والشعور بعدم الانتماء والاعتزاز للدولة؟ ألم يأن للدولة المغربية أن تحترم ذاتها وأن تضع حدا لهذا التمييز العنصري الذي يسيء لسمعة البلاد داخليا وخارجيا؟

طالع أيضا  عاجل.. "الجبهة" تدعو إلى الاحتجاج أمام البرلمان على الساعة 21:30 رفضا للعدوان الصهيوني على الأقصى

إننا لو كنا أمام دولة أخلاقية تقدس حرمة المواطن، وتسمو بالمواثيق الدولية ومنها اتفاقية حقوق الطفل الصادرة عن الأمم المتحدة، لاعتذرت لهؤلاء الأطفال الذين حُرِموا من حقهم في التخييم، وتابعت قضائيا كل الجهات المسؤولة عن اتخاذ قرار هذا المنع الجائر. وفي انتظار استيقاظ الضمير الأخلاقي وعودة روح العدالة لممارسة السلطة، ندين بشدة هذه الممارسات القمعية المشينة، وندعو إلى الحد منها تحقيقا لأخلاقية الدولة والعدالة التي وُجِدت من أجلها.