أَيْ أُخَيَّ..

لَبِثْنا في كَنَفِ أُمِّنا الجماعة زمنا طويلا، تقاسمنا فيه لَبَنًا خالصا موصول الصفاء، نبضت به قلوبٌ بعد موات وركود، وأحيا الله به إرادات من خمود، وجبر به كسورا ما كان لها من جابر، ورتق فتوقا ورمّم صدوعا ليس لها إلا ماهرٌ صابر. فهل يمكن أن نجحدَ حليبَ الأمِّ في شرايين الفؤاد؟! أو ننكر حضن المحبة والعناية والوداد؟!

أُخَيَّ العزيز..

لَكَمْ شَرِبْنَاهُ عَذْبًا زُلالا، سُقِينَاهُ في حُنْدُسِ الليالي وسِرَاجِ القيام، وطافت به علينا يَدُ الإحسانِ في أنين الأسحار وتوجُّعِ الاستغفار وتسبيح الصيام. لكم تقاسمنا التياعا كلما تسعّر، وبكينا حُبًّا، بكينا خوفا، بكيْنا شوقا، بكينا كُلَّما نَبْعُ فَيْضٍ في قُلُوبنا تفَجَّر، وبسطنا أكفّ اضطرارنا كلما أَمْرٌ علينا تعسّر، وتعاضدنا كُلَّمَا طغى بغيٌ علينا أو تجبّر.

وكم سالت دماؤنا في شوارع هذا البَلَد! ودروبٌ رواغنا ضَيْقَها بالتآزُرِ والْجَلَد، وزنازينُ جَبْرٍ حالِكٍ أضأناها بالسّند! فكيف أروم عنك بعد هذا ابتعادا أو جفَاءً؟ وكيف يحلو عيش بدون وجهك المضيء وُدًّا وصفاءً؟

صاحِبَ دَرْبي!

هَبْ أنّني أخطأت جهلا وأسأت في حقِّكَ التَّقدير، وغلبتني شِدّةُ ثِقلِي فطاوعتُها قَهرا حتى مِلْتُ عن ميزان التَّطَاوُعِ والتيسير، وهب أنّ طباعَ سوءٍ برزت منِّي أو خانني التعبير، ألستُ قيد التعلّم والتّخلُّقِ في درب تربية دائبة وتغيير؟! وأنَّنِي لم أستكمل بعدُ تهذيبي، ولا تخلّصتُ من كثيرٍ مِمّا يزري بمروءتي، وبصورة الخلِّ الوفِيِّ الأثير؟!

أَيْ أُخَيَّ!

اتّخَذُتُك ذُخرا لآخِرَتي. فهل يتخلّى عاقِلٌ عن حَبْلِ نجاتِه، أو يترُكُ حَذِرٌ رُكْنَ أَمَانِهِ؟! وَهَلْ لِدُنْيَا أن تفرِّقَنا وتبطِلَ نيَّتَنا، وتلعبَ بعَقْدٍ محبّتِنا، وقد أشهدْنا عليه نبضَ الفؤاد ودموعَ السّحر، ولذَّةَ البَذْلِ ودعاءَ السَّفَر، وصفَّ الصلاة ووقفةَ الحقِّ الأغرّ؟!

أَيْ حبيبي..

والله ما بُعدًا عنك أروم، ولا هَجْرًا لودّك حوله نفسي يوما تحوم، ولكن قد يدخل الشيطان من مسرب سوءِ ظنّي، أو جفوةِ لحظة أنبتَتْها غفلةٌ منّي، أو عاقبةُ ذنبٍ لم أسارع إلى التوبة من وِزْرِهِ عنِّي، بل طاش بي جنوح اعتزازٍ نحو التجنّي. فوالله ما ذاك مرادي، ولا له يوما أسلستُ قيادي، ولكنّه فتنةٌ لي كي أعرفَ قدرَك، وحضٌّ لي كي أدركَ فضلَك وأعظِّم شأنَك. فمعذرة أُخَيَّ.. نسيتُ أنّ ما أراه فيكَ ليس سِواي، وأنّ ظنِّي ليس سوى بَلْواي، إذ سهوتُ عن أنّكَ مِرآتِي، وغفلتُ عن أنَّكَ مُتِمُّ صلاتِي.

طالع أيضا  زيارة وفاء لأسرة عماري في افتتاح فعاليات الذكرى 11 لاستشهاده (+صور)

أخي في الله..

وَهَبَكَ الله لي سندا لسَيْرِي، وأُنْسًا لدربي، وترسا لضعفي، وزادا لِتَيْهِي، فإذا أُحِيطَ بي كُنتَ أنتَ الملاذ، وإن قلَّ زادي أو خضّني أَمْرٌ كُنْتَ نِعْمَ العِماد، فكيف أغفُلُ عن عُكَّازِ عُرْجِي ودَربي طوِيل؟! وكيف يستقيم خطوي بلا ظهرٍ يلين به السبيل، أو ظِلٍّ يأوي إلى هَدْأَتِهِ المُتَعبُ العَلِيل؟!

عبد القادر الدحمني

في: 18 غشت 2022.