من منطق التصوف إلى منطق المنهاج

انتقل الأستاذ ياسين من الرباط إلى مراكش لأسباب صحية، وانتقل من المنطق الصوفي إلى المنطق المنهاجي لأسباب شرعية، فـ“هناك صوفيون وضعوا حدودا لأنفسهم قائلين: لا نريد التعامل مع الحكام، وإذا كان مثل هؤلاء الصوفيين قد انغلقوا في إطار منطق معين، فلم يكن الأمر كذلك بالنسبة لجميع الصوفيين. فهناك حركات صوفية كانت منبعا لحركات تاريخية مهمة، وأذكر على سبيل المثال السنوسية الليبية أو المهدية في السودان أو أحمد شهيد في الهند، هناك إذن صوفيون مخلصون لمنطق الإسلام اللاصوفي. إن الصوفية شيء أتى فيما بعد” 1.

غادر الأستاذ الزاوية دون إعلانٍ، وقدَّم نصيحته شفوية ومكتوبة إلى قيادتها في صيف 1973م، ثم دوَّن رسالة مُطولة سماها “رسالة الإرشاد” 2، يشرح فيها نظريته التجديدية في الدعوة، ليفتح تجربته الجديدة على واجهة مُشرعة على الشأن العام بإكراهاته وتضحياته. وفي ذلك كان ما كان.

رمزٌ من رموز زاوية صوفية مسالمة، لم يكن في تكوينه ما ينبئ عن تحوله إلى معارض سياسي شرس، يفاجئ الجميع برسالة نصيحةٍ إلى الملك. رسالة ليست ككل الرسائل، ولا بد أن تلحق المساءلة بالزاوية، ونحن نعرف تاريخ اضطهاد الملوك للزوايا التي استعصت على التطويع وأداء طقوس الإذعان. إلا أن ياسين كان لا يريد لإخوانه في الزاوية سوءا، وحتى لا يحاسبوا على ما لم يفعلوا خطَّ رسالة وجَّهها إلى الشيخ الجديد للزاوية سيدي حمزة رحمه الله يعلن فيها انفصاله عن الزاوية وتبرئة أهلها من تبعات النصيحة للملك.

حمل الرسالة (رسالة الانفصال عن الزاوية) الأستاذ أحمد الملاخ وقرأها على الشيخ حمزة رحمه الله، وقد كانت تلك الرسالة هي الدليل المادي الذي تقدمه قيادة الزاوية للسلطة من أجل إثبات براءتها مما فعله “عبد السلام الشريعة” 3، يقول الأستاذ عن ذلك: “لما عزمُت على أن أقول كلمة حق عند سلطان جائر، فأكون مع سيد الشهداء إن شاء الله، خشيت أن ينالهم سوء بموقفي هذا، فكتبت رسالة إلى الشيخ سيدي حمزة قلت له: يا أخي، إنني كنت في الزاوية.. أحسن الله إليكم، وأنا أخاف أن تؤذوا من جانبي، فأنا أقول لكم: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته” 4.

طالع أيضا  زغاريد تفرح بالحبيب

ما آمن الأستاذ بفكرةٍ بعد تقليب النظر فيها، إلا وسعى للعمل بها دون تردد ولا عجز، إذ إن “خدمة الأفكار لا تتوقف على أكثر من الإيمان بها” 5 كما قال علال الفاسي، آمن بالإصلاح والتجديد وفق منهاج الإسلام، فعرض مشروعه التجديدي الإصلاحي على الزاوية أولا، ولما حالت دون العمل به بعض العراقيل، توجه وجهة أخرى، غير أن الرجل -وعلى خلاف أغلب الذين ينفصلون عن أحزابهم أو جماعاتهم- ظل يفخر بتلك الصُّحبة في حياته كلها ويرُدُّ إليها سبب ما حباه الله من خير، وقد دوَّن ذلك الفضل في بعض كتبه نثرا 6 وشعرا 7، منها قوله:

أَنَـا الـدَّاعِـي إلَـى الـمَـوْلَـى         أَجُـوبُ الـبَـرَّ والـبَـحْـرَا

حـبَـانـي اللَّهُ مِـنْ نُـورٍ             بِـمَـا ألـهَـمَـنِـي الـذِّكْـرَا

وبِالـصُّـحْـبَـةِ رَقَّـانِـي                وَأعْـلَـى مِـنِّـيَ الـقَـدْرَا

وَمَـا بالـعُـجْـبِ نُـطْـقِـي، لاَ         وَلاَ أصْـطـنِـعُ الـفَـخْـرَا

ولـكـنَّ الحـديـثَ عَـنِ           الـعَـطَـايَـا يُـرْتَـضَـى شُـكْـرا

فَـحَـمْـداً للـذي أعْـطـى           وَأوْلَـى الـفـتْـحَ والـنَّـصْـرَا

فـصَـلَّـى الله مـوْلانـا               عـلـى مَـنْ بَـلَّـغَ الأمْـرَا 8


[1] ياسين، عبد السلام. حوار في برنامج مراجعات، الحلقة الثانية مرجع سابق، ص 39.
[2] رسالة في 91 صفحة، توجه بها الأستاذ إلى شيخه والنخبة المثقفة بالزاوية قصد إصلاحها والخروج بها من الانزواء إلى الفعل المجتمعي.
[3] لقبٌ كان يطلقه فقراء الزاوية على الأستاذ بسبب ما كان يقدمه من نُصح دائم باتباع الشريعة المحمدية، انظر: الملاخ، أحمد. شريط “ذاكرة الجماعة: الرجال والتأسيس 1965-1983″، منشور في يوتوب بتاريخ 13 ماي 2009م، وشوهد في 20 ماي 2020م.
[4] من حوار مع الأستاذ عبد السلام ياسين، في برنامج “مراجعات”، مرجع سابق.
[5] الفاسي، علال. النقد الذاتي، مطبعة الرسالة، الرباط، ط6، 1999م، ص 443.
[6] ياسين، عبد السلام. الإحسان، مرجع سابق، 1/8.
[7] انظر مثلا: ياسين، عبد السلام. قطوف، مرجع سابق، قطف 178، 3/30.
[8] المرجع نفسه، قطف 449، 6/70.