رسالة إلى العلماء..

خاطبت الرسالة -بعد الملك- العلماء، لاعتبارين:

–       أولا: لمكانتهم الاعتبارية في الدين وفي الأمة، ولأن صلاح الشعوب لا يتم إلا بصلاح أمرائها وعلمائها.

–       ثانيا: لأن العلماء من شركاء السلطان وأعوانه، سواء بتزيينهم لأفعاله بالتلفيق أو بسكوتهم عنها وإقرارها.

لذلك ذكَّرت الرسالةُ أهل العلم بالمسؤولية الملقاة على عاتقهم وبالأمانة التي اختصوا بتبليغها وبيانها للناس، إن هم حملوا أمانة العلم على وجهها الشرعي، وطرحوا كبرياء انتسابهم للعلم، وتقدموا الأمة فجمعوا شملها المفرَّق وأعادوا بناء كيانها الممزَّق.

لقد دجَّن الملكُ العلماء (جُلهم لا كلهم)، وروضهم على الطاعة المطلقة عبر دمجهم في وظائف دينية يتقاضون بموجبها أجورا وتعويضات وإكراميات وهدايا، فسكتوا خوفا أو طمعا، أو هما معا، حتى ألِفوا تلك الامتيازات المقرونة بشهادة الزور والسكوت عن الحق، فتحولت الفعلة الشنيعة إلى قاعدة شرعية يُقاس عليها، إلى أن رأينا كيف يُسوغُ السكوت بنصوص القرآن والحديث وأقوال السلف، وتُقيد ألسنة الناس بتأويل متكلف ومكيف للنصوص، في مثل قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ (النساء:59) حيث انتزعوا الآية من سياقها القرآني إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (النساء: 58-59)، وفسروها بالطاعة العمياء الصماء لكلِّ مَن غلب الناس وقهرهم بالسيف واحتكر الحكم لنفسه وبنيه، وبثوا في الناس تديُّنا سالبا يقبل الباطل والظلم ويزينه، ويرضى بالفساد والمنكر ويسكت عنه، فصنعوا بهذه التنشئة عبودية طوعية للحكام، واستحالت الشعوب بلا وزن ولا كلمة، وفي ذلك قال تعالى: وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَمَا هَدَى (طه: 79).

وهؤلاء هم الذين كان يقصد الأستاذ بقوله في ديوانه الشعري “شذرات”:

“لاَ تُخْدَعُوا بِتَمَائِمِ الشَيْطَانِ.. وَمُزَخْرَفَاتِ الزُّورِ وَالبُهْتَانِ

قَامَتْ لِنَصْرِ اللَّهِ أُسْدُ مُحَمَّدٍ .. فَتَحَشَّدَتْ زُمَرٌ مِنَ الأَعْوَانِ

عَلَوُا المـَنَابِرَ وَانْبَرَوْا بِفَصَاحَةِ .. يَتَمَلَّقُونَ مَوَائِدَ السُلطَانِ” 1

لقد شدد الأستاذ عبد السلام اللّوم على العلماء الذين يدورون حول موائد السلاطين، فساءل وظيفتهم في التربية والنُّصح والإصلاح، وانتقد تحوُّل بعضهم إلى كيانات ممسوخة تمارس وظيفة “الشرطة الدينية” التي تُنفذ التعليمات وهي صماء بكماء! وتصنع العبودية للناس باسم الدين، فتراها تبحث في التراث الفقهي عما يوافق هوى الحكام من اجتهادات مظروفة بظروف القهر السلطاني، وتخفي غيرها من الاجتهادات التي تحررت من قيد العبودية السلطانية، وانتصرت لروح الرسالة الخاتمة في تحرير الإنسان من الظلم والتسلط والتسيّد. يقول ابن الجوزي: “من تلبيس إبليس على الفقهاء: مخالطتهم الأمراء والسلاطين ومداهنتهم وترك الإنكار عليهم وربما رخصوا لهم فيما لا رخصة لهم فيه لينالوا من دنياهم عرضا فيقع بذلك الفساد لثلاثة أوجه، الأول الأمير يقول: لولا أني على صواب لأنكر عليَّ الفقيه وكيف لا أكون مصيبا وهو يأكل من مالي. والثاني العامي أنه يقول: لا بأس بهذا الأمير ولا بماله ولا بأفعاله فإن فلانا الفقيه لا يبرح عنده. والثالث الفقيه فإنه يفسد دينه بذلك.” 2

طالع أيضا  ثلاث قيم عليا للعمران الأخوي

ولا كلام في مجالس “الشرطة الدينية” وفي دعوتها المائتة عن صناعة الحرية في النظر والبحث والرأي والموقف، ولا مجال للتذكير بمواقف العلماء الأعلام من آفات الخنوع المطلق للحكام، وتمنعهم من الدخول عليهم، أمثال؛ سفيان الثوري (ت161هـ)، وابن خويز منداد (ت390ه)، وابن حزم (ت456ه)، والجويني (ت478ه)، والزمخشري (ت538ه)، وابن عطية (ت541ه)، والشهرستاني (ت548ه)، والقرطبي (ت671ه)، والبيضاوي (ت685ه)، واليوسي (ت1102ه)، والكتاني (ت1345ه)… بل تراهم يتفاصحون في إقناع الشباب بوجوب طاعة أوامر السلاطين وتنفيذها على كل حال وفي كل حين، وبعدم الجدوى من الاعتراض والدعوة إلى التغيير وإن ظُلموا وانتُهكت حرماتهم، بل وإن حُرموا المطعم والمشرب والمركب والمسكن والملبس والمنكح.

أمثل هذه الدعوات المتاجرة بالدين، تمثل حقيقة دين الإسلام؟

يقول محمد الغزالي رحمه الله (ت1996م): “كل دعوة تحبِّب الفقر إلى الناس، أو ترضيهم بالدون من المعيشة، أو تقنعهم بالهون في الحياة، أو تصبرهم على قبول البخس، والرضا بالدنية، فهي دعوة فاجرة يراد بها التمكين للظلم الاجتماعي وإرهاق الجماهير الكادحة، فهي خدمة فرد أو أفراد، وهي -قبل ذلك كله- كذب على الإسلام، وافتراء على الله. وأي تجاهل لأحوال الأمم المحرومة من العدالة الاجتماعية، أو تهوين لآثار الضيم النازل بها، أو تسكين للثوائر المهتاجة فيها، فهو دليل على أحد أمرين: خبال في العقل أو نفاق في القلب. وكلا الأمرين، له منزلته الحقيرة من دين الله، ومن دنيا الناس، فلا يلتفت إليه” 3.

بحوث سوسيولوجية جديدة 4 أكدت من خلال تناولها لموضوع تحول السلوكات الدينية للأفراد والجماعات أن الشباب نفروا من “التدين الرسمي” لما رأوا فقهاءه قد اتخذوا الدين وعلومه أحبولة للتقرب إلى السلطان وتأييد الاستبداد، يدورون معه حيث دار، ولا يُهِمهم سوى إرضائه والظفر بأعطياته. وفيهم قال الأستاذ: “فمن هؤلاء الديدان جلساء الملك حين يختلي لسمره، ومنهم وجوه تمثل على مسرح الحياة العامة رجس المنافقين وكذب الدجالين. وفي صحبة هؤلاء يتعلم الملك كيف يتخذ الإسلام ذريعة لكسب ثقة الأمة بعد أن ذابت وذهبت أدراج الرياح. إنهم يزينون للملك شهواته ويتسابقون لتبرير تحركاته، بل يفتون الفتاوى أن الحسن مجدِّد الإسلام وهم والله يَكذبون ويعلمون أنهم يَكذبون” 5، أولئك هم “الأئمة المضلون” 6 الذين حذر منهم الإسلام، وتلك هي فتنتهم الأشد خطرا على المسلمين من فتنة غيرهم، لأنها تطول على الناس من جهة ولأنها تزين الظلم وتسنده من جهة ثانية.

طالع أيضا  الهيئة المغربية لنصرة قضايا الأمة تدين استهداف الصهاينة لشباب القدس بباب العمود

وفي ذلك قال عبد الله بن المبارك (ت797م):

هل بَدَّل الدين إلا الملوك.. وأحبار سوء ورهبانها

وباعوا النفوس فلم يربحوا.. ولم تغل في البيع أثمانها

لقد رتع القوم في جيفة.. يبين لذي العقل إنتانها 7

ومع ذلك لأهل العلم الشَّرف..

ذكّر الأستاذ أهلَ العلم بمكانتهم في الإسلام وخطورة موقفهم، وخاطبهم بأدب جمٍّ في عبارات مثل: “معشر علمائنا الأمجاد” و“علماؤنا الأجلاء” و“سادتي العلماء، إنكم والله أحبّ الناس إليّ، وأعظمهم في عيني” و“إنكم لمظنة الخير”، “مِلح هذه الأمة وذُخرها” و“الحلقة الضرورية في غد الإسلام الزاهر”، حيث كان “من الأمراء على مر العصور صالحون متهجدون عابدون ذاكرون، وكان العلماء دائما ولا يزالون في أغلبهم رجالا يخشون الله ويتقونه” 8

 كما توجه إليهم باللَّوم والعتاب، وقلبه يتحرق على تضييعهم واجب النصيحة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتخليهم عن مسؤوليتهم الكبرى في الأمة؛ التربية على خصال الإيمان وشُعبه تربية شاملة ومتوازنة، حيث وردت عبارات من قبيل: “ديدان القراء المتزلفون المنافقون” و”معاشر علمائنا الناعسين”؛ ناعسين عن الدعوة إلى الله والجهر بالحق، وحمل هم الأمة المسلمة، منشغلين بجمع المال والتنافس في الدنيا أو ناعسين في الزوايا. وهو نفس العتاب الذي صدر عن الأمير محمد بن عبد الكريم الخطابي، حينما قال: “لا يزال العلماء في سباتهم العميق، ولا يفكرون في واجباتهم على الإطلاق كأنهم غير مسؤولين عن شيء مما تتخبط فيه البلاد من الفوضى والفساد… بل لا يزال كل شيء يدعو إلى اليأس لولا أن النظرية القائلة: ليس في الدنيا شيء اسمه المستحيل” 9. وفي طريق المستحيل أشعل ياسين نورا من رماد.

أما عن سبب هذا التقاعس المقعد للعلماء ولمن يقتدي بهم، فهو مرض نفسي اجتماعي يُدعى “الغثائية”، وقد ورد في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: “يُوشِكُ الْأُمَمُ أَنْ تَدَاعَى عَلَيْكُمْ كَمَا تَدَاعَى الْأَكَلَةُ إِلَى قَصْعَتِهَا، فَقَالَ قَائِلٌ: وَمِنْ قِلَّةٍ نَحْنُ يَوْمَئِذٍ؟ قَالَ: بَلْ أَنْتُمْ يَوْمَئِذٍ كَثِيرٌ، وَلَكِنَّكُمْ غُثَاءٌ كَغُثَاءِ السَّيْلِ، وَلَيَنْزَعَنَّ اللَّهُ مِنْ صُدُورِ عَدُوِّكُمُ الْمَهَابَةَ مِنْكُمْ، وَلَيَقْذِفَنَّ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمُ الْوَهْنَ، فَقَالَ قَائِلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا الْوَهْنُ؟ قَالَ: حُبُّ الدُّنْيَا، وَكَرَاهِيَةُ الْمَوْتِ” 10، ولذلك قال صاحب الرسالة: “إن داءكم وداء الأمة سماه لكم رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أخبركم عن تحول الأمة غثاء كغثاء السيل، وحين أخبركم أن مغلوبيتكم وهوانكم وتشتتكم الغثائي وتنافركم سببه حب الحياة وكراهية الموت؛ وهو الوهْن كما تعلمون” 11، في الوقت الذي تفوقت فيه الإيديولوجية الشيوعية بتعبئتها للشباب ضد الدين والطبقية، وكونت نُخباً فكرية وسياسية واقتصادية وثقافية.

طالع أيضا  عضو هيئة الدفاع: أثرنا بطلان المتابعة في ملف ياسر عبادي لهاته الأسباب

يحدث هذا وفقهاؤنا يتاجرون بمواعظهم الباردة في سوق السلطة، ولا يتمعَّر وجْهُ أحدهم قطُّ غيرةً على الإسلام والمسلمين. وفي أمثالهم قال الشاعر ابن البني الجياني وهو يهجو فقهاء المالكية في عصره:

أهل الرياء لبستمو ناموسكم.. كالذئب أدلج في الظلام العاتم

فملكتمو الدنيا بمذهب مالك.. وقسمتمو الأموال بابن القاسم

وركبتمو شُهبَ الدواب بأشهبٍ.. وبأصْبَغٍ صبغتْ لكم في العالم 12

كما يفيد قول الفقيه ابن المبارك في تقريع أمثال هؤلاء البطالين الوراقين:

يَا جَاعِلَ الْعِلْمِ لَهُ بَازِيًّا.. يَصْطَادُ أَمْوَالَ الْمَسَاكِينِ

احْتَلْتَ لِلدُّنْيَا وَلَذَّاتِهَا.. بِحِيلَةٍ تَذْهَبُ بِالدِّينِ

فَصِرْتَ مَجْنُونًا بِهَا بَعْدَمَا.. كُنْتَ دَوَاءً لِلْمَجَانِينِ

أَيْنَ رِوَايَاتُكَ فِيمَا مَضَى.. عَنِ ابْنِ عَوْنٍ وَابْنِ سِيرِينِ

وَدَرْسُكَ الْعِلْمَ بِآثَارِهِ.. وَتَرْكُكَ أَبْوَابَ السَّلَاطِينِ

تَقُولُ أُكْرِهْتُ فَمَاذَا كَذَا.. زَلَّ حِمَارُ الْعِلْمِ فِي الطِّينِ 13


[1] ياسين، عبد السلام. شذرات (ديوان شعر)، دون مطبعة، سلا، ط1، 1992م، ص 51.
[2] ابن الجوزي، عبد الرحمن، تلبيس إبليس، دار إحياء الكتب العربية، القاهرة، ط 1، 1986م، ص 119.
[3] الغزالي، محمد. الإسلام المفترى عليه بين الشيوعيين والرأسماليين، نهضة مصر للطباعة، القاهرة، ط6، 2005م، ص55.
[4] انظر مثلا: الصنهاجي، إدريس. علم الاجتماع الديني بالمغرب: مقدمات نظرية، مقاربات للنشر والصناعات الثقافية، فاس، ط1، 2018م.
[5] ياسين، عبد السلام. الإسلام أو الطوفان، مرجع سابق، ص 47.
[6] في الحديث “إنما أخاف على أمتي الأئمة المضلين” رواه الإمام الأحمد بن حنبل في مسنده، دار الحديث، القاهرة، ط1، 1995م، 16/294، رقم 21296.
[7] ابن المبارك، عبد الله. الجهاد، تحقيق نزيه حماد، دار المطبوعات الحديثة، جدة، ط1، 1983م، ص 28.
[8] ياسين، عبد السلام. الإسلام أو الطوفان، مرجع سابق، ص 129.
[9] الخطابي، محمد بن عبد الكريم. في تقديمه لـ: الكتاني، محمد الباقر بن محمد بن عبد الكبير. ترجمة الشيخ الشهيد محمد الكتاني المسماة أشرف الأماني، تحقيق نور الهدى عبد الرحمن الكتاني، دار ابن حزم، بيروت، ط1، 1426ه/2005م، ص 54.
[10] أبو داوود، سليمان بن الأشعت. سنن أبي داوود،، كتاب الملاحم، باب في تداعي الأمم على الإسلام، رقم 3805.
[11] ياسين، عبد السلام. الإسلام أو الطوفان، مرجع سابق، ص 110.
[12] المراكشي، عبد الواحد بن علي. المعجب في تلخيص أخبار المغرب، المكتبة العصرية، بيروت، ط1، 2006م، ص 130.
[13] ابن المبارك، عبد الله. الجهاد، مرجع سابق، ص 26.