الفصل الأول: (1974-1978) من النصيحة إلى مستشفى المجانين!

من ياسين إلى الحسن والنخبة السياسية

من مدينة مراكش حيث كان يقطن الأستاذ عبد السلام ياسين آنذاك، وبها كان مولده ونشأته، وبمدارسها ومعاهدها تلقى تعليمه (مدرسة العلامة المختار السوسي ثم جامعة ابن يوسف)، قبل أن يلتحق بسلك التربية والتعليم بمدن الرباط والجديدة والدار البيضاء وبني ملال ومراكش، ويرتقي في مختلف مستوياته، ويمضي فيه 20 سنة من التعليم والتأطير والترجمة والتفتيش والتكوين والتخطيط والتأليف، عاشر خلالها الفرنسيين (من النصارى واليهود) في الإدارة، وقد كان منهم مستشرقون وباحثون اشتغل معهم باحثا ومترجما في إنجاز بعض أطروحاتهم الأكاديمية 1، كما تخرج أيضا بتفوق في الدراسات العليا من المعهد المغربي للدراسات العليا بالرباط (Institut des Hautes Études Marocaines) 2، وهو كلية الآداب والعلوم الإنسانية حاليا، إضافة إلى مشاركته في تدريبات وتكوينات علمية دولية في أمريكا وفرنسا ولبنان ومصر والجزائر وغيرها.

الإمام عبد السلام في شبابه…

وفي لحظات صفاء من صيف 1974م، غلب عليه مع إشراقه الروحي التهمم بواقع الأمة، فـ“انقطع إلى الله وداوم على الصيام والقيام وكان كثير الاهتمام بأمر المسلمين وما آلت إليه أحوالهم من فُرقة وتنافر، ضيعوا حقوق الله فضاعوا وذلوا، ابتلوا بفساد الإدارات، وضياع الأمانات” 3، وبعد تردد واستخارة، كتب رسالته التاريخية المشتهرة “الإسلام أو الطوفان” 4، وأخبر أهله بمضامينها السياسية وبآثارها المحتملة وباستعداده لتحمل الأذى، ثم بعثها إلى كبراء السياسة وأكابر العلم قبل إرسال نسخة منها إلى ملك المغرب الراحل الحسن الثاني رحمه الله (ت1999م).

جاءت الرسالة لتُذكر الـمَلِك بمسؤوليته أمام ربِّه وأمام شَعبه، وتنصحه بإبعاد بِطانة السُّوء عن التسلط على رقاب الأمة، وإرجاع أمانة الحكم إلى موضعها الشرعي، وإصلاح الإدارة، فالنداءات الحماسية الموسمية، وادعاء القوة الحربية وزعم المجد من فراغ، شبيه في جعجعته بثرثرة أنصاف المثقفين وأحلام القيادة الجماعية عند بعضهم، فلا تكفي لإنجاز إقلاعٍ صادق يُخرج الأمة من وهدتها، ما لم تُشرك القيادة القادرة بحدسها وروحانيتها وحكمتها المجتمعَ بقُواه الحية في عملية تحوُّلٍ حقيقية تلامس جوهر الحياة السياسية والاقتصادية، فـ“المثاليون جدا” أو الحالمون بواقع بديل، يكونون كذلك ليس بالغاية التي يسعون إليها، وإنما بعدم إدراكهم للخطوات الموصلة إلى تلك الغاية” 5.

الملك الحسن الثاني

الملك الحسن الثاني

أثارت رسالة الإسلام أو الطوفان 6 اهتمام النخبة السياسية والدينية والثقافية بالمغرب، كما يؤكد المؤرخ زكي مبارك “وكان الجميع ينتظر رد فعل ملك هو في عنفوان سلطته، على هذه الرسالة القوية المباشرة، وما تحمله من أفكار مجدِّدة” 7، فهي تشكل نداء قويا وواضحا من عالمٍ خرق عادة عامة العلماء مع السلاطين، وهو الخبير العارف بالواقع وما يجري فيه وما يراد له، إلى ملك من أعتى ملوك العرب في القرن العشرين، يدعوه إلى “التوبة”، ويرجو أن يفتح الله بصيرته للحق فيقود التغيير المرجو 8.

طالع أيضا  باحث في العلوم الشرعية يُبيّن إثم قطيعة الرحم وأسبابها وسبل علاجها 

ومعلوم أن توبة الأمراء ليست هي توبة الأفراد، لأن الأمراء يتحملون مسؤولية الشعوب، ويمتلكون وسائل القوة والتأثير والنفوذ أكثر من غيرهم، مما يجعل صدق توبتهم مدخلا رئيسا للإصلاح السياسي والاقتصادي والاجتماعي، فهم أهل القيادة والقدوة للشعوب، والناس على دين ملوكهم، إن أكابر أو كبراء، {أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ هَدَى ٱللَّهُ فَبِهُدَىٰهُمُ ٱقْتَدِهْ}(الأنعام:91)، أو {وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَمَا هَدَى}(طه: 77).

يقول الأستاذ محمد العيادي (ت2013م): “إن توبة الحاكم تشكل عند ياسين إحدى الطرق الممكنة لإقامة الدولة الإسلامية، فهو يعتبر أن أمراض المجتمع متأتية من القمة في مستوى القيادة السياسية والروحية؛ لأنها هي المسؤولة عن قيادة الأمة وتربيتها وإصلاحها، وهو خلافا لسيد قطب الذي يعتبر مجتمعات المسلمين المعاصرة “مجتمعات جاهلية” يفرق بين الإسلام الموروث الذي تؤمن به الطبقات الشعبية وبين “الإسلام” الذي تمارسه النظم الحاكمة”، والذي يعتبره مجرد نفاق ومظاهر كاذبة” 9.

باب مدرسة الإمام الجزولي

باب مدرسة الإمام الجزولي

ويجمل بنا أن نقدم باختصار أهم الأفكار -في نظرنا- التي خطها خريج جامعة ابن يوسف 10 في الرسالة، وبسبب مضامينها أُدخل سجن/مستشفى “مرشيش” 11 بمراكش، ثم صارت رسالة تاريخية يُحسب لصاحبها ألف حسابٍ وحساب. وهي الرسالة التي ساعده بتصفيف حروفها وطباعتها كل من الأستاذ أحمد الملاخ (ت2011م) والأستاذ محمد العلوي (ت2010م) رحمهما الله، بطريقة “تقليدية”، وخلال أكثر من 20 يوما في القاعة 6 من مدرسة الإمام الجزولي بمراكش 12، حيث كان الأستاذ العلوي السليماني مديرا لها آنذاك (انظر صورة المدرسة).

 




[1] انظر: ياسين، عبد السلام. حوار في برنامج مراجعات، قناة الحوار بلندن، حاوره المفكر الفلسطيني عزام التميمي، الحلقة الثانية. وجميع الحلقات منشورة على قناة بصائر: (yassine.tv). وشوهد في 30 أبريل 2020م.
[2] تأسس المعهد المغربي للدراسات العليا سنة 1917م بالرباط، من طرف الإدارة الفرنسية، وتحول إلى كلية الآداب والعلوم الإنسانية سنة 1957م.
[3] سقراط، علي. نبذة من حياة الأستاذ المرشد السيد عبد السلام ياسين، مخطوط.
[4] ياسين، عبد السلام. الإسلام أو الطوفان، د. مطبعة، سلا، ط2، 1420ه/2000م.
[5] Georg, Lukács. “History and Class Consciousness”, The Merlin press ltd 1971, p295-296.
[6] انتهى من كتابتها ليلة 17 رجب 1394/ 6 غشت 1974م.
[7] زكي، مبارك، “الإمام ياسين مدرسة جديدة في الكتابة التاريخية”، منشور يوم 5 مارس 2019م، بموقع (yassine.net)، وشوهد في 20 أبريل 2020م.
[8] انظر: ياسين، عبد السلام. الإسلام أو الطوفان، مرجع سابق، ص 160-166.
[9] العيادي، محمد. دراسات في المجتمع والتاريخ والدين، جمع وتقديم محمد الصغير جنجار، مؤسسة الملك عبد العزيز آل سعود، الدار البيضاء، ط1، 2014م، ص 205.
[10] دخل إلى الجامعة سنة 1943م، وتابع دراسته فيها إلى أن اجتاز مباراة الالتحاق بسلك تكوين المعلمين بمدينة الرباط سنة 1947م. وجامعة ابن يوسف هي مؤسسة علمية عريقة يعود إنشاؤها إلى عهد الدولة المرينية، ونُظم فيها التعليم الجامعي بصفة رسمية انطلاقا من دجنبر سنة 1939م، وتعتبر أختاً لجامعة القرويين بفاس، وجامع قرطبة بالأندلس، وجامعة الزيتونة بتونس، وجامعة الأزهر بالقاهــرة. قال عنها العلامة عبد الله كنون (ت 1989م): “وإن ننس، لا ننس جامع ابن يوسف، وهو بمراكش مثل القرويين بفاس، فهو من منشآت هذا العصر (العصر المرابطي)، ومنذ بناه علي بن يوسف لم يزل المركز الثاني للدراسات العلمية والأدبية بالمغرب”، انظر: كنون، عبد الله. النبوغ المغربي في الأدب العربي، دار الكتاب اللبنانية، بيروت، ط2، 1961م، 1/75.
[11] “مرشيش” كان هو اسم مستشفى الأمراض الصدرية الذي سُجن فيه الأستاذ، قبل أن يتحول إلى مستشفى الأمراض النفسية ويحمل اسم “ابن النفيس” بمراكش.
[12] انظر: شريط فيديو بعنوان “سيرة الرجال”، مسجل بتاريخ 6 غشت 2004م، ومنشور في قناة عبد السلام ياسين الإلكترونية على يوتيوب، يوم 10 نونبر 2017م، وشوهد في 7 ماي 2020م.