الفصل الأول: (1974-1978) من النصيحة إلى مستشفى المجانين!

للعلماء في التاريخ قصص طويلة مع اضطهادهم من طرف السلاطين، وخاصة منهم العلماء الربانيين الذين رسخوا في ميراث النبوة وحازوا مَلكة العلم النافع، جنبا إلى جنب مع روحانية الجهر بالحق والعمل به، وكانوا أعلاما بارزين في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والصبر على الأذى، قوامين لله شهداء بالقسط، استغنوا بكرم ضريبتهم عن أعطيات غيرهم 1، فرفع الله أعلامهم وبارك أعمالهم، فصاروا قدوة يقتدى بهم في الاستقامة والمسابقة في الخيرات، وما زادهم كيد العبيد إلا شهرة، وما ازدادت بهم الأمة إلا شرفا، إذ “الأمم تكتسب قيمتها من الفرد البارز لا من الملايين الكثيرة” 2، رغم ما يتعرض له الفرد البارز من الأذى والاضطهاد، إذ “ما ظهر عظيم -أو برز رجل- إلا هاجت عليه الأحقاد، وراح يحترب حوله وبسببه الأنصار والأضداد. ومتى رأيت رجلا يحبه الناس أو يبغضونه فاعلم أنه كبير” 3.

وقد عضَّت في تاريخ المسلمين -كما في تاريخ غيرهم- سلالاتٌ حاكمةٌ على السلطة بمشروعية السيف وأخلوقة الوراثة، وأعرض الحكام عن مشروعية الشورى وحكمة التعاقد التي تجسد الإرادة العامة للأمة، بل استكبروا بأنسابهم وأصروا على قطع دابر المعارضة لترويض الأمة وتدجينها، وتخدير الأجيال بوهمِ تأويل ديني متعسف، ومصلحة عامة مزعومة، حتى أضحى الاعتراض على رأي الحاكم أو نقد مذهبيته/إديولوجيته السياسية خروجا عن أصول الدين جملة، يُطبع على فكر صاحبه بالغلو والخروج من جماعة السلطان! ويستحق الـمُعارض أو الناصح بموجبه القتل أو النفي أو الحصار!

ومع مرور الزمن تحوَّل الوهم التاريخي الهش إلى حقيقة سياسية صلبة، واكتسب السيف مشروعيته، وكُيفت له النصوص، ونُسجت له القصص، وصُنعت له الخطب.

ويحتفظ التاريخ السياسي المغربي بنماذج كثيرة من العلماء الأجلاء الذين قاوموا الأخلوقة والوهم وعارضوا السلطة السياسية الفاسدة، أفرادا وجماعات، فاضطُهدوا وامتُحنوا من طرف الحكام، ولكنهم صبروا على ما أوذوا وواصلوا رسالتهم إلى أن قضوا نحبهم وما بدلوا تبديلا، ونذكر منهم على سبيل المثال: الإمام عبد السلام بن برجان (ت1141م)، والقاضي عياض بن موسى السبتي (ت1149م)، والعلامة الحسن بن مسعود اليوسي (ت1691م)، والفقيه عبد السلام بن حمدون جسوس (ت1709م)، والشهيد محمد بن عبد الكبير الكتاني (ت1909م)، والأمير محمد بن عبد الكريم الخطابي (ت1963م)، وغيرهم كثير، كما نذكر من المعارضات الجماعية معارضة العلماء للسلطان محمد الشيخ المامون بن منصور الذهبي أثناء تسليمه العرائش للمستعمر، ومعارضة علماء فاس للسلطان الحسن الأول فيما يعرف بانتفاضة الدباغين (1873م)، ومعارضة العلماء للسلطان المولى إسماعيل فيما يشتهر بفتنة عبيد البخاري، والأمثلة كثيرة.

طالع أيضا  عبد السلام ياسين.. كلمة الحق لاتموت (وثائقي)

وفي زمننا نذكر ما وقع للإمام عبد السلام ياسين بن محمد بن سلام (ت2012م)، خريج كلية ابن يوسف. رحم الله الجميع.


[1] انظر: الفراك، أحمد. رسالة العلماء في الإسلام بين شرط الواقع وفقه الواجب، مطبعة جودة، الرباط، ط1، 2014م، ص 78-93.
[2] المازني، إبراهيم عبد القادر. من النافدة، مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة، القاهرة، ط1، 2012م، ص 49.
[3] المرجع نفسه، والصفحة.