صدرت عن “دار إقدام للطباعة والنشر – إستانبول”، مع إطلالة العام الهجري الجديد 1444 الموافق لمُنسلَخ شهر يوليوز من عام 2022م، الطبعةُ الخامسة من كتاب “المنهاج النبوي تربية وتنظيما وزحفا” للإمام المجدد عبد السلام ياسين رحمه الله.

وقد صدرت الطبعة الأولى من هذا الكتاب منذ أكثر من أربعة عقود، وبالضبط سنة 1981، حيث ألفه الإمام رحمه الله بين فاتح شعبان 1401هـ و13 صفر 1402ه (بين 4 يونيو و11 دجنبر سنة 1981م) بسـلا – المغرب. ونشر مجزئا في الأعداد الثامن والتاسع والعاشر والحادي عشر من مجلة الجماعة بين يونيو 1981 ويوليوز 1982، ثم طبع بعد ذلك في كتاب واحد بفرنسا.

ويمتد الكتاب على طول ما يقارب الخمسمائة صفحة، فإضافة إلى مقدمة الطبعة الخامسة (1439هـ /2018م) التي كتبها الدكتور عبد الواحد متوكل، ومقدمتي الطبعتين الثالثة (1413هـ /1992م) والأولى (1401هـ /1981م) كتبهما الإمام رحمه الله، يتألف الكتاب من مقدمات وخمسة فصول (1- اقتحام العقبة إلى الله/ 2- تجديد الدين والإيمان/ 3- التربية/ 4- التنظيم/ 5- الخصال العشر وشعب الإيمان) وخاتمة.

بين يدي الطبعة الخامسة

قدّم للطبعة الخامسة الدكتور عبد الواحد متوكل عضو مجلس إرشاد جماعة العدل والإحسان ورئيس دائرتها السياسية، بسط فيها السياق العام لصدور الكتاب في طبعته الأولى وما كان له من أهمية قصوى، ولا يزال، في “انبعاث دعوة العدل والإحسان، وسرعة انتشارها، وقوة تماسكها بما وفر لها من منهاج تربوي وفكري وحركي متوازن جَنبَّ الجماعة مخاض التأسيس، وحيرة البداية، والتخبط في المسير”.

ولئن كان المنهاج النبوي كما وصفه مؤلفه الإمام ياسين رحمه الله «علما من العلم، وفكرا من الفكر، واجتهادا من الاجتهاد»، فإن تميزه حسب الدكتور المتوكل “لا يكمن فقط فيما وفر من عُدة نظرية، وإنما أيضا وأساسا فيما أرشد إليه من «كيفية » مستقاة من مشكاة النبوة، مسنودة بحضور صاحب المنهاج، بمثاله ومواقفه وسمته ودَلِّه، لحصول صحوة إيمانية في محاضن تربوية تنعقد بانتظام يجد بركتها وأثرها كل من أقبل عليها بهمة وانخرط فيها بصدق. وكان لحصول هذا التلاقي بين الأثر الإيماني والاقتناع الفكري والاتزان الحركي الأثرُ البالغ في شحذ العزائم على العمل الدؤوب الذي حقق بفضل الله لدعوة العدل والإحسان في زمن يسير الانتشار الواسع والراسخ في طول المغرب وعرضه، ووصل صداها حتى خارج حدود البلد. ولا شك أن كتابا بهذه المزايا لجدير أن يعاد طبعه ويحتفى به أيما احتفاء”.

طالع أيضا  "القوي الأمين"

وسيرا على نهج صاحب المنهاج الذي ما فتئ يذكر أن «ما كتبناه مطروح للمناقشة والأخذ والرد، فإن وضوح المنهاج لدينا وتعديله وإغناءه ضرورة عملية لكيلا نسير بالارتجال وفي الغموض»، فقد أشار عضو مجلس إرشاد الجماعة إلى جملة من الأمور التي ينبغي الانتباه إليها عند قراءة كتاب المنهاج النبوي؛ منها “ضرورة التمييز بين الثابت والمتغير، والمبادئ والاجتهاد في تنزيلها على أرض الواقع المتحرك، وبين الكليات والتفاصيل، والمواقف المظروفة بظروفها أو المرتبطة بعلة تدور معها وجودا وعدما”. وكذا “استحضار كتب المؤلف الأخرى، وخاصة التي ألفت بعد كتاب المنهاج للتأكد من بعض الآراء والمواقف، وهل مازالت قائمة أم تم العدول عنها جزئيا أو كليا”، ويضيف رئيس الدائرة السياسية للجماعة أن “هناك مسائل ناقشها الإمام رحمه الله في الكتاب لكنه لم يحسم فيها، ثم عاد إليها مرة أخرى في كتبه اللاحقة ليسلط عليها إضاءات جديدة، ولا تزال مع ذلك مفتوحة للنقاش”.

وهناك، يزيد المتوكل، “مسائل ربما لو استقبل -يقصد مؤلفَ المنهاج الإمام ياسين رحمه الله- من أمره ما استدبر لما أدرجها في الكتاب أصلا”، واستدل عليها بما جاء في “الفصل الرابع من الكتاب المتعلق بالتنظيم. فأكثر ما سطر بهذا الخصوص قد تم تجاوزه منذ سنوات، وبعضه لم يطبق أصلا”.

ومضات من “المنهاج النبوي”

يؤصل الإمام ياسين رحمه الله لعلم المنهاج النبوي انطلاقا من قوله تعالى: وَأَنزَلْنَآ إِلَيْكَ ٱلْكِتَٰبَ بِٱلْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ ٱلْكِتَٰبِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ ۖ فَٱحْكُم بَيْنَهُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ ۖ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَآءَهُمْ عَمَّا جَآءَكَ مِنَ ٱلْحَقِّ ۚ لِكُلٍّۢ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا ۚ 1، ليعلن في فقرة مقدمات أن «المسلمون بحاجة اليوم لاكتشاف المنهاج النبوي كي يسلكوا طريق الإيمان والجهاد إلى الغاية الإحسانية التي تعني مصيرهم الفردي عند الله في دار الآخرة، وإلى الغاية الاستخلافية التي ندبوا إليها ووعدوا بها متى سلكوا على المنهاج واستكملوا الشروط».

طالع أيضا  في الذكرى الأولى المشؤومة.. آلاف المغاربة يتبرؤون من قرار التطبيع ويجددون دعمهم للقضية الفلسطينية

والمنهاج النبوي يروم تحرير الأمة التي عاشت «زمانا طويلا تحت وطأة الفتنة الداخلية ووطأة العدوان الصليبي الاستعماري، وتعيش اليوم تحت كابوس التآمر الصهيوني العالمي فما عادت تنفع ولا تجوز التسلية سبحا في الأماني المعسولة، ولا عادت تنفع الكلمات المرة كلمات الشكوى القاعدة». وهذا يحتاج في نظر الإمام ياسين رحمه الله «لوضوح خط الجهاد الذي ينتظرنا، ونحتاج لتربية الإيمان وتنظيم الإرادة الإيمانية في الأمة. نحتاج إلى قيادات مؤمنة وعلم تربوي، وحكمة تنظيمية، لكي لا تذهب جهودنا في فوضى ردود الفعل الموقوتة الانفجارية».

ويعد الفصل الخامس العمود الفقري لكتاب المنهاج النبوي الذي يَنظُم فيه الإمام ياسين رحمه الله شعب الإيمان اللازمة لتحرير قلب وعقل وإرادة الفرد والجماعة والأمة، في سعي جهادي شمولي يجمع بين الغاية الإحسانية والغاية الاستخلافية في خصال عشر.

وتشتمل كل خصلة منها على الأساس التربوي والمطلب التنظيمي واستشراف الزحف. وأولى هذه الأركان خَصلة الصحبة والجماعة، ويتلازم فيها صحبة الصالحين المربّين والعمل الجماعي الذي يروم نهضة الأمة. ثم خصلة الذكر وأساسها القرآن الكريم، وفيه كان أمر الله لازما إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ[سورة النحل، الآية 90.]. ثم خصلة الصدق بما هو قوة وصبر وثبات في مواقف الشدة والتمحيص.

وتأتي خصال البذل والعلم والعمل والسمت الحسن والاقتصاد والجهاد كلها صوى موجهة للعاملين في بناء مشروع العدل والإحسان، والعاملين لمستقبل هذه الأمة وصلاح أمرها. حتى نحذر العنف وما يغم على بعض الناس، فيفسدون من حيث أرادوا الإصلاح. ولنكون رحمة للناس لا نقمة عليهم. وانظر قوله عز وجل: إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا[سورة الأنفال، الآية 70.]. الخير الذي يؤتيناه الله تعالى ويجعله في قلوبنا، هو الخير الذي وقر في قلب رسول الله ﷺ، فكان رحمة للعالمين، وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ[سورة الأنبياء، الآية 107.].

طالع أيضا  د. متوكل يصف النفخ في نسب المشاركة بـ "الفاضح" ويؤكد: الرتب في عملية فاسدة برمتها لا تعني شيئا

وعلم المنهاج النبوي بما هو شرعة إلهية ومنهج نبوي ليس تفكيرا رجعيا ماضويا بل هو هو دعوة، يقول الإمام ياسين، إلى أن «نفكر ونخطط ونطرح مشاكل المستقبل بوسائل الحاضر، لا سيرا مع الخط الذي تسير فيه الحضارة المادية الصائرة إلى الهاوية، لكن إعدادا لقوة العلم والتنظيم كي نحل مشاكل التنمية، ونحل معها مشاكل الحضارة المادية المفروضة علينا، ريثما نقيم حضارة أخوية على مستوى حاجة الإنسانية للحرية وطمأنينية العيش والنفس، ونرد السلام للعالم. إننا لا نرضى بهيمنة الدول العظمى على العالم، ولا باستعباد الإنسان وهضم كرامته وحقوقه الآدمية، ولا بطحن جسم الإنسان ووقته بين عجلات الإنتاج والاستهلاك، ولا بتشويه نفس الإنسان وحياته الفكرية والعاطفية بالثقافة المنحلة المخدرة العنيفة».

يمكنكم مطالعة كتاب “المنهاج النبوي تربية وتنظيما وزحفا” على موقع سراج الذي يضم كل مؤلفات الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله.


[1] سورة المائدة، الآية 48.