سرت معهم هائما على وجهي… أسير وأنا أسير… أسير وفي القلب غصّة تعتصره وألم مرير. وضعوا الجسد الخاوي على الشفير ثم في الحفير… والروح حوله ترفرف وتطير… كنت معهم لكنّي كنت كالأصمّ الضرير.

حملوه… وفي لحد من الأرض ضيّق وضعوه… فرشوا له ترابا وبالتراب أيضا دثّروه، ثمّ صاح واعظ قائلا: “أيها الناس… إنّا لله وإنّا إليه راجعون. أيها الناس… لمثل هذا فليعمل العاملون…”.

كانت آذان الحاضرين تسمع، لكنّ عيونهم وقلوبهم وعقولهم كانت مركّزة على لحظة الدفن تلك… حينما يحمل حبيب حبيبه باكيا ثم يضعه في بطن الأرض ويرمي فوقه كومة تراب. كنت أراقب ذاك المشهد الحزين الذي لطالما رأيته، لكنّ الدفين لم يكن حينها أبي.

كنت آتي معزّيا…واليوم أنا المعزّى!

وارينا نصف أرواحنا التراب… سكبوا فوق التراب ماء… وأمطروا روح أبي دعاء، ثم توجهوا نحونا الواحد تلو الآخر يعزّوننا في فقد الغالي.

عدت إلى البيت مسرعا متلهّفا وتوجهت مباشرة إلى غرفته… آه… كم كانت موحشة… كان سريره هناك… سجادته… سبحته… مصحفه… عصاه التي يتكئ عليها… عمامته… جلبابه… كلّ شيء في مكانه… ماعدا هو… فقد ترك المكان، وامتطى صهوة الهجران، وتركنا أيتاما في أحلك الأزمان.

لم أكن أتوقع ألا أجده في البيت!

فكم مرّة حملناه إلى الطبيب ونحن نظنّه لا يعود ثمّ عاد… كم مرّة حملناه في سيّارة الإسعاف إلى المستشفى ولا شكّ عندنا في موته لكنّه قاوم وعاد…

كنت أتوقع حدوث الأمر نفسه ككلّ مرة… ونسيت بأنّ من يحُمل إلى المقابر لا يعود…

لِمَ يا أبي…؟ لِمَ هجرتنا…؟

عجيب أمر هؤلاء الآباء…

تولد فيقيم لك أبوك حفل عقيقة، ثم تكبر وتدخل المدرسة فيقيم لك حفل نجاح في كلّ مستوى إشهادي، ثم تتخرّج فيقيم لك حفل تخرّج، ثم يسعى جاهدا ليجد لك وظيفة فإذا ما توظّفت أقام لك حفل توظيف، ثمّ يشجّعك على الزواج ويقيم لك حفل زفاف، ثم يولد لك مولود فيقيم لولدك حفل عقيقة… وأقصى ما يمكنك إقامته له هو حفل تأبين بعدما تواري جثمانه بماء وطين.

طالع أيضا  ذ. فتحي ينتقد استغلال الوباء للتضييق على الشعائر التعبدية للمسلمين

عجيب أمر هؤلاء الآباء…

تراه يوما بعد يوم ينقص وأنت تزيد… ينقص لحمه ويزيد لحمك… يبيض شعره ويسودّ شعرك، ينحني ظهره ويستقيم ظهرك…يذبل وجهه وينضر وجهك…

شموع هم… تذوب لتنير لنا الدروب…  

عجيب أمر هؤلاء الآباء…

يُضحكوننا وهم يبكون… يُسعدوننا وهم يشقون… يُعالجوننا وبأمراضهم لا يعبئون… يحرثون أرضنا ويسقونها بعرق الجبين وكدّ السواعد وبركة البكور… يزرعون البذور… حتى إذا ما علت الأشجار، وأينعت الثمار، وجاء وقت الحصاد رحلوا في صمت عجيب وتركونا في حسرة لا تطاق…

حقّا إنّ بعض الناس لا يمكنك مكافأتهم ولو فديتهم بروحك!

لم يا أبي… لم رحلت وتركتنا…؟

كنت لنا شجرة نميل إلى ظلّها إذا ما لفح قلوبنا حرُّ الفتن… كنت لنا حضنَ دفئٍ نلجأ إليه إذا ما آلمنا قرُّ المحن… كنت مستشارنا إذا زلّت الآراء وعلا الدّخن… كنت لنا الأرض والوطن…

كنّا نرجو قيامك بالأسحار… ونعلم يقينا أنك لن تحرمنا من دعائك بين يدي الغفار… كنّا كأبناء يعقوب -عليه السلام- نرجو أن تستغفر لنا ما كان منّا من ذنوب وأوزار… كنت لنا الدّثار والستار والشّعار…

سامحني يا أبي…

فأنا لم أعرفك وإن عشت تحت ظلّك لعقود… سامحني فما عرفتك إلا بعدما دفنّاك… حينما سمعت الجيران يتكلّمون عن مناقبك… والأصدقاء يتحدّثون عن محاسنك…

سامحني… فقد بخستك حقّك وما أعطيتك قدرك…

جاءتنا يا أبي صدقةُ سرّك -بعد أيام من موتك- تمشي على أقدامها لتفشي لنا سرّك وتفضح لنا ما كنت تخفيه عنّا… بل ما كانت تخفيه يمينك عن شمالك… جاءت لتشهد شهادة حقّ وتقول كان أبوكم وكان وكان…

رحمك الله يا أبي… لن أنساك ما حييت.

اللهم اغفر لوالدينا كما ربّونا صغارا… وارزقنا يا مولاي برّهم كبارا… وأدخلهم جنّات النعيم وقِهم عذاب الجحيم.

طالع أيضا  هيئات وشخصيات وطنية تطلق مبادرة توحيد النضال للدفاع عن الحق في التجمع السلمي والتنظيم

وصل اللهم على سيدنا محمد وآله وصحبه وحزبه.