الهجرة حدث فاصل في تاريخ الإسلام بين مرحلة الاستضعاف التي عانها النبي ﷺ وأصحابه طيلة ثلاثة عشرة سنة في مكة، والتي أشهر فيها برنامجه المجتمعي التغييري الذي غَيَّر به التشكيل الجاهلي الذي استعبد القلوب، فعبدت غير الله أصنام اللات والعزى ومناة وآلهة أخرى من صنع التمر والحلوى، واستعبدت الأجساد وسيرتها حياة عبيد وإماء من الإنس خِلْقة، لكنهم في معيار الجاهلية أنعام تعمل وتأكل ثم تموت.

المشروع المجتمعي الذي محوره الإنسان والإنسان فقط، أسوده وأبيضه، عربيه وعجميه، ذكره وأنثاه، عليته سيده وأدناه، ما كان ليتركه الأغنياء وأصحاب النفوذ والمصالح أن يتشكل على الأرض حرية تعتق العبيد، ومعولا يكسر القاعدة الصلبة التي يقف عليها هؤلاء، فخنقوا الدعوة بخنق أهلها، فلجأ النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه إلى الدعوة السرية أعواما، فلما صدع بالأمر جهرا حاصروه اقتصاديا أعواما أخرى، ولما اشتد الأذى، هاجر ضعفاء المسلمين إلى الحبشة فرارا بدينهم، ومع ذلك تبعتهم أيادي قريش لتخنق الجمل بما حمل، وتَحَمَّل ﷺ ومن معه المشاق كلها دون أن يطلق في وجه أعدائه نبلا واحدا، حتى أذن الله له بالهجرة، تغييرا للزمان والمكان والأساليب، وإليك بعض قبساتها التي لن تجف من الدروس والعبر إلى يوم القيامة، تنهل منها المجتمعات والحركات والأشخاص تشوفا للتغيير والنجاح.

1-  الهجرة والتأريخ الإسلامي:

 عادة ما تجعل الأمم الرائدة من أحداث تاريخها الكبرى فيصلا تؤرخ بها لحياتها المستقبلية، وكذلك كانت الأمة الإسلامية لما تأسست وانتشرت، احتاجت لتؤرخ لأحداثها، خصوصا بعدما بدأ التدوين في عهد الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فقد أخرج البخاري عن سهل بن سعد قال: “ما عدوا من مبعث النبي صلى الله عليه وسلم ولا من وفاته، ما عدوا إلا من مقدمه المدينة” 1

وأفاد السهيلي: “أن الصحابة أخذوا التأريخ بالهجرة من قوله تعالى لمسجد أسس على التقوى من أول يوم -(التوبة 108)- لأنه من المعلوم أنه ليس أول الأيام مطلقاً، فتعين أنه أضيف إلى شيء مضمر، وهو أول الزمن الذي عز فيه الإسلام، وعبد فيه النبي ﷺ ربه آمناً، وابتداء المسجد، فوافق رأي الصحابة ابتداء التاريخ من ذلك اليوم” 2.

وقد أبدى بعضهم للبدء بالتأريخ بالهجرة مناسبة فقال: كانت القضايا التي اتفقت له ويمكن أن يؤرخ بها أربعة: مولده ومبعثه وهجرته ووفاته، فرجح عندهم جعلها من الهجرة ؛ لأن المولد والمبعث لا يخلو واحد منهما من النزاع في تعيين السنة، وأما وقت الوفاة فأعرضوا عنه لما توقع بذكره من الأسف عليه، فانحصر في الهجرة، وإنما أخروه من ربيع الأول إلى المحرم لأن ابتداء العزم على الهجرة كان في المحرم، إذ البيعة وقعت في أثناء ذي الحجة وهي مقدمة الهجرة، فكان أول هلال استهل بعد البيعة والعزم على الهجرة هلال المحرم، فناسب أن يجعل مبتدأ، وهذا أقوى ما وقفت عليه من مناسبة الابتداء بالمحرم .

 وذكروا في سبب عمل عمر رضي الله عنه التاريخ أشياء، ذكرها ابن حجر رحمه الله في الفتح منها:

“ما أخرجه أبو نعيم الفضل بن دكين في تاريخه ومن طريق الحاكم من طريق الشعبي أن أبا موسى كتب إلى عمر أنه يأتينا منك كتب ليس لها تاريخ، فجمع عمر الناس، فقال بعضهم: أرخ بالمبعث، وبعضهم أرخ بالهجرة، فقال عمر: الهجرة فرقت بين الحق والباطل، فأرخوا بها، وذلك سنة سبع عشرة، فلما اتفقوا قال بعضهم ابدؤوا برمضان، فقال عمر: بل بالمحرم فإنه منصرف الناس من حجهم، فاتفقوا عليه، وروى الحاكم في المستدرك عن سعيد بن المسيب قال: جمع عمر الناس فسألهم عن أول يوم يكتب التاريخ، فقال علي: من يوم هاجر رسول الله ﷺ، وترك أرض الشرك، ففعله عمر.” 3. 4

طالع أيضا  تأجيل جديد لملف المدون ياسر عبادي إلى جلسة 11 ماي 2022

 إن استشعار عظمة الحدث في تاريخ الأمة واتخاذه بداية للتأريخ الإسلامي ينم عن التوفيق الذي ألهمه الله الفاروق وعلي بن أبي طالب رضي الله عنهما في بيان فضل الهجرة وأثرها في تغيير حال الأمة من حركة دعوية مضطهدة تتلافى الضربات وتقاوم بالصبر فقط، إلى حركة دعوية قائمة الذات أسست دولة تحميها، وأصبحت الفاعل في ميدان المواجهة، لتكسب بذلك على أعدائها نصرا، وفي الأرض انتشارا ومع الأيام استمرارا.

 هذا الاستشعار هو دعوة لنا أيضا لنتخذ من أحداث حياتنا حدثا فاصلا يكون تأريخا لحياتنا في السير إلى الله تعالى نقطع به دابر النفس المقعِدة إلى دوابية الشهوات الأرضية، وقد جعل الله في بعض شرائعه ما يحدد هذا التأريخ، ففي الحديث الشريف أن النبي ﷺ قال لعمرو بن العاص رضي الله عنه: “أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ الإِسْلاَمَ يَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهُ؟ وَأَنَّ الْهِجْرَةَ تَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهَا؟ وَأَنَّ الْحَجَّ يَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهُ؟” 5، يُستنبط من الحديث ثلاثة أمور تصلح أن تكون حدثا فارقا في تاريخ الإنسان يمحو الله به الذنوب والآثام الماضية، ويستقبل فيها الإنسان أيامه المتبقية في طاعة الله:

–       الإسلام: وهو بالنسبة لغير المسلم ميلاد جديد وعيد سعيد إذ به يدخل حوزة الدين الذي ارتضاه الله لعباده، ولن يقبل عمل عامل من خارجه، فالإسلام يجب ويمحي ما قبله في توبة نصوح، وإحسان قبلي، ففي حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: “قلنا: يا رسول الله أنؤاخذ بما عملنا في الجاهلية قال: من أحسن في الإسلام لم يؤاخذ بما عمل في الجاهلية ومن أساء في الإسلام أوخذ بالأول والآخر” 6.

وقد يظهر هذا جليا في تصور وتصرف بعض الداخلين في الإسلام، فيغير تبعا لهذا الميلاد اسمه وحياته كلها، والإسلام بالنسبة للمسلم هو تجديد للتوبة يوميا مع رد الحقوق لأهلها، ليحدث هذا الزيال، بين أفعال ما قبل التوبة وأفعال ما بعدها..

–       الهجرة: وأما الهجرة، فتلك في حق الصحابة وهي هجرة مكانية من مكة إلى المدينة قبل فتح مكة، أما الهجرة في حقنا اليوم فهي هجرة زمانية وهي هجر ما نهى الله عنه إلى ما أمر به دون نكوص أو تولٍّ.

–       الحج: والحج عبادة فاصلة في تاريخ المؤمن إذ يصلح أن يكون تأريخا في حياته، يمحو الله به ذنوب ما قبل الحج، فيرجع من حجه الخالي من الرفث والفسوق كيوم ولادة جديدة له بصحائف بيضاء لا تشوبها أفعال ما سبق الحج، قال ﷺ: “من حج هذا البيت فلم يرفث ولم يفسق رجع كما ولدته أمه” 7 وعند الطبراني في الأوسط من حديث عبادة بن الصامت، وقال فيه: “فإن لك من الأجر إذا أمَّمت البيتَ العتيق ألا ترفع قدماً، أو تضعها أنت ودابَّتك إلا كتبتْ لك حسنة، ورفعتْ لك درجة، وأمَّا وقوفك بعرفة، فإنَّ الله عزَّ وجلَّ يقول لملائكته: يا ملائكتي ما جاء بعبادي؟ قالوا: جاءوا يلتمسون رضوانك والجنَّة، فيقول الله عزَّ وجلّ: فإني أشهد نفسي وخلقي أني قد غفرتْ لهمْ، ولوْ كانتْ ذنوبهمْ عدد أيَّام الدَّهر، وعدد رمل عالجٍ، وأمَّا رميك الجمار قال الله عزَّ وجلَّ: فلا تعْلم نفس ما أخفى لهمْ من قرَّة أعينٍ جزاءً بما كانوا يعملون وأمَّا حلقك رأسك، فإنَّه ليس من شعرك شعرة تقع في الأرض إلا كانت لك نوراً يوم القيامة وأمَّا طوافك بالبيتِ: إذا ودَّعت فإنَّك تخرجُ من ذنوبك كيومَ ولدتك أمُّك.” 8، وهذا لعمري عطاء ما بعده عطاء لهذه الأمة المؤيدة بالخيرية والأفضلية على سائر الأمم ما قامت بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

طالع أيضا  خالد البكاري: الوضع الحقوقي المغربي اليوم هو آخر همٍّ بالنسبة للدولة (فيديو)

2-   الهجرة وفقه البديل:

–       إن الجامد في أساليبه الثابت في مكانه، والذي لا يستجيب لتغيرات واقعه، إنما هو فاشل التصور والتصرف، فالرسول ﷺ الذي جاء بما لا قبل لمكة به، من مشروع متكامل المفاهيم والقواعد، ومن فكرة ناضحة تنشد العدل بين بني البشر جميعهم، وترسم الوضوح في التصرفات، كان يعلم يقينا أن المواجهة ستكون حتمية وحارقة مع صناع الجاهلية، وقد فطن ورقة بن نوفل لذلك وهو يبشره بأن الله سيظهره، لكن بعد معاداة قومه له، وإخراجه مرغما من أرضه، هذه المواجهة حتمت على التبي ﷺ أن يسايرها بمنطق الواقعية التي تضع في الحسبان قوة الشر وفاعليته في أوان الدعوة، وأن الدعوة لا تملك من أدوات الصراع إلا نضج الفكرة وأهلا قليلين ليس لهم من القوة والوجاهة إلا أجسادهم العارية، فنحى ﷺ نحو سرية الدعوة والتنظيم في دار الأرقم بن الأرقم، حتى إذا جاء النداء العلوي بالصدع بالحق والجهر به، خرج الرسول ﷺ ومن معه يدفعهم حماس التكبير يرجُّون مكة بالشعار الجديد، لكن سيزداد صلف قريش، ويحاصر المسلمون اقتصاديا في شعاب أبي طالب ثلاث سنوات حتى أكلوا خشاش الأرض، وتنتقل قريش في إيذائها إلى الفتك والقتل فتبحث الدعوة عن فرج يخفف حمل المناوئين لها، فيأمر ﷺ المستضعفين من أصحابه بالهجرة إلى الحبشة أمنا من مكر قريش ومقاما في منزل مضمون عند حاكم عادل حتى يفتح الله بينهم وبين قومهم بالحق، يتعاظم فتك قريش وتزداد حنكة الرسول ﷺ في مجابهة هذا الفتك بسلم ومرونة، حتى استنفذت الدعوة بالرفق واللين كل أساليبها ليأمر الله تعالى رسوله ﷺ ومن معه بالهجرة إلى المدينة لتفتح لها آفاقا جديدة، وتترجل لتثبت لقريش ولمن بعدها أن نصر الله آت ينتظر فرص تشكله في دنيا الأسباب.

إن أي مسار تأسيسي في الحياة يروم التغيير الجماعي أو الفردي إذا اعتورته أشواك الطريق وصخور المتربصين، فلا يجب أن ينحب حظه وواقعه، بل عليه أن يتلمس فقه البدائل حتى ولو كانت من فقه الصمت، أو الوقوف في المكان ثابتا دون أن تجرف هذا المسار سيول التثبيط الهدارة، لأن الوقوف زمن الارتجاج يولد في نفوس الأعداء الذين لا يملكون المشاريع المغرية للناس، اللهم ما كان من مشاريع الهدم والإطفاء، يولد في نفوسهم رهاب الصمود الذي يفتقدونه، فيسقطون مع وضوح الفكرة ونضج التصور تحت ضرباته..

طالع أيضا  ذة. حمداوي: أطلقنا حملة "صلة الرحم" بهدف إعادة الاعتبار للعلاقات الأسرية وتمتين روابط التراحم

3-   الهجرة وتغيير أساليب الدعوة:

كانت المرحلة المكية أرضا زُرعت فيها دعوة الإسلام الواضحة، انْبَنَتْ على تركيز عقيدة التوحيد في القلوب، وتربية رجال الدولة الربانيين، يؤطر تصورَهم وتصرفَهم وسلوكَهم، الوازعُ الرقابي من الله تعالى ، إخلاصا في نية، وصدقا في قول، وقصدا في عمل، واستجمعت شياطين الإنس والجن وصناديد قريش وأزلام اليهود، قوتها لتقف في وجه هذه الدعوة الفتية، ومادام أن الإيمان والفكر يجب أن يقاوما بحجة فكر وقوة إيمان، لم تستطع هذه القِوى مجابهة الدعوة على هذا المستوى، فلجأت إلى أسلحة الضعفاء، وهي البطش والقوة والفتك، فتحمل النبي ﷺ كل صنوف الاستضعاف، دون التفات إلى ردة فعل، لأنه ﷺ صاحب مشروع وفعل، وما أطلق نبلا ولا سهما على أعدائه في هذه الفترة، فسرى الإسلام في مكة خُفية وجهرا، وأسلم من قريش خيرة الشباب والكهول، فتوافق صفاؤهم مع صفاء الدعوة، ألهموا من عرفهم أو رآهم أو عاشرهم، بحب الدين الجديد، ومع توالي القتل والفتك بأتباع النبي ﷺ تقرر أن الدعوة باللين والرفق قد استنفذت أغراضها، وأنه لم يبق إلا البحث عن أساليب أخرى للدعوة، أمر الله تعالى نبيه ﷺ بالهجرة إلى المدينة، لتبحث الدعوة عن غطاء يحميها، وهي الدولة، فأسس النبي ﷺ أثافيها الثلاث، بناء المسجد ومحوريته في الدولة، وبناء النسيج المجتمعي وتآلف الجبهة الداخلية بمؤاخاة الأنصار والمهاجرين، وترتيب أولويات المواجهة بمعاهدة اليهود، لتنطلق هذه الدولة تحمي الدعوة لبناء صرح الأمة الخالدة، وتخاطب الأعداء باللغة التي يفهمون، فلم يبق في مكة آنئذ إلا مهووسو الحروب، فحاربهم الرسول صلى عليه وسلم حتى دخل عليهم الباب منتصرا، وتذعن له قريش عن بكرة أبيها لتحقق الدعوة بكل أساليبها ومساراتها قلب الدولة ويتحقق التكامل الذي جاء به الإسلام ليخرج الناس من الظلمات إلى النور..


[1] فتح الباري شرح صحيح البخاري كتاب مناقب الأنصار باب التاريخ من أين أرخوا التاريخ 7/314.
[2] الروض الأنف 4/255
[3] فتح الباري شرح صحيح البخاري كتاب مناقب الأنصار باب التاريخ من أين أرخوا 7/315
[4] مقال لأبي عبد الله الذهبي من موقع صيد الفوائد بتصرف..
[5] صحيح مسلم كتاب الإيمان-باب كون الإسلام يهدم ما كان قبله وكذا الهجرة والحج 1/112
[6] صحيح البخاري في “كتاب استتابة المرتدين” “باب إثم من أشرك بالله وعقوبته في الدنيا والآخرة” حديث 6921
[7] متفق عليه: صحيح البخاري، كتاب الحج، باب فضل الحج والعمرة، برقم 1521
[8] الطبراني في الأوسط [مجمع البحرين، 3/185، برقم 1650]، من حديث عبادة بن الصامت