وأنت تدخل هناك حيث الرباط، تجلس هنيهة فوق أول كرسي تصادفه، لتسترجع بعضا من أنفاسك اللاهثة بعد صراع طويل مع نفسك التي واجهتك بكل الأعذار والعقبات والعوائق..

تتنفس الصعداء أن ربحت هذه الجولة أخيرا وارتميت وسط إخوتك..

ما أن تستعيد بعضا من هدوئك حتى تحس أن الأرض غير الأرض، والزمان غير الزمان..

 فجأة يغمرك النور وأنت تنزل الطابق السفلي، فتزداد نبضات قلبك وأنت تتذكر أيامك الأولى منذ أزيد من عشرين سنة..

 بعد أن تصلي ركعتين، تتأمل الآية المكتوبة واعبد ربك حتى يأتيك اليقين..

 تعاهد نفسك سرا أن هذه اللحظات قلما تَعود، وأن الدقائق غالية، وأن قلبك يحتاج تَخفيفًا ممّا فيه.. تعزم أن تعالِج التَّعَب بالتَّعَب، وتحمِل ضَعفَك إليه، وتجلس بكلّ أخطائك بين إخوتك لأنك اكتشفت خلال كل هذه السنوات أنهم ليسوا رفقاء الطريق بل هم الطريق..

تستيقظ قبل الفجر بساعتين.. تجلس تردد لا إله إلا الله.. تتفيأ ظلالها، لا هروبا واعتزالا لكنها الصحبة التي منحتك فهما وإرادة، جمعا وانجماعا، وجعلتك تعيش بعض المعاني، وتذوق بعض الآيات..

تلتفت لتفاجأ بمجلس الأكابر يفترشون الأرض مثلك هنا وهناك، وتلمح الأمين بقميصه الأزرق الخفيف وكأنه يلتحف السماء.. تبحث مرة أخرى فيسعدك منظر الفتح المتكئ على الزرقة وكأنهما اتفقا على امتطاء السماء.. يتوزع أعضاء المجلس كعقد لؤلؤي هنا وهناك، يتفيؤون مع إخوتهم ظلال لا إله إلا الله وكلهم خشوع..

يدخل الإمام فيصطف الجمع للقيام بين يدي المنعم الكريم..

كان صوت هذا الإمام ملائكيا وكأنه حديث عهد بربه.. تمضي الآيات جميلة رائعة تغسل الوجوه التي أطالت النظر إلى السماء، وتروي من أعيتهم مشقة الطريق، وتدفع بظمأ القلوب التي عبرت الصحاري ولم تجد من يسقيها.. في السجود تسمع الدعوات التي لا تملّ طرق باب الله طرق المساكين.. تبرأ إليه من حولها وقوتها وحيلتها وتدبيرها..

طالع أيضا  في جلسة ليلية ثالثة.. الأستاذ الشيباني يرسم صُوًى منيرة لتدبير الوقت تربية وتنظيما وتطبيقا

تنتبه أنه نطق سورة الأعلى بـ(بل يوثرون) وليس (بل توثرون) كما حفظتها منذ صغرك.. عندما كررها في الليلة الثانية يساورك الشك وتكاد (تصححها) له، وأنت الذي تحفظ بالكاد سدس القرآن فتتريث وتسأل خفية فيجيبك صاحبك وعلى وجهه ابتسامة واسعة أنها رواية السوسي عن عامر. ثم يهمس لك أن ذاك الإمام يحفظ القرآن بالقراءات العشر.. عندما تذهب لتتوضأ تقفل عليك الباب وتضحك على نفسك بكل ما أوتيت من سذاجة. فتدرك مرة أخرى أنك لاتزال صغيرا..

بعد صلاة الصبح تتقاطر المبشرات وأنت تتمعن في وجه فارس الدعوة الذي رعاك منذ كنت تلميذا ولا يزال.. تتأمل دعاءه العجيب الذي يبدو أنه لا يحفظه إنما يقوله كما يفتح الله عليه ببحة واضحة ورحمة واضحة وتضرع أوضح..

تهتز بشدة وحنين حين تسمع (رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم) فتنهمر دمعة بالرغم منك تحاول أن تخفيها فتفشل.. كان هنا إذن.. كان بقربك وأنت لم تنتبه. كان هنا وهذا يكفيني إلى حد الامتلاء..

تمضي جلسة الشروق نورا على نور وتغيب للحظة وأنت تتذكر أن طوال عُمرك تتعلّم وتتألّم وتتأدّب، لكن كمية النور المنبعث مع نور الفجر وعبر وجوه الأكابر تجعلك تسجُد كأنّك أثقلُ أهلِ الأرض حِملًا وتقُوم كأنّك وليدُ لحظتك. يعلن ضابط الوقت (لقبته “يسألونك عن الساعة”) وجه ضاحك مستبشر يحتضن مكبر الصوت بكلتا يديه.. يعلن عن فترة التسبيح فتتعالى الهمسات وطقطقات السبحات ترافقها زقزقة العصافير وتمايل الورد مع نسمات الهواء العليل.

تذهب لتستريح وأنت أخف من البارحة وأصفى من البارحة، وتسترق السمع من أسفل غطائك لنفسات هؤلاء الذين يستبشرون بغد الأمة والسير على المنهاج النبوي، هؤلاء الذين يتمسكون بوحدة الصحبة والجماعة ووحدة الصحبة في الجماعة ولا ينسون إخوتهم في كل دعاء..

طالع أيضا  أطُــر جماعة العدل والإحسان: إعفاءٌ أم إقصاءٌ؟

في المساء تحلق الجميع فكانت المفاجأة؛ سطع وجه الإمام المجدد كشمس هادئة يطل على الجميع بابتسامته الحانية ونوره الساطع.. يأتي صوته عبر مكبر الصوت رخيما جليلا جميلا.. أغلبنا شاهد هذا الفيديو من قبل، شاهدته أنا أيضا أكثر من مرة وحيدا وأنا أعافس الأهل والولد، لكن شيئا غريبا حدث معي لأول مرة، استشعرت أن هناك معنىً مختلفًا عمّا سبق، شيئًا لَم أنتبه له من قبل، لمسةً لأول مرة تصيب قلبي لأنتبه..

تخيّل أنّك في صحراء قاحلة، شديدة الحَرّ، شديدة الألم، تطلب من الله قطرة، وإذ بالسماء تُمطر فينهمر عليك الغيث حُبًا، تطلب من الله قطرةً واحدة فيُعطيك سماءً تُمطر..

هي الصحبة الوارثة الحاملة الواصلة تجلت عليك، وأنت في، ومع، الصادقين وتسأل الله أن تكون منهم.

في فترة الاستراحة تقترب من الرشد مبتسما كعادته مستبشرا كعادته فيهمس لك أنه لا بُدَّ لِمَن يُحِبّ.. أن يَرتَوي..

تتأمل ما قاله الإمام في الفيديو مرة أخرى:

إذا ما مات منا سيد قام سيد.. قؤول لما قال الكرام فعول..

تنام ليلا وفي قلبك ابتسامة رضى طفل تائه وجد أمه أخيرا.. ويستمر النور..

دي الحجة 1443 بين مراكش واكادير