نحتاج إلى مجموع علاقات رامزة تشكل في مجموعها وتداخلها وتكاملها قرائن وظروف السياق العام الذي أنشئت فيه الرسالة وتُدوولت. فبعد هزيمة العرب في 1967م أمام الكيان الصهيوني لم يعد للحكام العرب ما به يصنعون زعامة ومجدا في معمعان السياسة وأمام شعوبهم، فانتشرت ثقافة اليأس والشماتة في الوطن العربي كله، وقُبيل الرسالة نجا الملك من محاولتين انقلابيتين دبرهما له أصدقاؤه ومقربوه، وكادتا أن تعصفا بعرشه وتفرقا جمعه، الأولى كانت بمناسبة احتفال رسمي بعيد ميلاد الملك (42) يوم العاشر من يوليوز سنة 1971م بقصر الصخيرات، وقادها شاب عسكري هو الكولونيل امْحمَّدْ اعبابو (33 سنة)، واستُعملت فيها ثمانية أطنان من الذخيرة الحية، وراح ضحيتها حوالي خمسمائة قتيل، منهم مائة من المدعوين الألْف.

والثانية هي المحاولة المعروفة بحادثة طائرة البوينغ (727) يوم السادس عشر من غشت سنة 1972م، بقيادة الجنرال محمد أوفقير ومعه نخبة من قيادات الجيش. إذ ما إن وصل الملك إلى أجواء مدينة تطوان عائدا من فرنسا حتى أقلعت ست طائرات حربية من طراز “إف 5” من قاعدة القنيطرة الجوية بقيادة كل من صالح حشاد والرائد كويرة، وأطلقت ثلاثة منها النار على طائرة الملك، فعطلت محركين من أصل ثلاثة من محركاتها، وحطمت خزانها التحتي، وتبعه الانقلابيون إلى قصر الرباط، لكن الملك نجا بأعجوبة!

ونظرا لأهمية السياقات الاجتماعية والسياسية والثقافية في فهم الظواهر والأحداث التاريخية وتحليل معطياتها، وتقويم المواقف المرتبطة بها، كان لا بد أن نُذكر بهذه الأحداث الوطنية التي جرت في السنوات التي كُتبت فيها الرسالة والتي سماها المؤرخون والأدباء بــ”سنوات الجمر والرصاص”، أي السنوات التي زُجَّ فيها بآلاف الشباب في السجون المغربية الرهيبة، من قبيل سجن تازمامارت 1، وسجن قلعة مكونة 2، ومعتقل “دار المقري” 3، و”دار بريشة” 4، وغيرها من السجون والمعتقلات السرية التي أحصت منها هيئة الإنصاف والمصالحة نحو ثلاثين معتقلا سريا في عهد الحسن الثاني.

أثناء جلسة محاكمة تلاميذ ضباط الصف بالمدرسة العسكرية الملكية بأهرمومو مع السائقين

أصيب الملك آنذاك بهلع كبير جراء انقلاب وزرائه وضباط الجيش عليه، واعتراض بعض مناضلي اليسار على سياسته، وحمل بعضهم للسلاح، فاستشاط غضبا وأمر بالتقتيل والترهيب، وعمَّ الهلع والخوف في كل مكان، ودشن المعتقلات في مختلف الجهات، وأعدم العشرات من المتهمين إعداما جماعيا، وكبارهم أُعدموا صبيحة عيد الفطر عام 1973م بثكنة مولاي إسماعيل بالرباط (إعدام أربعة جنرالات، هم بوكرين وحبيبي وحمو ومصطفى وأربعة كولونيلات والكومندار إبراهيم المنوزي)، ونُقلت بعض أطوار عملية الإعدام في التلفزة المغربية، بأمر من الملك الذي تابع تنفيذ الإعدام رفقة ملك الأردن حسين (ت1999م)، بالإضافة إلى إعدام المشاركين في أحداث مولاي بوعزة 5 الأليمة التي وقعت يوم 3 مارس 1973م 6، وإعدام كبار الضباط (كويرة وأمقران والميداوي وتسعة ضباط آخرين) بشاطئ الشليحات وغيرها… مع العلم أن الأحكام بالإعدام لا تنفذ في العطل الرسمية والأعياد.

وكان الله في عون أُسر الضحايا الذين ارتبط في ذاكرتهم العيد بإعدام أقاربهم.

 نُفذت جميع تلك الإعدامات والاختطافات وسادت أجواء الرعب في البلد كلّه لعلَّ الملك يُعيد تصفية البيت الداخلي ويتخلص مِن كل مَن شكَّ في قرابته أو ولائه للمنقلِبين والخونة. فعَل ذلك باسم القانون وفوق القانون، وسُلطة الملك أصلا متعالية على القانون وعلى المؤسسات، مما كان سببا في وقوع كثير من التجاوزات والمظالم لمجرد الاشتباه أو الشك. و“ما يُفسدُ الدولةَ مثلُ أنانيةِ الحكام وإعجابِهم بذاتهم ورأيِهم، وانتفاشهم على الناس. وهذه هي معاني الاستكبار” 7، وتلك سُنة سياسية في الأنظمة المطلقة من قديم الزمان، والمرجع كتاب “الأمير” لماكيافلي الذي يبيح للحاكم المطلق تجاوز القانون والأخلاق واستعمال العنف الأعمى إذا تبين له أن القانون لا يكفي للانتقام من المعارضين، وذلك من أجل “ضمان السيطرة” بتعبير الروائي البريطاني جورج أورويل (ت1950م). وما قُتل سقراط الحكيم (ت339 ق.م) إلا لإسكات صوته المعارض وتربيته الأخلاقية المزعجة لحكام أثينا ونخبتها الفاسدة التي لقبته بــ”ذبابة الخيل” 8، خاصة لما رأوا تأثر الشباب به والتفافهم حوله…

المعتقل السابق أحمد المرزوقي صاحب كتاب “تزممارت الزنزانة رقم 10”

ولك أن تتصور بعض ما وقع في تلك المرحلة 9 المهمة والقاسية من خلال اطلاعك على مذكرات من نجَوا من القتل السريع والموت البطيء، أمثال الضابط الأديب أحمد المرزوقي في كتابه “تزممارت الزنزانة رقم 10” 10، والضابط محمد الرايس (ت2010م) في كتابه “من الصخيرات إلى تازمامارت: تذكرة ذهاب وإياب إلى الجحيم” 11، والمناضل عزيز بنبين في كتابه “تازماموت” 12، والطيار العسكري صلاح حشاد في مذكراته (Les Emmurés de Tazmamart) 13 ومليكة أوفقير في روايتها “السجينة” 14، وصلاح الوديع في روايته “العريس” 15، وعبد اللطيف اللُّعبي في روايته “مجنون الأمل” 16. بالإضافة إلى مئات المقالات التحليلية والروايات والبرامج الإذاعية والتلفزيونية عن الموضوع. لتعرف مآسي العنف وبشاعات الظلم.

طالع أيضا  همسة في قلب الحاج (1)

غير أن الأستاذ ياسين كان لا يريد بالملك شرا، ولا يقبل أن يضع يده في يد غادر أو خائن، وإنما دعاه ليعتبر من تلك الأحداث الخطيرة، وينهض من غفلته للقيام بواجبه، فلم يكن “صاحب المنهاج” يؤمن بالمذهبية الانقلابية أبدا من بداية دعوته 17 إلى خاتمة وصيته 18 قبل وفاته، وإن هالَه ما يعيشه المغاربة من أوضاع مزرية مقابل ترف النخبة الحاكمة وولائها للخارج، فقد كتب نصيحته إلى رأس الدولة ينبهه إلى كوارث ما صنعت سياسته من تفقير وتجويع وتجهيل، ويدعوه بلُطف وغيرة إلى تدارك الأمر قبل تفاقمه. حيث كان الوضع الاجتماعي في المغرب بائسا وبائسا جدا، وكان سؤال الشباب: كيف نتخلص من هذا البؤس الاجتماعي المتفاقم؟ هل بالسكوت والتصفيق لسياسة موغلة في التخلف والتبعية؟ أو بالثورة على الوضع الذي صنع الفجوة العميقة بين طغمة تسرق الثروة وتستبد بالسلطة وبين شعب مُفقر ومهمش 19؟ ما العمل؟

في هذه الظروف العصيبة التي مر منها المغرب 20 تصل إلى الملك الراحل رسالة رجلٍ عاش بعيدا عن السياسة ودسائسها، تربى تربية قرآنية محافظة في مدرسة العلامة المختار السوسي رحمه الله (ت1963م)، وعلى يد نخبة من علماء مراكش، ثم تعلم ثقافة عصره بعصامية، وارتقى في عالم التربية والتعليم والإدارة 21، متفانيا في عمله، غيورا على وطنه، مستمسكا بدينه، وفيا في صداقته، قريبا من النخبة العلمية والتربوية لبلده، إلى أن وقع له حالٌ غريب عبر عنه أحيانا بـ“أزمة روحية” 22 و“صحوة عفوية” 23، وأحيانا بـ“يقظة قلبية” 24، حمله على البحث عن حقيقة وجوده وحقيقة معرفته لربه، فقيَّض الله له “حوزة مباركة” 25 في حضن رجل من صوفية الريف الكبار، وهو الشيخ العباس بن المختار القادري رحمه الله، فصحبه صُحبة محبةٍ وتلمذةٍ وملازمةٍ ستة أعوام إلى أن توفاه الله إليه يوم 2 فبراير 1972م، وبعدها وسع اطلاعه على مكتوبات وتجارب علماء وقادة الحركة الإسلامية في العالم، وأضاف ذلك إلى واسع اطلاعه على الثقافة الغربية من مصادرها الأصلية، وتفاعل هذا الاطلاع المتنوع والعميق مع جاهزية الرجل الروحية والذهنية للعمل التغييري الجدي والاستراتيجي، فأنتج تصورا جديدا متجددا يستمد من الأصول المؤسسة لثقافة الأمة، ويستفيد من تجارب الإنسانية عبر تاريخها الطويل، ويراجع من خلالها تاريخ الفقه الموروث ليخلصه من الجزء المائت فيه، ويُقوم بمنهاجه مختلف المدارس الفكرية؛ إسلامية وغير إسلامية، قديمة وحديثة. 

طالع أيضا  قومة رمضان.. أنواعها وشروطها

[1] سجن تازمامارت هو معتقل سري رهيب بصحراء الراشدية (يبعد بحوالي 20 كلم عن مدينة الريش)، بناه أوفقير في الأصل للملك الحسن الثاني وعائلته، ثم استُعمل للإخفاء القسري لأفواجٍ من المناضلين والعسكريين والسياسيين المعارضين، أو المشتبه في تورطهم في محاولتي الانقلاب، ويتضمن 59 زنزانة، حسب شهادة الطيار صلاح حشاد في الجزء الثامن من شهادته مع العصر، انظر: “شاهد على العصر- صالح حشاد- الجزء الثامن” في يوتيوب، تاريخ البث بقناة الجزيرة العربية 29 يونيو 2009، وشوهد في 9 ماي 2020م، ابتداء من الدقيقة 30.
[2] قلعة مكونة عبارة عن ثكنة عسكرية أنشأها الاحتلال الفرنسي قصد إذلال وإخضاع ثورات القبائل بالجنوب الشرقي، تبعد عن ورزازات بحوالي 94 كيلومترا، تم تحويلها في سنوات الرصاص إلى معتقل سري مظلم لاحتجاز وتعذيب وإعدام أعداد كبيرة من المعتقلين السياسيين المعارضين ومن طلبة الجامعات، وكانت تسمى بالقلعة السوداء لتاريخها الدموي بسبب التعذيب حتى الموت في ظروف قاسية جدا، ناهيك عن ارتفاع درجة الحرارة بالمنطقة صيفا وانخفاضها الشديد شتاء، ووجود الأفاعي والعقارب القاتلة.
[3] دار المقري معتقل سري فظيع بحي اليوسفية بالرباط، يمتد على مساحة تقدر بـ8722 مترا مربعا، كان قصرا قبل تحويله إلى مكان للاحتجاز والتعذيب منذ بداية الستينيات من القرن العشرين، وقد رسم الصحفي المخضرم مصطفى العلوي صورة لبعض وقائع الاحتجاز والتعذيب الرهيب في مذكراته “مذكرات صحافي وثلاثة ملوك”، إعداد يونس مسكين، منشورات أخبار اليوم، المغرب، ط1، 2011م.
[4] دار بريشة أو دار الفظائع كما سماها الحاج أحمد معنينو، معتقل سري في حي المحنش بمدينة تطوان، خصص منذ 1956 لتعذيب وتعنيف المعارضين السياسيين، وهو أول سجن سري في المغرب بعد الاستقلال، وهو عبارة عن مسكن يتكون من قبوٍ مظلم وطابق سفلي وطابقين علويين، ولمعرفة هول المعاناة والتعذيب، انظر: المنوني، المهدي التجكاني. دار بريشة أو قصة مختطف، تقديم الحاج أحمد معنينو، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، ط1، 1408ه/1987م.
[5] بدأت انتفاضة مولاي بوعزة تزامنا مع عيد العرش من سنة 1973م، حيث عمدت مجموعة من المناضلين الاتحاديين تتكون من 20 فردا إلى مداهمة مقر قيادة الدرك الملكي، لكن المهاجمين فشلوا في الاستيلاء على السلاح، وحصلت مواجهة عنيفة بينهم وبين القوات المسلحة انتهت بقتل “قائد ثورة الأطلس” السيد محمد بنونة وصديقه مولاي سليمان العلوي المعروف بمولاي عمر وبمنصور، بالإضافة إلى سقوط العديد من القتلى والجرحى بين الطرفين، وبعدها قام الجيش بعملية تمشيط وتعنيف واسعة رافقتها اختطافات واعتقالات وإعدامات داخل المحكمة وخارجها. وفي يوم عيد الأضحى تم إعدام المجموعة “مجموعة مولاي بوعزة” بالقنيطرة، بتهمة إنشاء تنظيم مسلح، وهم (عمر دهكون، عبد الله بن محمد، أيت لحسن، مبارك بارو، محمد بوشعكوك، حسن الادريسي، موحا نايت بري، لحسن تفجيست، أجداني مصطفى، يونس مصطفى، أمحزون موحى، ولحاج، بيهي عبد الله الملقب بفريكس، دحمان سعيد نايت غريس، أيت زايد لحسن، حديدو موح، محمد بلحسين)، بالإضافة إلى أحكام متفاوتة على 54 فردا آخرين.
[6] انظر: بودرقة، مبارك. بوح الذاكرة وإشهاد الوثيقة، حوار الطيب بياض، دار النشر المغربية، الدار البيضاء، ط1، 2020م.
[7] ياسين، عبد السلام. جماعة المسلمين ورابطتها، دار لبنان للطباعة والنشر، بيروت، ط1، 1432ه/2011م، ص 27.
[8] الفراك، أحمد. “سقراط فيلسوف الحوار والتوليد”، مدونة فراك فيلو (farrakphilo.eklablog.com)، منشور يوم 2 يونيو 2014، وشوهد في 19 ماي 2020م.
[9] هي مرحلة من بين مراحل كثيرة في النصف الثاني من القرن العشرين كانت قاسية على المغاربة، نذكر منها: 1959 و1963 و1965، بالإضافة إلى 1971، و1972 و1973 و1974، وانتفاضة الخبز سنة 1984، وفاس 14دجنبر 1990.
[10] المرزوقي، أحمد. تزممارت الزنزانة رقم 10، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، ط1، 2012م.
[11] الرايس، محمد. ذهاب وإياب إلى الجحيم، ترجمة عبد الحميد جماهيري، دار النشر المغربية، المغرب، ط1، 2000م.
[12] بنبين، عزيز. تازماموت، ترجمة عبد الرحيم حزل، دار الأمان، الرباط، ط1، 2011م.
[13] Serhane, Abdelhak . Kabazal les Emmures de Tazmamart, collection Témoignages, France, 2004،
[14] أوفقير، مليكة. وفيتوسي، ميشيل. السجينة، ترجمة غادة موسى الحسيني، دار الجديد، بيروت، ط1، 2000م.
[15] الوديع، صلاح. العريس، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، ط4، 2016م.
[16] اللُّعبي، عبد اللطيف. مجنون الأمل، دار ورد للطباعة والنشر والتوزيع، دمشق، ط2، 2009م.
[17] ياسين، عبد السلام. الإسلام بين الدعوة والدولة، المنهاج النبوي لتغيير الإنسان، مطبعة النجاح، الدار البيضاء، ط1، 1972م، ص 64.
[18] أعد الأستاذ وصيته نثرا وشعرا وصوتا سنة 2002م، وقُرأت في تأبينه يوم 13 دجنبر 2012م، ونشرت في نفس اليوم، وتوجد نسخا منها بلغات مختلفة في موقع (siraj.net).
[19] انظر: ياسين، عبد السلام. آراء ومواقف، حوار مع الصحفي الألماني بول فابر (باللغة الإنجليزية)، عن جريدة فرانك فورتر(Frankfurter Allgemeine)، ترجمة عبد الواحد متوكل، د. مطبعة، المغرب، ط 1، 1988م، ص 16 وما بعدها.
[20] من روايات أدب السجون ” كان وأخواتها”، التي كتبها عبد القادر الشاوي من معتقله، وقد اعتقل هو الآخر سنة 1974م، صدرت أول مرة عن دار النشر المغربية، الدار البيضاء، ط1، 1986م، ثم تتالت طبعاتها.
[21] يُعد الأستاذ ياسين من أوائل الخبراء في علوم التربية بالمغرب، وله مؤلفات في الموضوع، منها: “نصوص تربوية” و”مذكرات في التربية” و”كيف أكتب إنشاء بيداغوجيا؟” وغيرها. كما شارك في تكوينات دولية في التخصص بأمريكا وفرنسا ولبنان وتونس والجزائر ومصر. انظر كتاب جماعي في الموضوع: عبد السلام ياسين وجهوده في بناء المنظومة التربوية المغربية، مطابع دعاية، سلا، ط1، 2018م.
[22] فرنسوا، بورجا. الإسلام السياسي…صوت الجنوب، مرجع سابق، ص 37.
[23] المرجع نفسه، والصفحة.
[24] ياسين، عبد السلام. حوار في برنامج مراجعات، الحلقة الثانية، مرجع سابق.
[25] ياسين، عبد السلام. الإحسان، مطابع إفريقيا الشرق، الدار البيضاء، ط2، 1439ه/2018م، 1/7.