صدر حديثا للكاتب المبدع الأستاذ عبد الصمد الخــــزروني كتاب جديد في طبعته الأولى سنة 2022 بعنوان “تعلّمُ الدّين وتعليمُه وفق منهج التّلقي والتّرقي والتوقّي” عن دار إقدام للطباعة والنشر بإستنبول.

الكتاب الذي جاء في حوالي 151 صفحة من الحجم المتوسط، قسمه صاحبه إلى ثلاثة فصول تتوسط التقديم والمقدمة ثم الخاتمة. وجاءت هذه الفصول مفصِّلة للعنوان ومدققة للمعاني المقصودة من الكتاب، حيث خصص الفصل الأول لـ “منهج التلقي”، والفصل الثاني لـ “منهج الترقي”، بينما الفصل الثالث جعله لـ “منهج التوقي”.

الاشتغال النظري للمؤلف في الكتاب أطره المنطلقان المعرفي والحضاري

ازداد الكتاب أهمية بتقديم الدكتور عبد العظيم صغيري له، وهو أستاذ العقيدة والفكر الإسلامي بجامعة القرويين الأستاذ الزائر بجامعة قطر، الذي وصف الكتاب بأنه “سِفر نفيس”، وبأنه “عوالم لا متناهية من النظر المسترشد بفهم عميق لمدلول الآيات الشريفة، واستكناه بعيد الغور لمعنى المعنى في الأحاديث النبوية الشريفة”.

وأوضح الدكتور صغيري المنطلقين اللذين يؤطران الاشتغال النظري للمؤلف في هذا الكتاب استنادا إلى حديث جبريل في إطاره العام، وهما المنطلق المعرفي والمنطلق الحضاري، وبتعاضدهما “يشكلان مرقاة للفهم، وأداة لتشخيص الأدواء واقتراح العلاجات المناسبة”. 

وكان كل ذلك -وفق المقدم للكتاب – في لبوس ناصع من الوصف، وأردية من التحليل المقتفية لأثر المعنى، الطالبة له من مظانه، والدالة على موارده، والهادية أخيرا إلى جملة من الخلاصات النافعة “التي نرجو أن يتقاسمها القراء مع الكتاب، ويشتركوا في إنضاجها عبر التفاعل البناء مع مضامينه فهما وتنزيلا، تقويـما وترشيدا، توقعا واستشرافا”.

حديث جبريل هو محور حديث الكتاب

جعل الأستاذ الخزروني حديث جبريل الذي يعتبره العلماء “أم السنة” محور حديثه في الكتاب، وما حمله إلى ذلك كما ذكر في مقدمته هو “ما احتواه هذا الحديث النبوي الشريف واختصره واختزله من أحكام الشريعة في أمر الإسلام، وقضايا العقيدة في أمر الإيمان، وآداب السلوك في أمر الإحسان، ومراحل التاريخ وتقلباته وتحولاته في أمر الساعة وعلاماتها”. موضحا أن مكة المكرّمة أيضا “اعتبرها القرآن أمّ القرى لما تجمعه في موسم الحج والعمرة من أجناس المسلمين المختلفة من أنحاء العالم كله. وكما هي سورة الفاتحة التي اعتبرها القرآن والحديث أمَّ الكتاب التي اشتملت على كلّ معاني القرآن وعلومه”.

ونظر الخزروني إلى هذا الحديث باعتباره وحدة موضوعية متكاملة تجمع بين مواضيع أربعة، وباعتباره وحدة شرعية في الوقت نفسه تجمع بين أمور دينية أربعة. موضحا أن الذين يكتفون بذكر المواضيع الثلاثة الأولى من الحديث ويعطون لها الأهمية البالغة في الشرح والتحليل والتأليف، ويعتبرونها وحدها هي الدين دون الموضوع الرابع الذي هو الساعة وعلاماتها، “إنما يجزّئون وحدة الحديث الموضوعية والشرعية معا”. واعتبر المؤلف أن ما ذكره النبي صلى الله عليه وسلم بعد أمور الإسلام والإيمان والإحسان من حديث عن أمر الساعة وأماراتها “ليس أمرا زائدا أو عبثا. بل هو أمر من الدين له أهميته وله علاقة بما سبقه من أمور الدين الثلاثة”.

طالع أيضا  تعلم لغتك العربية.. كل ما ينبغي معرفته عن الخبر

وزادنا في مقدمته أن الإسلام والإيمان والإحسان تمثل مراتب الدين، في حين أن علامات الساعة تمثل التاريخ بأبعاده الثلاثة الماضي والحاضر والمستقبل. وقال: “إذا كانت المراتب تمثل المشروع التربوي والفكري والحركي فإن علامات الساعة تمثل واقع التاريخ الذي يتنزل عليه هذا المشروع بالوسائل والأساليب المناسبة. وكلما كان التنزيل صحيحا كان الواقع التاريخي مثاليا ونموذجيا كما كان على العهد النبوي والعهد الراشدي”.

وعلى العكس من ذلك -يضيف الكاتب- فإن طريقة التنزيل كلما كان فيها خلل عن طريق التأويل والتبديل كلما كان الواقع التاريخي يشهد انحرافا بظهور أمارات الساعة وعلى رأسها ما ذُكِر في الحديث النبوي الشريف، كما كان في عهد الملك العاض ونعيشه اليوم في عهد الملك الجبري. يضيف المؤلف.

منهج التلقي

قسم الخزروني الفصل الأول من كتابه على تسعة مباحث، تأتّى له من خلالها توضيح مقصوده من هذا المنهج “المرتبط بالعلم والمعرفة حول الحديث الشريف حديث جبريل عليه السلام بوحدته الشرعية والموضوعية المتمثلة في أربعة أمور. والتي تفيد أن الدّين الذي جاءنا به رسول الله صلى الله عليه وسلم هو إسلام وإيمان وإحسان وترقب للساعة”.

وذلك لأن الدين كما يرى المؤلف له جانب تعليمي للتلقي “نتعلمه من حديث جبريل عليه السلام المشهور بأنه مراتب وطريق صاعدة وصراط مستقيم وعقبة واقتحام، وبأنه علم بعلامات الساعة وأماراتها وأشراطها لمعرفة مواضع الأقدام على ساحة الواقع وعلى رقعة التاريخ”.

ولأهمية هذا الجانب التعليمي، يضيف الخزروني، “احتاج الأمر أن ينزل جبريل عليه السلام على صورة رجل ويحاور النبي صلى الله عليه وسلم حوارا مدهشا يحضره الصحابة رضي الله عنهم ويسمعون مضمونه وتفاصيله ويتلقون تعليمه مع النبي صلى الله عليه وسلم مباشرة. الدين هو إسلام وإيمان وإحسان وترقب للساعة”.

ولتبيان هذا المنهج، عرج المؤلف بالدراسة والتحليل في مباحث هذا الفصل على موضوعات عدة، بادئا بحديث “أمّ السنة” بالصيغ التي ورد بها وأقوال العلماء فيه وصولا إلى الفوائد المستنبطة منه، ووقف على معنى الدين بتصوره الحقيقي ومفهومه القرآني والنبوي، وكذا خصائصه ومراتبه ودلالاتها مع اختلاف الرؤية للأشياء من كل مرتبة، وغير ذلك من القضايا التي درسها وحللها وعرضها في هذا الفصل من منطلق أن “تلقي أمور الدين الأربعة حفظا وعلما وتعليما وفقها، يعتبر المنطلق الواجب في فهم الدين” في شموليته.

طالع أيضا  "رمضان وعلاقته بعبودية القلب" سلسلة يومية على قناة الشاهد مع الأستاذ باهشام

منهج الترقي

في الفصل الثاني من الكتاب أفرد الخزروني القول في “منهج التّرقي” باعتباره منهجا مرتبطا بـ “التنافس والسباق والمسارعة استجابة لنداء الله تعالى من أجل الارتقاء من إسلام اتباعا لصُواه واهتداء بمناراته، لإيمان تحليا بشعبه وتمثلا لخصاله، لإحسان وصولا إلى منازله وتحققا بمقاماته.” وهو بهذا المعنى “تطبيق لمعاني الإسلام والإيمان والإحسان وسلوك على طريقها الصاعدة وقطع لمسافاتها المتعاقبة الواحدة تلو الأخرى”.

وفي حديثه عن هذا المعنى المهم في الدين، يرى له المؤلف أيضا “جانبا آخر تطبيقيا وسلوكيا مفصلا في حديث النصيحة للترقي في مراتبه. هذا الحديث يُبين فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الدين في إطاره العام علاقةٌ بين العبد وربه بطاعته والاستجابة لأمره”، وهو أيضا علاقةٌ بينه وبين القرآن بتلاوته وتدبره وحفظه وتطبيقه، وعلاقةٌ بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم بمحبته وتأسّ به واتباعه، وعلاقةٌ بينه وبين الحاكم بمبايعة بين الطرفين على إحقاق الحق وإقامة العدل، وعلاقةٌ بينه وبين عامة المسلمين بالأخوة والتعاون على البر والتقوى.

وحديث النصيحة كما رواه الإمام مسلم رحمه الله في صحيحه عن تميم الداري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم يقول فيه: “الدين النصيحة، قلنا لمن يا رسول الله؟ قال: لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم”.

الكاتب أشار في موضع آخر من الكتاب إلى أن “الترقي في مراتب الدين اجتهاد ومجاهدة، وتنافس وسلوك، يعتبر العمل الواجب في تطبيق الدين. وذلك لما يتيحه هذا الترقي للمسلم من فرصة على جَبر ما أصاب عباداته من تقصير وخلل ونقص”.

ولذلك فهو في هذا الفصل الذي قسمه على سبعة مباحث، تحدث بالتفصيل عن مرتبة الإسلام وأتى على ذكر خصائصه وأركانه وصواه… وذكر مرتبة الإيمان وخصائصه وأركانه وشعبه… ومثل ذلك عن مرتبة الإحسان، ثم أفاض في الحديث عن تجديد الدين والإيمان وأنواع التجديد، وعن القيم الدينية إسلاما وإيمانا وإحسانا، وختم الفصل بالحديث عن العقبات التي قد تقف “بمثابة حواجز دون بلوغ الأهداف ودون تحقيق الغايات. وبلوغ أهداف الإسلام والإيمان والإحسان وتحقيق غايات مراتبها”.

منهج التوقي

ووقف المؤلف في الفصل الثالث من الكتاب مع المنهج الثالث، وهو منهج لا يقل أهمية عن المنهجين السابقين، “هو منهج التوقّي المرتبط بالحذر المطلوب من الوقوع في الفتن بأنواعها. لأن الوقوع فيها يضر بمنهجي التلقي والترقي وبالتالي يصيب دين المسلم بالضعف والخلل”. ويتحدد هذا المنهج في الأمر الرابع بعد الإسلام والإيمان والإحسان، الذي هو الساعة.

وفي هذا الأمر الرابع -وفق منظور المؤلف- يتمثل “مبدأ السلامة والتوقّي” من الأخطار والعقبات، و“البوصلة لتحديد الاتجاه على الطريق الصحيح”، وذلك أن الحديث عن علامات الساعة وأماراتها وأشراطها وما بين يديها من مضلات الفتن هو ليس من باب علم النوافل، “بل هو من باب علم الفروض المندرجة في باب النصيحة الجامعة بين البشارة بالخير والنذارة من الشرّ. كما تمّ تعليم الناس بأنواع العلوم في مجال الإسلام والإيمان والإحسان، فكذلك يجب تعليم الناس علم علامات الساعة”.

طالع أيضا  فَسُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى

وهذا العلم يضيف الكاتب “به يحتاط الناس لدينهم من الوقوع في الشرّ والفتن ما ظهر منها وما بطن”. موضحا أن هذا التعليم ليس جديدا بل هو دأب النبي صلى الله عليه وسلم ودأب من سبقه من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام. وهو أيضا دأب التابعين لهم بإحسان.

وتزداد الحاجة إلى هذا العلم وفق ما يراه الكاتب في هذا الفصل؛ لأن الناس اليوم “تفاجئهم الفتن كالقطر يرتمون في أحضانها حيارى، وهم أحوج ما يكونون لمن يدلّهم على طريق الخير الذي هو طريق الإسلام والإيمان والإحسان ليسلكوه، ويدلّهم على طريق شرّ الفتن المضلة والمهلكة فيجتنبوه”. موضحا أنّ هذا الزمان الذي اختلط فيه الحق بالباطل والحلال بالحرام وكثر فيه إعلام الكذب والدّجل هو أوان إخراج وإظهار المؤمن للعلم الحق الذي عنده ليكون ملاذا للناس ومنهجا لسلامتهم ووقايتهم في دينهم.

وجعل المؤلف “الأمر الرابع: الساعة” أول المباحث التسعة لهذا الفصل، وفصل القول في معناها وفي خصائصها، وأتى على الحديث عن نهاية العالم، وعن علامات الساعة، وعن العلم بها، وعن أهمية العلم بعلامات الساعة بما هي أخبار مبشرة ومنذرة وأخبار حق ويقين نؤمن بها وتفيد في “صياغة نظرية معرفية واعية وكاملة بكل الأحداث الماضية والحاضرة والمستقبلية” للوقوف على ثلاث حقائق مهمة، منها “مدى تأثير الفتن في سلوك الأجيال السابقة من المسلمين عامة وعلمائهم خاصة…”

وختم المؤلف الفصل الثالث بالعلاقة الجدلية بين الساعة ومراتب الدين، لأن ذكر النبي صلى الله عليه وسلم للسّاعة وعلاماتها بعد ذكره لمراتب الدين الثلاثة، هو دليل على وجود علاقة وارتباط بين الساعة ومراتب الدين، سماها المؤلف “علاقة جدلية بين الوجود والاختفاء”.