1-       حيرة وحملة

يستغرب كثير من المغاربة سر عدم انخفاض أسعار المحروقات لدى محطات الوقود المحلية رغم كل المؤشرات التي تجمعت لديهم، متخصصين ومتتبعين ومتابعين، والذين دفعهم تعنت الدولة (حتى لا نربط القرار بالحكومة فقط) إلى البحث عن مزيد من المؤشرات الاقتصادية والسياسية العالمية والمحلية التي تزيد حيرتهم خاصة بعدما دشنوا حملة على مواقع التواصل الاجتماعي، تجاوز صيتها المستوى المحلي وأضحت أطول وأقوى حملة مغربية على تلك المواقع، وثاني أقوى حملة في “الترند العالمي“ بأكثر من مليوني تغريدة، تدعو إلى تخفيض أسعار المحروقات حتى تتناسب أسعارها  وطنيا مع الأسعار في السوق الدولية عملا بنظام المقايسة الذي طبقته الدولة في عهد حكومة السيد بن كيران.

هذه الحيرة ترجع بالأساس إلى المنطق الذي لاحظه المتتبعون لسبورة الأسعار التي تُحين سريعا كلما تعلق الأمر بزيادة على المستوى الدولي، بينما يتم الاحتفاظ بنفس الأثمنة أو اللجوء لتخفيض طفيف لا يتناسب مع الانخفاض المرجعي في السوق العالمية بدعوى عدم استنفاذ المخزون المُستورَد بالأسعار المرتفعة.

وما زاد حدة هذه الحيرة هو استمرار تداعيات هذا الارتفاع على أسعار باقي المواد، خاصة الغذائية التي عرفت زيادة كبيرة، في ظل غياب أي رؤية رسمية للتعامل مع هذا الوضع الذي يتجه إلى انهيار القدرة الشرائية للمواطنين. بل هو صمت مُطْبِق لمؤسسات الدولة، وحتى عندما يحضر الجواب يكون عبارة عن تصريحات مُسعِّرة لحالة الاحتقان الشعبي لا استجابة للمطالب أو على الأقل توضيحا لاستمرار حالة الارتفاع.

2-       صمت رسمي وتصريحات مُسعِّرة

كان جواب المؤسسات الرسمية للدولة على هذه الحملة الشعبية هو الصمت رغم مرور أسابيع كثيرة على انطلاقها، فلم تصدر توضيحات رسمية من مؤسسة الحكومة أو رئاستها أو الوزارة المكلفة بالقطاع الطاقي، أو حتى موقف من البرلمان يشفي غليل الناس، ويوضح بالمنطق المبين سر التفاوت الذي يجده المواطن بين سعر المحروقات محليا وعالميا.

وبالمقابل تناسلت تصريحات غير مؤسساتية حاولت المتزنة منها البحث عن مبررات غير متماسكة بل متضاربة؛ فتارة يتم ربط استمرار ارتفاع أسعار الوقود بالحرب على أوكرانيا، وتارة أخرى بارتفاع سعر الدولار مقابل الدرهم، أو  يتم اللجوء تارات أخرى إلى اعتبار استمرار الزيادة في ثمن المحروقات ضرورة لاستمرار الخدمات الاجتماعية من قبيل الصحة والتعليم والأمن وغيرها. 1 بينما زادت تصريحات أخرى من تسعير الحملة عوض احتوائها بسبب خطابها الاستفزازي تجاه النشطاء الذين شنوا الحملة الداعية لتخفيض أسعار المحروقات وإرجاعها لنفس المؤشرات التي كانت عليه قبل ارتفاعها دوليا.

طالع أيضا  أهمية تعليم القرآن للناشئة

فعلى سبيل المثال من هذه التصريحات المستفزة ما جاء على لسان رئيسي غرفتي البرلمان اللذين عوض أن ينسجم كلامهما مع فلسفة ظهور البرلمانات ومبرر وجودها وهو تمثيل المواطنين والدفاع عن مصالحهم ومراقبة العمل الحكومي وتقييم السياسيات العمومية كما ينص على ذلك الفصل 70 من الدستور المغربي، صرَّح رئيس مجلس المستشارين أن الحملة الشعبية على مواقع التواصل الاجتماعي هي من قبيل ”الشعارات الجوفاء التي لا نعرف الجهات التي تقف وراءها”، مضيفا أن “هذا لا يخدم الوطن ويُضر حتى بالاستقرار الاقتصادي” 2.

أما رئيس مجلس النواب فيكفي أن تدون اسمه على مواقع البحث على شبكة الإنترنيت حتى تجد سلسلة من الخرجات العنيفة لفظيا تجاه الحملة المنادية بتخفيض أسعار المحروقات ورحيل رئيس الحكومة السيد عزيز أخنوش باعتباره من المالكين لشركة محروقات منخرطة أيضا في هذا ”الجشع اللاوطني”؛ فهو أحيانا يصف الحملة بأنها ”مؤامرة خارجية”، وأحيانا يرى أن هدفها هو ”التشويش على المجهودات الحكومية”، بل ذهب إلى حد نعت المنخرطين في الحملة بأنهم من صنف ”المرضى” أو من ”الأشخاص الوهميين” الذين لا يعترف بهم لكونهم لا يحملون البطاقة الوطنية ! 3

فهل الحملة قاصرة فعلا عن فهم نظام المقايسة الذي طبقه المغرب مؤخرا؟

3-       نظام مقايسة دون تسقيف

جاء اعتماد نظام مقايسة أسعار المواد النفطية السائلة ضمن مخطط حكومة السيد عبد الإله بن كيران لإصلاح صندوق المقاصة ومواجهة ثقل الدعم الحكومي لهذا الصندوق. ويقتضي هذا المخطط الرفع التدريجي للدعم الحكومي لهذه المادة الحيوية على مرحلتين للوصول للتحرير الكامل.

 فقد بدأت الحكومة في تطبيق نظام المقايسة الجزئية ابتداء من 16 شتنبر 2013 من خلال إخضاع البنزين الممتاز والغازوال والفيول إلى المقايسة الجزئية، مع تحديد سقف الدعم الموجه لهذه المواد في حدود الاعتمادات المرصودة في قانون المالية لسنة 2013.

طالع أيضا  الإمام عبد السّلام ياسين يُقرّبنا من سيرة سيّدنا ثابت بن قيس بن شمّاس

وابتداء من فبراير 2014 ستلجأ الحكومة إلى اعتماد نظام مقايسة كلي بحذف الدعم المطبق على كل من البنزين الممتاز والفيول وبالتقليص التدريجي للدعم الموجه للغازوال مع حذفه نهاية سنة 2014.

ومع بداية 2015 تم رفع الدعم نهائيا عن كل المحروقات السائلة وإخضاع أسعار المواد النفطية للتحرير الكلي واعتماد نظام المقايسة مع الأسعار في الأسواق الدولية.

الدولة إذن وجدت الحل لتخفيف عبئ صندوق المقاصة باعتماد هذا النظام دون أن تطبق إجراءات مكملة لهذا القرار المصيري؛ من قبيل سن قانون لتسقيف الأسعار ومراقبة هامش ربح شركات المحروقات، وإعادة تشغيل مصفاة ”لاسامير” لاستيراد البترول الخام وتصفيته محليا لمواجهة تقلبات الأسعار العالمية. بل على العكس تماما تم إعفاء رئيس مجلس المنافسة بعد قرار هذه المؤسسة في يوليوز 2020 تغريم ثلاث شركات للمحروقات منها شركة رئيس الحكومة الحالي بدعوى تحصيلها لهامش ربح غير مستحق واستغلال نظام تحرير الأسعار في ذلك. 

فهل صمت الحكومة عن الجواب يرجح فرضية جشع أصحاب الشركات النافذين في الحكومة وحدها؟

4-       الصمت “تربية” للشعب

الأمر لا يتعلق حصرا بجشع أصحاب الشركات النافذين في القرار السياسي والاقتصادي في البلد، بل يتعلق بالدرجة الأولى بمنطق سلطوي شكل دوما مناط تدبير الدولة الحاكمة لمحطة الأزمات التي تتعرض لها من بيئتها المحلية (وهو منطق يتجاوز الحكومة ومصالح نخبها مهما كان نفوذهم)، خاصة عندما يتعلق الأمر بمطالب شعبية صاعدة من الأسفل مباشرة إلى القمة، متجاوزة بنيات التواصل السياسي والاجتماعي التقليدية من قبيل الأحزاب والنقابات والجمعيات التي بات دورها شبه منعدم، لأسباب ذاتية وموضوعية ليس هنا مجال التفصيل فيها.

هذا المنطق تعاملت به الدولة الحاكمة مثلا خلال مظاهرات 20 فبراير 2011، التي كان الجواب عنها ضرورة حتمية في ظل وجود بيئة إقليمية مغذية للأوضاع الداخلية، أي أن الصمت كان سيكون مكلفا في هذه الحالة. ولكن وعوض ربط المطلب الشعبي الصاعد من شباب الحركة المتمثل في تحقيق ”إصلاح دستوري حقيقي” بهذا السياق الذي أنتجه، تم ربطه في الجواب الرسمي بالاستمرار في ”مسلسل الجهوية المتقدمة” وتنزيل مقتضياتها.  أي أن الصمت كان بين ثنايا الجواب المُحتم المُقدَّم حرصا على ”هيبة الدولة”!

طالع أيضا  إِنَّ الفَقيدَ لَمَنْ فَقَد

وهو نفس المنطق الذي كرسه تعامل الدولة أيضا مع احتجاجات الريف، وغيرها من الحراكات المجالية والفئوية، ذات المطالب الاقتصادية والاجتماعية البسيطة التي لن تكلف الدولة ماديا الشيء الكثير، بل جلها يدخل ضمن برامجها وسياساتها، ووعود حملات الأحزاب الانتخابية. لكن الإشكال مرة أخرى في هيبة الدولة أن ترضخ للضغط الشعبي.

إن في صمت الدولة والحكومة عن مطالب الحملة المطالبة بتخفيض أسعار المحروقات، والذي يخضع بدوره لفرضية ”هيبة الدولة”، ”تربية” للشعب على سلوك المسالك المقبولة رسميا، المعزوف عنها شعبيا من الانتخابات والمؤسسات الرسمية، وبالمقابل يراد من خلال ذلك الصمت أن يُفهم أن منطق الضغط لن يحقق أي مطلب شعبي مهما كان الزخم المناصر له.

فهل فعلا ذلك يفتل في هيبة الدولة أم يزيد من تغذية حالة عدم الثقة في الدولة ونخبها ومؤسساتها وقراراتها؟


[1] مثلا تصريحات الناطق الرسمي باسم الحكومة
[2] ميارة: حملة المطالبة برحيل أخنوش جراء أسعار المحروقات “شعارات جوفاء”. تصريح منشور على الرابط: https://cutt.us/MV7SU
[3] تراجع سلسلة من تصريحات رئيس مجلس النواب عبر هذا النموذج من البحث:  https://cutt.us/jHZ9v