صناعة التُّهمة..

في سوق ثقافة الخوف التي كان يعيشها الملك ويصنعها تمت “فبركة” جملة من التُّهم في حق الأستاذ ياسين ونشرها في وسائل الإعلام، قصد التقليل من شأن دعوته، وتنفير الناس من مشروعه، وإشغاله بالدخول في مجادلات يبرئ فيها نفسه من التُّهم التي ما إن تنتهي واحدة حتى يُخرجون له أخرى… فلقد اتُّهم بالطرقية وبالبهائية وبالشيوعية وبالعمالة لأمريكا 1 وبالجنون 2 وبالخرافة 3 وبالتشيُّع 4، وأصابه الأذى من أجهزة الدولة كلّها، سواء منها الأجهزة القمعية العنيفة التي تعتقل وتسلخ وتسحل وتعذب وتهين، أو الأجهزة اللطيفة التي تستعمل الدين والفن والإعلام للتخلص من المعارضين وتعطيل مشاريعهم وتسفيه أحلامهم، و“إنها لمحنة قاسية، خاصةً في زمننا بعد ما جنى فيه محترفو الدّين من معممي الصّوفية قبل الاستقلال، أن يقال عن المرء كلمة هي الوصمة الكبرى والحجة الدّامغة في أعين أهل السطوح صغار الأحلام” 5.

كان الأستاذ واعيا في عرض دعوته بضرورة التجلُّد تجاه الدعوات المعارضة والمغرضة، وعارفا بأن “من يدخل غمار الظهور على الساحة وغمار السياسة والتأثير في الرأي العام، يقوم إليه من كل جهة معارضون ومعاندون حاقدون منتقدون، قامعون، منتظرون. ورهان كل هؤلاء، الأمة الصامتة التي لا تكاد تسمع عن الإسلام وعن الصحوة الإسلامية إلا ما يشوه سمعتها. فإن للأغنياء الأقوياء أجهزة للقمع وأبواقا لتشويه السمعة. من يدخل معركة المزاحمة لإبلاغ كلمته وإعلانها يتعرض لكيد المتربصين وافتراء المفترين، وتلفيق الملفقين، لاسيما إذا قال كلمته وثبت عليها زمانا دون أن يتنازل أو يداهن ودون أن يهون” 6. والتهم جاهزة بالألوان والأشكال والأحجام.

واعتُقل ناصح الملوك..

بتعليمات الملك اعتُقل “ناصح الملوك” 7 من بيته، يوم الأربعاء فاتح رمضان 1394ه/18 شتنبر 1974م، بطريقة خاصة، حيث زاره عشرة أشخاص من الأجهزة الأمنية، شداد غلاظ، يرتدون لباسا مدنيا، في سيارة إسعاف، فطرقوا الباب ودخلوا، ثم أقفلوا جميع الأبواب والنوافذ، وأمهلوا الأستاذ ليتوضأ ويُصلي ركعتين ويتلو ما تيسر من القرآن الكريم ويدعو ربه لحظة، وهم يحيطون بمكتبه ومكتبته، قبل أن يبعثروا كتبه كاملة ويتصفحوا عناوينها بدقة، طيلة أربع ساعات تقريبا (من العاشرة صباحا إلى الثانية بعد الزوال)، ومما أثار إعجابهم ازدواج ثقافة الرجل؛ تقليدية-عصرية، وإسلامية يسارية 8، وانتابهم الشك في مرجعيته وانتمائه السياسي، وظن بعضهم أنه “يساري” مقنَّع 9 بخطاب ديني! بالرغم من أن مضامين الرسالة تنبئ بوضوح عن مرجعيتها الإسلامية، ولم تتوان الأجهزة السرية عن مصادرة أعداد من صحيفة برافدا (بالروسية Правда) السوفياتية 10، وكراس “ما العمل: المسائل الملحة لحركتنا” (بالروسية: Что де́лать? Наболевшие вопросы нашего движения)‏ للزعيم الشيوعي فلاديمير لينين (ت1924م)، بالإضافة إلى مراجع أخرى من الفكر اليساري.

طالع أيضا  لطائف ونسمات من وحي الذكرى الثامنة لرحيل الإمام المجدد رحمه الله

 وتحكي زوجه الحاجة خديجة رحمها الله (ت2015م) عن لحظة الاعتقال بقولها: “علق بذاكرتي مشهد وكأنه البارحة حين كتب سيدي عبد السلام رسالة الإسلام أو الطوفان، وكنا جالسين في البيت، فإذا بمجموعة من الشرطة يفوقون العشرة، يقتحمون علينا البيت، فقام سيدي عبد السلام غير هياب ولا وجل وتوضأ وصلى ركعتين وقرأ القرآن بصوت مرتفع، فبدأ بعض البوليس يرتعشون، وهو جالس في سكينة وهدوء” 11، ثم أخذوه في سيارة الإسعاف ورموا به في مكان مظلم لا هو بسجن السياسيين ولا هو بسجن معتقلي الحق العام، بل هو إخفاء قسري.

بقي أهل بيته تلك الليلة، وهي الأولى من ليالي رمضان، في حزن وخوف على مصير الأستاذ، تقول السيدة خديجة: “أمضينا تلك الليلة الأولى من رمضان في حالة يرثى لها، لا أذكر هل تناولنا وجبة الإفطار أو لا. وفي الغد جاء إلى البيت شرطي ومعه ورقة بخط سيدي عبد السلام يطلب فيها إرسال نظارته وشيء آخر لعله سبحته. وترددت في تصديقه… قبل أن أتأكد من خط سيدي عبد السلام. فأعطيته النظارة… ولم يخبرنا هذا الشرطي بمكان وجوده” 12.

ولم تعرف الأسرة في البداية مكان احتجازه، وبقيت في حالة ترقب شديد، إلى أن أَخبر أحدُ موظفي المستشفى جارَه بدرب المدرْدَب الأستاذَ علي سقراط رحمه الله (ت2015م)، بالمكان، فأوصل الخبر إلى أسرته على وجه السُّرعة. وسقراط هذا هو الصديق الحميم للإمام منذ الطفولة إلى الوفاة، وهو الذي تكلَّف -باتفاق مع الأستاذ- بخدمة أهل بيته إلى حين خروجه من السجن 13، وقد كان يأخذهم بسيارته بعد صلاة كل جمعة إلى زيارة الأستاذ المعتقل بمستشفى مرشيش.

وبعد معرفة مكان حبسه واظبت ابنةُ الأستاذ الطفلةَ ندية وأخوها خالد على توصيل الطعام إلى والدهم، والظَّفر بلحظات فرح أثناء لقائه والجلوس معه سويعة يتملَّونه ويستمدون الثبات من تجلده، رغم أنه كان محتجزا في غرفة متسخة بلا مرافق ولا عناية.

طالع أيضا  الصفاء أصل كل عطاء

[1] ياسين، عبد السلام. “ندي الطلبة”، مجلة الجماعة، مطابع الساحل، الرباط، عدد 2، ط1، 1979م، ص 121.
[2] لذلك أدخلوه مستشفى المجانين مع الحماق.
[3] أصدرت وزارة الداخلية شريط فيديو لمجموعة من فقهاء “الشرطة الدينية” يتهمون فيه الأستاذ بالخرافة، وقد تم توزيع الشريط من طرف أعوان السلطة وعملاء المخابرات في المغرب كله.
[4] لما كان يدعو له من تقارب بين السُّنة والشيعة، وما كان يبديه من إعجاب بالثورة الإيرانية في حينه وبتحفظ.
[5] ياسين، عبد السلام. الإسلام أو الطوفان، مرجع سابق، ص 34.
[6] ياسين، عبد السلام. “مجالس العدل والإحسان، الجزء الأول”، (محاضرة يوم 1 نونبر 1989م) منشورة بقناة عبد السلام ياسين على يوتيوب، يوم 19 دجنبر 2013، وشوهد في 16 ماي 2020م. ابتداء من الدقيقة الأولى و25 ثانية.
[7] أُطلق هذا اللقب على كثير من العلماء الذين نصحوا ملوكهم، مثل سلطان العلماء العز بن عبد السلام، ومحمد بن الحسين الأرموي، وعبد الله النسفي، وأحمد بن تيمية، والحسن اليوسي، وغيرهم.
[8] انظر: ياسين، ندية. في شريط “ذاكرة الجماعة الرجال والتأسيس 1965-1983=العدل والاحسان 3″، مرجع سابق.
[9] المرجع نفسه.
[10] هي صحيفة روسية عالمية، تأسست البرافدا في عام 1912م في سان بطرسبرج، وقد كان لينين أحد المساهمين الرئيسيين فيها. وكانت الصحيفة في أوجها واحدة من أكبر الصحف توزيعًا في العالم، وبقيت هي الجريدة الرسمية للحزب الشيوعي في الاتحاد السوفييتي إلى 1991م.
[11] المالكي، خديجة. “الإمام زوجا وأبا”، ضمن كتاب أصدرته هيئة تحرير موقع الجماعة بعنوان: الإمام عبد السلام ياسين بعيون من صحبوه، د. مطبعة، ط1، 2014م، 1/12، وأصل المادة حوار أجراه موقع “mouminet.net” مع السيدة خديجة المالكي بمناسبة الذكرى الأولى لرحيل الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله، بتاريخ 13 دجنبر 2013م.
[12] المالكي، خديجة. “ذاكرة الجماعة: الرجال والتأسيس”، الجزء الثاني، مرجع سابق.
[13] سقراط، علي. المرجع نفسه.